**

الله ربي لا أشرك بربي أحدا الله ربي لا أشرك بربي أحدا

الأربعاء، 27 مايو 2026

ج4.وج5وج6.كتاب : العدة شرح العمدة المؤلف : عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي

وهذا نموذج خلافي اخر للاطلاع في عموم الفقه بسائر القضايا 
 
الفقهية  لتري الاختلافات الفقهية واعصم من شرها هو الالتزام بنص القران + صحيح السنة
 
  أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 .جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين 
ج4.وج5وج6.
كتاب : العدة شرح العمدة
المؤلف : عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي


= صار ابنا لها وللرجل الذي ثاب اللبن بوطئه فيحرم عليه كل من يحرم على ابنها من النسب وإن أرضعت طفلة صارت بنتا لهما تحرم على كل من تحرم عليه ابنتهما من النسب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب", والمحرم من الرضاع ما دخل الحلق من اللبن سواء دخل بارتضاع من الثدي أو وجور أو سعوط محضا كان أو مشوبا إذا لم يستهلك ولا يحرم إلا بشروط ثلاثة:
أحدها: أن يكون لبن امرأة بكرا كانت أو ثيبا في حياتها أو بعد موتها فأما لبن
ـــــــ
مسألة: "وإن أرضعت طفلة صارت بنتا لهما تحرم على كل من تحرم عليه ابنتهما من النسب" لذلك.
مسألة: "والرضاع المحرم ما دخل الحلق من اللبن سواء دخل بارتضاع من الثدي أو وجور أو سعوط محضا كان أو مشوبا إذا لم يستهلك" والوجور أن يصب اللبن في حلقه فيحرم لأنه ينشر العظم وينبت اللحم فأشبه الارتضاع, وأما السعوط فهو أن يصب في أنفه فيحرم لأنه سبيل لفطر الصائم فكان سبيلا للتحريم بالرضاع كالفم, وعنه لا يثبت التحريم بهما لأنهما ليسا برضاع وأما المشوب فهو كالمحض في نشر الحرمة إذا كانت صفات اللبن باقية, فإن صب في ماء كثير لم يتغير به لم يثبت التحريم لأن هذا لا يسمى لبنا مشوبا ولا ينشر عظما ولا ينبت لحما. وقال أبو بكر: قياس قول الإمام أحمد أن المشوب لا ينشر الحرمة لأنه وجور, وقال أبو حامد: إن غلب اللبن حرم وإن غلب خلطه لم يحرم؛ لأن الحكم للأغلب ويزول اسم المغلوب والأول أصح؛ لأن ما تعلق به الحكم غالبا تعلق به مغلوبا كالنجاسة والخمر.
مسألة: "ولا يحرم إلا بشروط ثلاثة: أحدها أن يكون لبن امرأة بكرا كانت أو ثيبا في حياتها أو بعد موتها", فلو ثاب للرجل لبن فأرضع به طفلا لم يتعلق به تحريم لأنه لم يخلق لغذاء المولود فلم يتعلق به تحريم كلبن البهيمة؛ ولأنه لا تثبت به الأمومة بخلاف لبن المرأة فإنه خلق لغذاء الولد وتثبت به الأمومة سواء كانت بكرا أو ثيبا لأنه رضاع من امرأة فنشر الحرمة كما لو كان لها ولد؛ ولأن لبن النساء خلق لتغذية الأطفال فيدخل في عموم قوله: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ}, وعنه لا ينشر الحرمة لأنه نادر أشبه لبن الرجل لأنه لم تجر العادة به لتغذية الأطفال أشبه لبن الرجال, وإن ارتضع من امرأة ميتة نشر الحرمة كما لو ارتضع من حية.
مسألة: "فأما لبن البهيمة فلا" يثبت الحرمة فلو ارتضع طفلان من بهيمة لم يصيرا أخوين, وقال بعضهم: يصيران أخوين وليس بصحيح لأن هذا اللبن لا يتعلق به تحريم الأمومة فلا يتعلق به تحريم الأخوة؛ لأنه فرع على الأمومة ولأن البهيمة دون الآدمية في الحرمة ولبنها دون لبنها في غذاء الآدمي فلم تتعلق الحرمة به.
مسألة: فإن ثاب لبن لخنثى مشكل لم يثبت به التحريم لأنه لم يثبت كونه امرأة فلا يثبت التحريم مع الشك.

البهيمة أو الرجل أو الخنثى المشكل فلا يحرم شيئا.
الثاني: أن يكون في الحولين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام".
ـــــــ
الشرط "الثاني: أن يكون في الحولين" لقوله سبحانه: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} 1, فجعل تمام الرضاعة حولين فيدل على أنه لا حكم لما بعدهما وعن عائشة, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنظرن إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة". متفق عليه2. وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام". أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح3.
الشرط "الثالث: أن يرتضع خمس رضعات" فصاعدا هذا الصحيح من المذهب وروي عن جماعة من الصحابة, وعنه أن قليل الرضاع وكثيره يحرم لقوله: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} 4, وقوله عليه السلام: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" 5. وأنه فعل يتعلق به تحريم مؤبد فلم يعتبر فيه العدد كتحريم أمهات النساء وعنه لا يثبت التحريم إلا بثلاث رضعات لقوله عليه السلام: "لا تحرم المصة ولا المصتان" 6. روته عائشة, وروى عن أم الفضل بنت الحارث قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان" 7. ووجه الرواية الأولى ما روى عن عائشة عن سهلة بنت سهيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "ارضعي سالما خمس رضعات فيحرم بلبنها" 8. وروي عن "عائشة" أنها قالت: "أنزل في القرآن عشر رضعات" معلومات "فنسخ من ذلك خمس وصار إلى خمس رضعات يحرمن فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك" , رواه مسلم9. والآية تقول بها والسنة فسرت الرضاعة المحرمة وصريح ما رويناه يخص مفهوم ما رووه فيجمع بين الأخبار بحملها على الصريح الصحيح الذي رويناه.
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 233.
2 - رواه البخاري في النكاح: حديث رقم 5102. ومسلم في الرضاع: 32.
3 - رواه الترمذي في الرضاع: في الرضاع: حديث رقم 1152. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
4 - سورة النساء: الآية 23.
5 - سبق تخريجه
6 - رواه مسلم في الرضاع: حديث رقم 17, 20, 23.
7 - المصدر عاليه: حديث رقم 18, 22.
8 - رواه أبو داود في النكاح: حديث رقم 2061. ومالك في الرضاع: حديث رقم 12. وأحمد في المسند 6/201. و255, 269, 271.
9 - رواه مسلم في الرضاع: حديث رقم 25.

الثالث: أن يرتضع خمس رضعات لقول عائشة: أنزل في القرآن عشر رضعات يحرمن فنسخ من ذلك خمس فصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك, ولبن الفحل محرم فإذا كان لرجل امرأتان فأرضعت إحداهما بلبنه طفلا والأخرى طفلة صارا أخوين لأن اللقاح واحد وإن أرضعت إحداهما بلبنه طفلة ثلاث رضعات ثم أرضعتها الأخرى رضعتين صارت بنتا له دونهما, فلو كانت الطفلة زوجة له انفسخ نكاحها ولزمه نصف مهرها ويرجع به عليهما أخماسا ولم ينفسخ نكاحهما, ولو أرضعت إحدى امرأتيه الطفلة خمس رضعات: ثلاثا من لبنه واثنتين من لبن غيره صارت أما لها وحرمتا عليه وحرمت الطفلة على الرجل الآخر على التأبيد, وإن لم تكن الطفلة امرأة له لم ينفسخ نكاح المرضعة ولو تزوجت امرأة طفلا فأرضعته خمس رضعات حرمت عليه وانفسخ نكاحها وحرمت على صاحب اللبن تحريما مؤبدا لأنها صارت من حلائل أبنائه.
ـــــــ
مسألة: "ولبن الفحل محرم" فإذا وطئ امرأة بنكاح فحملت وبان لها اللبن فأرضعت به طفلا أو طفلة صار المرتضع ابنا لها ولزوجها؛ لأن اللبن هو من الحمل الذي هو منه, "وإذا كان له امرأتان فأرضعت إحداهما بلبنه طفلا والأخرى طفلة صارا أخوين؛ لأن اللقاح واحد, وإن أرضعت إحداهما بلبنه طفلة ثلاث رضعات ثم أرضعتها الأخرى رضعتين صارت بنتا له دونهما"؛ لأنها ارتضعت من لبنه خمس رضعات فكمل رضاعها من لبنه فصار أبا لها كما لو أرضعتها واحدة منهن في أحد الوجهين, وفي الآخر لا يصير أبا لها لأنه رضاع لم تثبت به الأمومة فلم تثبت به الأبوة كلبن البهيمة.
مسألة: "ولو كانت الطفلة زوجة له انفسخ نكاحها"؛ لأنها صارت ابنة له لكونها ارتضعت من لبنه خمس رضعات, "وعليه نصف مهرها يرجع به عليها" على قدر رضاعها يقسم بينهما "أخماسا" الأولى ثلاثة أخماس وعلى الثانية خمسان, "ولم ينفسخ نكاحهما" لأن الأمومة لم تثبت لهما وعلى الوجه الآخر لا ينفسخ نكاح الصغيرة لما سبق في التي قبلها.
مسألة: "ولو أرضعت إحدى امرأتيه الطفلة خمس رضعات ثلاثا من لبنه واثنتين من لبن غيره وصارت أما لها" لأنها أرضعتها خمس رضعات "وحرمتا عليه على التأبيد" الكبيرة لكونها أم زوجته والصغيرة لأنها بنت زوجته فهي ربيبته, وحرمت الطفلة على الرجل الآخر لأنها ابنة زوجته, "وإن لم تكن الطفلة امرأة له لم ينفسخ نكاح المرضعة" لأنها إنما انفسخ نكاحها في المسألة قبلها لأنها صارت أم زوجته وهذا المعنى مفقود فيما إذا لم تكن الطفلة امرأة له.
مسألة: "ولو تزوجت المرأة طفلا فأرضعته خمس رضعات حرمت عليه" لأنه صار ابنا

فصل: ولو تزوج رجل كبيرة ولم يدخل بها وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة حرمت الكبيرة وثبت نكاح الصغيرة, وإن كانتا صغيرتين فأرضعتهما الكبرى حرمت الكبرى وانفسخ نكاح الصغيرتين, وله نكاح من شاء من الصغيرتين وإن كن ثلاثا فأرضعتهن متفرقات حرمت الكبرى وانفسخ نكاح المرضعتين أولا وثبت نكاح
ـــــــ
لها بالرضاع "وانفسخ نكاحها" لذلك, "وحرمت على صاحب اللبن تحريما مؤبدا لأنها صارت من حلائل أبنائه".
فصل: "ولو تزوج رجل كبيرة ولم يدخل بها وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة حرمت الكبيرة" على التأبيد لأنها صارت من أمهات النساء "وثبت نكاح الصغيرة" لأنها ربيبة لم يدخل بأمها فلا تحرم لقوله سبحانه: {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}, وعنه يفسخ نكاحها وهو مذهب الشافعي لأنهما صارتا أما وبنتا واجتمعتا في نكاحه والجمع بينهما محرم فانفسخ نكاحها كالأختين وكما لو عقد عليهما بعد الرضاع عقدا واحدا, ولنا أنه أمكن إزالة الجمع بانفساخ نكاح الكبيرة وهي أولى به لأن نكاحهما محرم على التأبيد فلم يبطل نكاحهما معا كما لو ابتدأ العقد على أخته وأجنبية؛ ولأن الجمع طرأ على نكاح الأم والبنت فاختصت الأم بفسخ نكاحها كما لو أسلم وتحته امرأة وبنتها وفارق الأختين؛ لأنه ليست إحداهما بالفسخ أولى من الأخرى وفارق ما إذا ابتدأ العقد عليهما لأن الدوام أقوى من الابتداء.
مسألة: "وإن كانتا صغيرتين فأرضعتهما الكبرى حرمت الكبرى" لأنها صارت من أمهات النساء, "وانفسخ نكاح الصغيرتين" لأنهما صارتا أختين وقد اجتمعت في نكاحه فانفسخ نكاحهما كما لو جمع بين أختين في نكاح أجنبيتين, "وله نكاح من شاء من الصغيرتين" كما لو كانتا أجنبيتين إلا على الرواية الأخرى؛ فإنه ينفسخ نكاح الأولى ويثبت نكاح الثانية هذا إن ارتضعن منفردات لأن الكبيرة لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحها بالإجماع, ثم أرضعت الأخرى فلم تجتمع معها في النكاح فلم ينفسخ نكاحها فإن ارتضعتا معا انفسخ نكاح الجميع لأنهم اجتمعوا في النكاح.
مسألة: ولو كان الأصاغر "ثلاثا فأرضعتهن متفرقات حرمت الكبرى" لما سبق "وانفسخ نكاح المرضعتين أولا"؛ لأنهما صارتا أختين "وثبت نكاح إحداهن" رضاعا لأن رضاعها بعد انفساخ نكاح الكبيرة والصغيرتين اللتين قبلها فلم تصادف أخواتها جميعا في النكاح, وعلى الرواية الأخرى ينفسخ نكاح الجميع لأن الكبيرة لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحهما بالاجتماع معا ثم لما أرضعت الاثنتين بعد ذلك صارتا أختين في نكاحه فانفسخ نكاحهما أيضا.

الثالثة: وإن أرضعت إحداهن منفردة واثنتين بعدها معا انفسخ نكاح الثلاث وله نكاح من شاء منهن منفردة, وإن كان دخل بالكبرى حرم الكل عليه على الأبد ولا مهر للكبرى إن كان لم يدخل بها, وإن كان قد دخل بها فلها مهرها وعليه نصف مهر الأصاغر يرجع به على الكبرى ولو دبت الصغرى على الكبرى وهي نائمة فارتضعت منها خمس رضعات حرمتها على الزوج ولها نصف مهرها يرجع به على الصغرى إن كان قبل الدخول وإن كان بعدها فلها مهرها كله لا يرجع به على أحد ولا مهر للصغرى, ولو نكح امرأة ثم قال: هي أختي من الرضاع انفسخ نكاحها ولها
ـــــــ
مسألة: "وإن أرضعت إحداهن منفردة واثنتين" بعد ذلك "معا انفسخ نكاح" الجميع لأنها إذا أرضعت إحداهن منفردة لم ينفسخ نكاحها لأنها منفردة ثم إذا أرضعت اثنتين بعد ذلك مجتمعتين بأن تلقم كل واحدة ثديا فيمتصان معا انفسخ نكاح الجميع؛ لأنهن صرن أخوات في النكاح وعلى الرواية الثانية ينفسخ نكاح الأم والثانية بالاجتماع ثم ينفسخ نكاح الاثنتين بالاجتماع أيضا.
مسألة: "وله نكاح من شاء منهن منفردة" لأن تحريمهن تحريم جمع لكونهن أخوات لا تحريم تأبيد لأنهن ربائب لم يدخل بأمهن.
مسألة: "وإن كان دخل بالكبرى حرم الكل عليه على الأبد" لأنهن يصرن من الربائب المدخول بأمهن.
مسألة: "ولا مهر للكبرى إن كان لم يدخل بها" لأنها أفسدت نكاح نفسها وكل من أفسد نكاح امرأة قبل الدخول فإن الزوج يرجع عليه بنصف مهرها الذي يلزمه لها؛ لأنه قرره عليه بعد أن كان تعرض للسقوط وفرق بينه وبين زوجته فلزمه ذلك كشهود الطلاق إذا رجعوا فإذا تقرر هذا فكانت هي المفسدة لزمها ذلك فسقط لأنه لو وجب لوجب لها على نفسها فأشبهت الغاصب إذا جنى عليه المغصوب.
مسألة: "وإن كان قد دخل بها فلها مهرها" ولم يرجع به على أحد لأنه استقر بالدخول فلم يسقط كما لو ارتدت "وعليه نصف مهر الأصاغر يرجع به على الكبرى"؛ لأنها أفسدت نكاحهن برضاعها إياهن فلزمها لما سبق.
مسألة: "ولو دبت الصغرى إلى الكبرى وهي نائمة فارتضعت منها خمس رضعات حرمتها على الزوج ولها نصف مهرها" عليه "يرجع به على الصغرى" لأنها أفسدت نكاحها "إن كان قبل الدخول وإن كان بعد" الدخول "فلها مهرها كله لا يرجع به على أحد" لأنه استقر بالدخول, "ولا مهر للصغرى" لأنها هي التي أفسدت نكاح نفسها.
مسألة: "ولو نكح امرأة ثم قال" قبل الدخول "هي أختي من الرضاع انفسخ نكاحها"

المهر إن كان دخل بها ونصف المهر إن كان لم يدخل بها ولم تصدقه وإن صدقته قبل الدخول فلا شيء لها, وإن كانت هي التي قالت هو أخي من الرضاع فأكذبها ولا بينة لها فهي امرأته في الحكم.
ـــــــ
لأنه أقر بما يوجب تحريمها عليه أشبه ما لو أقر بالطلاق "ولها المهر إن كان دخل بها" لأنه استقر بالدخول "و نصفـ" ـه "إن كان لم يدخل بها ولم تصدقه"؛ لأن قوله غير مقبول عليها في إسقاط حقوقها فلزمه إقراره فيما هو حق له وهو تحريمها عليه ولم يقبل فيما عليه من المهر, "وإن صدقته قبل الدخول فلا مهر لها" لأنها صدقته على أن النكاح فاسد لا يستحق فيه مهر.
مسألة: "وإن كانت هي التي قالت هو أخي فأكذبها ولا بينة لها فهي امرأته في الحكم" ولا يقبل قولها في فسخ النكاح؛ لأنه حق عليها فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها لأنها تقر بأنها لا تستحقه وإن كان بعد الدخول وأقرت أنها كانت عالمة بأنها أخته وبتحريمها عليه فلا مهر لها؛ لأنها تقر بأنها زانية مطاوعة وإن أنكرت ذلك فلها المهر لأنه وطئ بشبهة وهي زوجته في ظاهر الحكم لأن قولها عليه غير مقبول. فأما فيما بينها وبين الله فإن علمت صحة ما أقرت به لم يحل لها مساكنته ولا تمكينه من وطئها وعليها أن تفر منه وتفتدي نفسها؛ لأن وطئه لها زنا في اعتقادها فعليها التخلص منه مهما أمكنها كما إذا علمت إن زوجها طلقها ثلاثا وجحدها ذلك.

باب نكاح الكفار
لا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال ولا لمسلم نكاح كافرة إلا الحرة الكتابية ومتى أسلم زوج الكتابية أو أسلم الزوجان الكافران معا فهما على نكاحهما
ـــــــ
باب نكاح الكفارمسألة: "لا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال" لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} 1, "ولا لمسلم نكاح كافرة" لقوله سبحانه: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} 2, "إلا الحرة الكتابية" لقوله سبحانه: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} 3.
مسألة: "ومتى أسلم زوج الكتابية أو أسلم الزوجان الكافران معا فهما على نكاحهما".
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 221.
2 - سورة البقرة: الآية 221.
3 - سورة المائدة: الآية 5.

وإن أسلم أحدهما غير زوج الكتابية أو ارتد أحد الزوجين المسلمين قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال وإن كان ذلك بعد الدخول فأسلم الكافر منهما في عدتهما
ـــــــ
لأن للمسلم أن يبتدئ العقد على كتابية فاستدامته أولى ولا خلاف في هذا بين القائلين بجواز نكاح الكتابيات, وأما إذا أسلما معا فهما على نكاحهما إجماعا ذكره ابن عبد البر؛ ولأنه لم يوجد منهما اختلاف دين, وروى أبو داود أن رجلا جاء مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءت امرأته مسلمة بعده فقال: يا رسول الله إنها كانت أسلمت معي, فردها عليه1, ويعتبر تلفظهما بالإسلام دفعة واحدة لئلا يسبق إسلام أحدهما إسلام صاحبه فيفسد نكاحه, ويحتمل أن يقف على المجلس كالقبض فإن حكمه حكم حالة العقد لأنه يبعد اتفاقهما على النطق بكلمة الإسلام دفعة واحدة.
مسألة: "وإن أسلم أحدهما غير زوج كتابية" مثل أن يسلم أحد الزوجين غير الكتابيين كالوثنيين أو المجوسيين أوكتابي متزوج لوثنية أو مجوسية قبل الدخول به تعجلت الفرقة بينهما من حين إسلامه, ويكون فسخا ليس بطلاق لأنها فرقة لاختلاف دين فكانت فسخا كما لو أسلم الزوج؛ ولأنه اختلاف دين يمنع الإقرار على النكاح فإذا وجد قبل الدخول تعجلت الفرقة كالردة أو كما لو أسلم الزوج؛ ولأنه إن كان هو المسلم فليس له إمساك الزوجة لقوله سبحانه: {وََلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}, وإن كانت هي المسلمة فلا يجوز بقاؤها في نكاح مشرك لقوله سبحانه: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ}.
مسألة: "و" إن "ارتد أحد الزوجين المسلمين قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال"؛ لقوله سبحانه: {وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} 2, ولقوله سبحانه: {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} 3, ولأنه اختلاف دين يمنع الإصابة فأوجب فسخ النكاح كما لو أسلمت تحت كافر, "وإن" كانت الردة "بعد الدخول" فهل تعجل الفرقة أو تقف على انقضاء العدة؟ على روايتين: إحداهما تتعجل الفرقة لأن ما أوجب فسخ النكاح استوى فيه ما قبل الدخول وبعده كالرضاع, والثانية: تقف على انقضاء العدة. "فـ" إن "أسلم" المرتد قبل انقضائها "فهما على" النكاح وإن لم يسلم حتى انقضت "تبينا" انفساخ "النكاح منذ اختلف" الدينان؛ لأنه لفظ تقع به الفرقة فإذا وجد بعد الدخول جاز أن يقف على انقضاء العدة كالطلاق الرجعي.
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الطلاق: حديث رقم 2238.
2 - سورة الممتحنة: الآية 10.
3 - سورة الممتحنة : الآية 10.

فهما على نكاحهما وإلا تبينا أن النكاح انفسخ منذ اختلف دينهما وما سمى لها وهما كافران فقبضته في كفرهما فلا شيء لها غيره, وإن كان حراما وإن لم تقبضه وهو حرام فلها مهر مثلها أو نصفه حيث وجب ذلك.
فصل: وإن أسلم الحر وتحته إماء فأسلمن معه, وكان في حال اجتماعهم على الإسلام ممن لا يحل له نكاح الإماء انفسخ نكاحهن وإن كان ممن يحل له نكاحهن أمسك منهن من تعفه وفارق سائرهن.
ـــــــ
مسألة: "وما سمى لها وهما كافران فقبضته في كفرهما فلا شيء لها غيره وإن كان حراما وإن لم تقبضه وهو حرام فلها مهر مثلها أو نصفه حيث وجب ذلك", وذلك أن الكفار إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا بعد العقد والقبض لم نتعرض لما فعلوه وما قبضت من المهر فقد نفذ وليس لها غيره حلالا كان أو حراما؛ لقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا} 1, فأمر بترك ما بقي دون ما قبض, ولأن التعرض للمقبوض بإبطاله يشق لتطاول الزمان وكثرة تصرفاتهم في الحرام ففيه تنفيرهم عن الإسلام؛ ولأنهما تقابضا بحكم الشرك فبرئت ذمة من هو عليه كما لو تبايعا بيوعا فاسدة وتقابضا, وإن لم يتقابضوا وكان المسمى حلالا وجب ما سمياه؛ لأنه مسمى صحيح فهو كتسمية المسلم وإن كان حراما كالخمر والخنزير بطل ولم يحكم بت؛ لأن ما سمياه لا يجوز إيجابه في الحكم ولا يجوز أن يكون صداقا لمسلمة ولا في نكاح مسلم, ويجب مهر المثل إن كان بعد الدخول ونصفه إن وقعت الفرقة قبل الدخول وهو معنى قوله: حيث وجب ذلك.
"فصل: فإن أسلم الحر وتحته إماء فأسلمن معه وكان في حال اجتماعهم على الإسلام ممن لا يحل له نكاح الإماء انفسخ نكاحهن"؛ لأنه في هذه الحالة لا يملك ابتداء نكاحهن, "وإن كان" في حال اجتماعهم على الإسلام "ممن يحل له نكاح الإماء" فله الاختيار منهن واحدة لأنه يملك ابتداء نكاحها فملك اختيارها كالحرة.

باب الشروط في النكاح
إذا اشترطت المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى فلها
ـــــــ
باب الشروط في النكاحمسألة: "وإذا اشترطت المرأة دارها أو بلدها أو لا يتزوج عليها أو لا يتسرى" فلها شرطها وإن لم يف به فلها فسخ النكاح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحق الشروط أن توفوا

شرطها" وإن لم يف به فلها فسخ النكاح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج". ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وهو أن يتزوجها إلى أجل وإن شرط أن يطلقها في وقت بعينه لم يصح كذلك, ونهى عن الشغار وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ولا صداق بينهما ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له, وهو أن يتزوج المطلقة ثلاثا ليحلها لمطلقها
ـــــــ
بها ما استحللتم به الفروج". متفق عليه1. وهو قول جماعة من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم فكان إجماعا وقال عليه السلام: "المسلمون على شروطهم" 2.
مسألة: "وإن لم يف" لها بشرطها "فلها" الـ "فسخ" لأنه شرط لازم في عقد فيثبت حق الفسخ بفواته كشرط الرهن في البيع.
مسألة: "ونكاح المتعة باطل وهو أن يتزوجها إلى مدة" لما روى الربيع بن سبرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة في حجة الوداع. وفي لفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم متعة النساء, رواه أبو داود3؛ ولأنه لم تتعلق به أحكام النكاح من الطلاق وغيره فكان باطلا كسائر الأنكحة الباطلة.
مسألة: "وإن شرط أن يطلقها في وقت بعينه لم يصح" النكاح لأنه شرط يمنع بقاء النكاح فأشبه التأقيت ويتخرج أن يصح ويبطل الشرط؛ لأن النكاح وقع مطلقا وشرط على نفسه شرطا لا يؤثر فيه فأشبه ما لو شرط أن لا يطأها.
مسألة: ونكاح الشغار لا يصح "وهو أن" يزوجه وليته "على أن يزوجه الآخر" وليته "ولا صداق بينهما" لما روى ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح الشغار4. والشغار: أن يزوجه ابنته على أن يزوجه ابنته وليس بينهما صداق. متفق عليه. ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلفا في الآخر فلم يصح كما لو قال: بعني ثوبك على أن أبيعك ثوبي.
مسألة: "ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له", قال الترمذي: حديث صحيح5. "وهو أن يتزوجـ" ـها على أنه إذا أحلها طلقها فيكون النكاح حراما باطلا للخير فإن تواطئا على ذلك قبل العقد فنواه في العقد ولم يشرطه فالنكاح باطل أيضا, نص عليه وقال: متى أراد بذلك الإحلال فهو ملعون لعموم الحديث.
ـــــــ
1 - رواه البخاري في النكاح: حديث رقم 5151. ومسلم في النكاح: حديث رقم 63.
2 - سبق تخريجه.
3 - رواه أبو داود في النكاح: حديث رقم 2072, 2073.
4 - رواه البخاري في النكاح: حديث رقم 5112. ومسلم في النكاح: حديث رقم 57, 59, 61.
5 - رواه أبو داود في النكاح: حديث رقم 2076. والترمذي في النكاح: حديث رقم 1119, 1120. وقال في الثاني: حسن صحيح. وابن ماجه في النكاح: حديث رقم 1935.

باب العيوب التي يفسخ بها النكاح
متى وجد أحد الزوجين الآخر مملوكا أو مجنونا أو أبرص أو مجذوما أو وجد الرجل المرأة رتقاء أو وجدته مجبوبا فله فسخ النكاح إن لم يكن علم ذلك قبل العقد, ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم, وإن ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إليها فاعترض أنه لم يصبها أجل سنة منذ ترافعه, فإن لم يصبها خيرت في المقام معه
ـــــــ
باب العيوب التي يفسخ بها النكاح"متى وجد أحد الزوجين الآخر مملوكا فله" الـ "فسخ" أما إذا وجد الرجل المرأة مملوكة وقد تزوجها على أنها حرة فله الفسخ, وقد مضى ذكره في آخر باب ولاية النكاح, وإن وجدته الحرة مملوكا فلها الفسخ أيضا لحديث بريرة وقد مضى أيضا.
مسألة: "وإن وجد" أحدهما صاحبه مجنونا أو مجذوما أو أبرص فله الفسخ لأن هذه العيوب تمنع الاستمتاع المقصود بالنكاح, فإن ذلك يثير نفرة ويخشى من تعديه إلى الولد والنفس فيمنع الاستمتاع,
"وإن وجدها الرجل رتقاء أو وجدته مجبوبا ثبت لمن وجده الفسخ" لأن الرتق والجب يتعذر معهما الوطء بالكلية, فإن الرتق عبارة عن انسداد الفرج والجب عبارة عن المقطوع الذكر, فيتعذر الوطء فيثبت الفسخ كالعيوب الأولى.
مسألة: "وإنما ثبت له الفسخ إذا لم يكن عالم بالعيب قبل العقد" لأنه يكون معذورا, فأما إن علم بالعيب قبل العقد أو وقت العقد أو قال: قد رضيته معيبا بعد العقد أو وجد منه دلالة على الرضا من وطء أو تمكين مع العلم بالعيب فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة فلم يكن له خيار كمشتري المعيب.
مسألة: "ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم" لأنه أمر مجتهد فيه فهو كفسخ العنة وكالفسخ للإعسار بالنفقة ويخالف خيار المعتقة فإنه متفق عليه.
مسألة: "وإن ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إليها فاعترف أنه لم يصبها أجل سنة منذ ترافعه", روي ذلك عن جماعة من الصحابة لما روى الدارقطني أن عمر أجل العنين سنة, وروي ذلك عن ابن مسعود والمغيرة بن شعبة ولا مخالف لهم ورواه أبو حفص عن علي رضي الله عنه.
مسألة: "فإن لم يصبها خيرت في المقام معه أو فراقه" وهو قول من سمينا من الصحابة الذين أجلوه سنة, وإنما أجل سنة لأن العجز عن الوطء قد يكون خلقة وقد يكون

أو فراقه فإن اختارت فراقه فرق الحاكم بينهما إلا أن تكون قد علمت عنته قبل نكاحها أو قالت: رضيت به عنينا في وقت, وإن علمت بعد العقد وسكتت عن المطالبة لم يسقط حقها, وإن قال: قد علمت عنتي ورضيت بي بعد علمها فأنكرته فالقول قولها, وإن أصابها مرة لم يكن عنينا وإن ادعى ذلك فأنكرته فإن كانت عذراء أوريت النساء الثقات ورجع إلى قولهن فإن كانت ثيبا فالقول قوله مع يمينه.
ـــــــ
لمرض عرض به فضربت له سنة لتمر به الفصول الأربعة, فإن كان ذلك من يبس زال في فصل الرطوبة وإن كان من رطوبة زال في فصل الحرارة, وإن كان من انحراف مزاج زال في فصل الاعتدال, فإذا مضت الفصول الأربعة ولم يطأ علم أن ذلك خلقة, والعنين هو الذي في ذكره ضعف فلا يقدر على الإيلاج.
مسألة: "فإن اختارت فراقه" لم يجز إلا بحكم حاكم لأنه فسخ في موضع اجتهاد فافتقر إلى الحاكم. كالفسخ للإعسار هذا إذا لم تكن علمت بالعيب قبل النكاح, فإن كانت علمت به أو قالت قد رضيت به عنينا في وقت فإن خيارها يبطل؛ لأنها دخلت على بصيرة ورضيت به فأشبه شراء المعيب.
مسألة: "وإن علمت بعد العقد وسكتت عن المطالبة لم يسقط حقها" لا نعلم في ذلك خلافا؛ لأن سكوتها بعد العقد ليس بدليل على الرضا به لأنه زمان لا يملك فيه الفسخ والامتناع من استمتاعه فلم يكن سكوتها مسقطا لحقها كسكوتها بعد ضرب المدة وقبل انقضائها.
مسألة: "وإن قال قد علمت عنتي أو رضيت بي بعد علمها فأنكرت فالقول قولها"؛ لأن الأصل عدم العلم والرضا.
مسألة: "وإن أصابها مرة لم يكن عنينا" أكثرهم يقولون متى وطئ امرأته مرة ثم ادعت عجزه لم تسمع دعواها؛ لأنه قد تحققت قدرته على الوطء في هذا النكاح وزوال عنته فلم تضرب له مدة كما لو لم يترك وطئها.
مسألة: "وإن ادعى ذلك فأنكرته فإن كانت عذراء أوريت النساء الثقات ورجع إلى قولهن" فإن شهدن أنها عذراء أجل سنة؛ لأن الوطء يزيل عذرتها فوجودها يدل على عدم الوطء, وإن شهدن أن عذرتها زالت فالقول قوله لأنها تزول بالوطء.
مسألة: "وإن كانت ثيبا فالقول قوله مع يمينه" لأن هذا مما يتعذر إقامة البينة عليه وحجته أقوى, فإن في دعواه سلامة العقد وصحته ولأن الأصل في الرجال السلامة وعدم العيوب, ويحلف على صحه ما قال لأن قوله محتمل للكذب فرجحنا قوله بيمينه كما في سائر الدعاوى. وقال الخرقي: يخلى معها ويقال له أخرج ماءك على شيء فإن أخرجه فالقول قوله؛ لأن العنين يضعف عن الإنزال فإذا أنزل تبينا صدقه فيحكم بت, كما لو شهد النساء بعذرتها فإنا نقبل قولها لظهور صدقها فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار فإن

فصل: وإن عتقت المرأة وزوجها عبد خيرت في المقام معه أو فراقه, ولها فراقه من غير حكم حاكم فإن أعتق قبل اختيارها أو وطئها بطل خيارها, وإن أعتق بعضها أو عتقت كلها وزوجها حر فلا خيار لها
ـــــــ
ذاب فهو مني لأنه إنما يشبه بياض البيض وبياض البيض إذا جعل على النار يجتمع وييبس وهذا يذوب فيعرف بذلك,
"فصل: وإن عتقت الأمة وزوجها عبد خيرت في المقام معه أو فراقه" أجمع أهل العلم على أن لها الخيار في فسخ النكاح,ذكره ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما, والأصل فيه حديث بريرة قالت عائشة رضي الله عنها: كاتبت بريرة فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها وكان عبدا فاختارت نفسها, رواه مالك وأبو داود والنسائي1؛ ولأن عليها عارا وضررا في كونها حرة تحت عبد فكان لها الخيار كما لو تزوج حرة على أنه حر فبان عبدا.
مسألة: "ولها فراقه من غير حكم حاكم" لأنه مجمع عليه لا يحتاج إلى اجتهاد.
مسألة: "فإن عتق قبل اختيارها أو وطئها بطل خيارها" علمت أن لها الخيار أو لم تعلم؛ لما روى الإمام أحمد بإسناده عن الحسن بن عمر بن أمية قال: سمعت رجالا يتحدثون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها إن شاءت فارقته وإن وطئها فلا خيار لها". ورواه الأثرم2, وروى أبو داود أن بريرة عتقت وهي عند مغيث عبد لآل أبي أحمد, فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: "إن قربك فلا خيار لك". وقد روي ذلك عن عبد الله وحفصة, وقال ابن عبد البر: لا أعلم لهما مخالفا من الصحابة. إذا ثبت هذا فإنه متى عتق بطل خيارها لأن الخيار لدفع الضرر بالرق وقد زال بعتقه فسقط خيارها كالمبيع إذا زال عيبه, فإن وطئها بطل خيارها علمت بالخيار أو لم تعلم نص عليه الإمام أحمد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريرة: "إن قربك فلا خيار لك". ولم يفرق.
مسألة: "وإن أعتق بعضها" فلا خيار لها لأن الخيار إنما يثبت لمن عتقت كلها ولا يلزم من ذلك ثبوته لمن عتق بعضها لأنه قد ثبت للكل ما لا يثبث للبعض.
مسألة: "وإن عتقت كلها وزوجها حر فلا خيار لها" لأن الخيار إنما يثبت لدفع العار بكونها حرة تحت عبد وهذا متفق فيما نحن فيه.
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الطلاق: حديث رقم 2235. والنسائي في الزكاة: 99- باب إذا تحولت الصدقة.
2 - رواه أحمد في المسند 4/65, 5/378.

كتاب الصداق
مدخل...
كتاب الصداقوكل ما جاز أن يكون ثمنا جاز أن يكون صداقا قليلا كان أو كثيرا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: للذي قال له زوجني هذه المرأة إن لم يكن لك بها حاجة قال: "التمس ولو خاتما من حديد". فإذا زوج الرجل ابنته بأي صداق جاز ولا ينقصها غير
ـــــــ
كتاب الصداق
"كل ما جاز أن يكون ثمنا جاز أن يكون صداقا قل أو كثر" بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سهيل بن سعد: "التمس ولو خاتما من حديد" 1. وقال سبحانه: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً}, يعني: مائة رطل ذهب, وهذا يدل على جوازه بالقليل والكثير؛ وقوله كل ما جاز أن يكون ثمنا جاز أن يكون صداقا؛ لأنه عقد معاوضة أشبه البيع فلا يجوز بالمجهول والمحرم والحشرات التي لا يجوز أن تكون رهنا لذلك.
مسألة: "فإذا زوج الرجل ابنته بأي صداق كان جاز" سواء كانت بكرا أو ثيبا وسواء كان بصداق مثلها أو دونه وإن كرهت كبيرة كانت أو صغيرة؛ لأن عمر رضي الله عنه خطب الناس فقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء فما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من نسائه ولا بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية, وظاهره صحة تسميته من زوج بمثل ذلك وإن نقص عن مهر المثل لأن عمر إنما ذكر ذلك ليحذا ويتأسى به ولا يزاد عليه, وزوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين وهو سيد قريش؛ ولأنه غير متهم في حقها فلا يمنع من تحصيل المقصود والحظ لابنته بتفويت غير المقصود فإن المقصود من النكاح الوصلة والاستمتاع, ووضع المرأة في منصب وخلق حسن وليس المقصود منه المهر, والظاهر من حال الأب مع تمام شفقته أنه لا ينقص من صداقها إلا لتحصيل المعاني المقصودة بالنكاح؛ فإنه غير متهم. "وليس لغيره نقصها عن مهر مثلها إلا بإذنها"؛ لأنه متهم فإذا نقصه بإذنها لم يكن لغيره الإعتراض لأن الحق لها وقد أسقطته فأشبه ما لو أذنت في بيع سلعة لها بأقل من
ـــــــ
1 - رواه البخاري في النكاح: حديث رقم 5078, 5121, 5126.

الأب من مهر مثلها إلا برضاها, فإذا أصدقها عبدا بعينه فوجدته معيبا خيرت بين أرشه ورده أو أخذ قيمته, وإن وجدته مغصوبا أو حرا فلها قيمته وإن كانت عالمة بحريته أو غصبه حين العقد فلها مهر مثلها, وإن تزوجها على أن يشتري لها عبدا بعينه فلم يبعه سيده أو طلب به أكثر من قيمته فلها قيمته.
فصل
فإن تزوجها بغير صداق صح
ـــــــ
ثمن مثلها وإن فعله بغير إذنها لم يجز, والنكاح صحيح ويكون لها مهر مثلها؛ لأنه قيمة بضعها وليس لهذا. الولي تنقيصه فرجع إلى مهر المثل كالمفوضة ويحتمل أن لا يلزم الزوج إلا المسمى والباقي على الولي لأنه المفرط فأشبه ما لو باع الوكيل بدون ثمن المثل.
مسألة: "فإذا أصدقها عبدا بعينه فوجدت" به عيبا "خيرت بين أرشه ورده أو أخذ قيمته" لأنه عوض في عقد معاوضة فيرد بالعيب كالمبيع فإذا ردته بالعيب فلها قيمته لأن العقد لا ينفسخ برده فيبقى سبب استحقاقه فكان لها القيمة كما لو غصبها إياه وتلف عنده وإن كان من ذوات الأمثال فلها مثله لأنه أقرب إليه وإن اختارت إمساكه والمطالبه بالأرش فلها ذلك كقولنا في المبيع المعيب.
مسألة: "وإن وجدته مغصوبا أو حرا فلها قيمته" لأنها رضيت بقيمته إذ ظنته مملوكا وقد تعذر تسليمه فكان لها قيمته كما لو وجدته معيبا فردته.
مسألة: "وإن كانت عالمة بحريته أو غصبه" جاز "العقد" و "لها مهر مثلها".
مسألة: "وإن تزوجها على أن يشتري لها عبدا بعينه فلم يبعه سيده أو طلب به أكثر من قيمته فلها قيمته" نص عليه, لأنه أصدقها تحصيل عبد معين فصح كما لو تزوجها على رد عبدها الآبق من مكان معلوم فإذا ثبت هذا فإنه إذا تعذر عليه تحصيل العبد فلها قيمته لأنه تعذر الوصول إلى قبض المسمى فوجب قيمته كما لو تلف.
"فصل: وإن تزوجها بغير صداق صح" النكاح لقوله سبحانه: {لاَجُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ}, وحديث بروع بنت واشق التي قضى فيها ابن مسعود بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث" تزوجها رجل ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات, أخرجه أبو داود فدل على صحة النكاح بغير تسمية صداق؛ ولأن القصد من النكاح الوصلة والاستمتاع دون الصداق فصح من غير ذكره كالنفقة وتسمى هذه مفوضة البضع وهو التفويض الصحيح.

فإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا المتعة: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}, وأعلاها خادم وأدناها كسوة تجوز لها الصلاة فيها وإن مات أحدهما قبل الدخول والفرض فلها مهر نسائها لا وكس ولا شطط, وللباقي منهما الميراث وعليها العدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق لما مات زوجها ولم يدخل بها ولم يفرض لها أن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة, ولو طالبته قبل الدخول أن يفرض لها فلها ذلك فإن فرض لها مهر نسائها أو أكثر فليس لها غيره وكذلك إن فرض لها أقل منه فرضيت.
فصل
وكل فرقة جاءت من المرأة قبل الدخول كإسلامها أو ارتدادها أو رضاعها أو
ـــــــ
مسألة: "فإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا المتعة" لقوله سبحانه وتعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ}, والأمر يقتضي الوجود وقال تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} 1؛ لأنه طلاق في نكاح يقتضي عوضا فلا معدي عن العوض كما لو سمى مهرا إذا ثبت هذا فالمتعة معتبرة بحال الزوج في يسره وعسره لقوله سبحانه: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} , إذا ثبت هذا "فأعلاها خادم" إذا كان موسرا وإن كان معسرا أمتعها كسوتها درعا وخمارا وثوبا تصلي فيه وهو قول ابن عباس وعنه يرجع في تقديرها إلى الحاكم لأنه يحتاج إلى اجتهاد فأشبه سائر المجتهدات.
مسألة: "فإن مات أحدهما قبل الدخول والفرض فلها مهر نسائها لا وكس ولا شطط وللباقي منهما الميراث وعليها العدة لحديث بروع بنت واشق" وقد سبق.
مسألة: "ولو طالبته قبل الدخول أن يفرض لها فلها ذلك" لأن النكاح لا يخلو من المهر فوجبت لها المطالبة ببيان قدره لا نعلم في ذلك خلافا, وإن اتفقا على فرضه جاز ما فرضاه قليلا كان أو كثيرا لأن الحق لا يخرج عنهما, "فإن فرض لها مهر نسائها أو أكثر فليس لها غيره" لأنه بدل البضع فيقدر به كالسلعة إذا تلفت إنما يجب قيمتها ومهر نسائها كالقيمة في السلعة, فإذا بذل أكثر من مهر نسائها فلزمها قبوله بطريق الأولى لأنه زادها خيرا وإن فرض لها أقل من مهر المثل فرضيته فكذلك لأن الحق لها وقد رضيت بدونه.
"فصل: وكل فرقة جاءت من قبل المرأة قبل الدخول كإسلامها أو ارتدادها أو رضاعها" أو ارتضاعها "أو فسخ لعيبها أو فسخها لعيبه أو إعساره" أو لأنها تحت عبد "يسقط به مهرها" ولا يجب لها متعة لأنها أتلفت المعوض قبل تسليمه فسقط البدل كالبائع يتلف المبيع قبل تسليمه.
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 241.

فسخ لعيبها أو فسخ لعيبه أو إعساره أو أعتقها يسقط به مهرها, وإن جاءت من الزوج كطلاقه وخلعه يتنصف مهرها بينهما إلا أن يعفو لها عن نصفه أو تعفو هي عن حقها وهي رشيدة فيكمل الصداق للآخر, وإن جاءت من أجنبي فعلى الزوج نصف المهر يرجع به على من فرق بينهما, ومتى تنصف المهر وكان معينا باقيا لم تتغير قيمته صار بينهما نصفين وإن زاد زيادة منفصلة كغنم ولدت فالزيادة لها والغنم بينهما, وإن زادت زيادة متصلة مثل أن سمنت الغنم خيرت بين دفع نصفها زائدا وبين دفع نصف قيمتها يوم العقد, وإن نقصت فلها الخيار بين أخذ نصفه ناقصا وبين أخذ نصف قيمته يوم العقد وإن تلفت فلها نصف قيمتها يوم العقد ومتى دخل بها استقر المهر ولم
ـــــــ
مسألة: "وإن جاءت من الزوج كطلاقه وخلعه" وإسلامه وردته "يتنصف" به "مهرها بينهما إلا أن يعفو لها عن نصفه أو تعفو هي عن حقها وهي رشيدة فيكمل الصداق للآخر"؛ لقوله سبحانه: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} 1, نص على الطلاق وسائر ما استقل به الزوج في معناه؛ لأنه لم يوجد من المرأة إتلاف المعوض فإن عفت عن نصفها أو عفا هو عن نصفه جاز لأن الحق لا يخرج عنهما.
مسألة: "وإن جاءت" الفرقة "من أجنبي" كالرضاع أو وطء ينفسخ النكاح "فعلى الزوج نصف المهر" للآية "ويرجع به على من فرق بينهما" لأنه المتلف فأشبه.
مسألة: "ومتى تنصف المهر وكان معينا باقيا لم تتغير قيمته صار بينهما نصفين" للآية "وإن زاد زيادة منفصلة كغنم ولدت فالزيادة لها"؛ لأنه نماء ملكها "والغنم بينهما" نصفين للآية, "وإن زادت زيادة متصلة مثل إن سمنت الغنم خيرت بين دفع نصفها زائدا وبين دفع نصف قيمتها يوم العقد" فإن دفعت نصفها زائدا لزمه قبوله لأنه أخذ حقه وزيادة وإن أخذ نصف قيمته يوم العقد فهو حقه من غير زيادة.
مسألة: "وإن نقصت فلها الخيار بين أخذ نصفها ناقصا وبين أخذ نصف قيمتها يوم العقد" فإن رضي بنصفها ناقصا فقد رضي بدون حقه, وإن أخذ نصف قيمتها يوم العقد فهو حقه لأنه نصف ما فرض "وإن تلف فله نصف قيمتها يوم العقد" للآية وقد تعذر الرجوع في العين فرجع في القيمة.
مسألة: "ومتى دخل بها استقر المهر ولم يسقط بشيء" لقوله سبحانه: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 237.

يسقط بشيء وإن خلا بها بعد العقد وقال : لم أطأها وصدقته استقر المهر ووجبت العدة وإن اختلف الزوجان في الصداق أو قدره فالقول قول من يدعي مهر المثل مع يمينه
ـــــــ
مُبِيناً}, أمر بترك الكل لها وقال: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}, فجعل هذا للمطلقة قبل الدخول وذاك للمطلقة بعد الدخول بدليل قوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} 1 أراد به الجماع والخلوة بها.
مسألة: "وإن خلا بها بعد العقد وقال: لم أطأها وصدقته استقر المهر ووجبت العدة"؛ لما روى الإمام أحمد والأثرم بإسنادهما عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون أن من أغلق بابا وأرخى سترا فقد وجب المهر ووجبت العدة وإن لم يطأ, روي ذلك عن الخلفاء الراشدين وزيد وابن عمر وعن الشافعي: لا يستقر المهر إلا بالوطء, وحكي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وعن أحمد مثل ذلك إذا صدقته المرأة أنه لم يطأها لم يكمل لها الصداق وعليها العدة, رواه عنه يعقوب بن بحران ودليله قوله سبحانه: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}, وهذه قد طلقها قبل أن يمسها, وقال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ}, والإفضاء الجماع, وقال: {إِِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} 2, وللأولى إجماع الصحابة وما روي عن ابن عباس لا يصح. قال أحمد: يرويه ليث وليس بالقوي وقد رواه حنظلة خلاف ما رواه ليث وحنظلة أوثق من ليث. قال ابن المنذر: وحديث ابن مسعود منقطع, وروى الدارقطني عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل". ولأن التسليم المستحق من جهتها قد وجد فيستقر به البدل كما لو أجرت دارها وتسلمها فأما قوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}, فيحتمل أنه كنى بالسبب عن المسبب الذي هو الخلوة بدليل ما ذكرناه. وأما قوله: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ}, فقال الفراء: هو الخلوة دخل بها أو لم يدخل فإن الإفضاء مأخوذ من الفضاء وهو الشيء الخالي فكأنه قال: وقد خلا بعضكم إلى بعض.
مسألة: "وإن اختلف الزوجان في الصداق أو قدره فالقول قول من يدعي مهر المثل منهما مع يمينه" فإذا ادعت المرأة مهر مثلها أو أقل فالقول قولها, وإن ادعى الزوج مهر مثلها أو أكثر فالقول قوله؛ لأن الظاهر قول من يدعي مهر المثل فكان القول قوله قياسا على المنكر في سائر الدعاوى ويلزمه اليمين لأنه منكر.
مسألة: وإن أنكر الزوج الصداق فالقول قولها قبل الدخول وبعده؛ فإذا ادعت مهر مثلها فكذلك إلا أن يأتي ببينة تشهد أنه وفاها أو أنها أبرأته من ذلك.
ـــــــ
1 - سورة النساء: الآية 21.
2 - سورة الأحزاب: الآية 49.
باب معاشرة النساءوعلى كل واحد من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف وأداء حقه الواجب إليه من غير مطل ولا إظهار لكراهية لبذله وحقه عليها تسليم نفسها إليه وطاعته في
ـــــــ
باب عشرة النساء
مسألة: "وعلى كل واحد من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف"؛ لقوله سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}, ويجب عليه "أداء حقه الواجب له إليه من غير مطل ولا إظهار الكراهة لبذله"؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف.
مسألة: "وحقه عليها تسليم نفسها إليه وطاعته في الاستمتاع متى أراد" ه "ما لم يكن عذرا" ؛ لأن المقصود من النكاح الاستمتاع ولا يحصل إلا بالتسليم فإن كان لها عذر من حيض أو نفاس صبر عليها حتى ينقضي العذر "فإذا فعلت ذلك" يعني سلمت نفسها "فلها عليه قدر كفايتها من النفقة والكسوة والمسكن بما جرت به عادة أمثالها" والأصل في وجوب النفقة قوله سبحانه: {لِِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} 1, وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: "اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجيه بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف". رواه مسلم ورواه الترمذي, وفيه: "وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن". وقال: حديث صحيح2. و قال عليه السلام لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" حين قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. متفق عليه3. وأجمعوا على وجوب نفقة الزوجات إلا الناشزة ذكره ابن المنذر, وقال الله سبحانه: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} 4, والمعروف قدر الكفاية وقدر الكفاية غير مقدر فيرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم عند التنازع, ويعتبر بحال الزوجين فيعتبر يسار الزوج وإعساره لقوله سبحانه: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}, وقدر: ضيق. قال سبحانه: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} 5. أي: يوسع الرزق على من يشاء ويضيقه على من يشاء, ثم قال: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا} 6 ويعتبر حال المرأة لقوله عليه السلام لهند: "خذي ما يكفيك وولدك
ـــــــ
1 - سورة الطلاق: الآية 7.
2 - رواه مسلم في الحج: حديث رقم 147.
3 - رواه البخاري في البيوع: حديث رقم 2211. ومسلم في الأقضية: حديث رقم 7.
4 - سورة البقرة : الآية 233.
5 - سورة الرعد: الآية 26.
6 - سورة الطلاق: الآية 7.

الاستمتاع متى أراد ما لم يكن لها عذر وإذا فعلت ذلك فلها عليه قدر كفايتها من النفقة والكسوة والمسكن بما جرت به عادة أمثالها, فإن منعها ذلك أو بعضه وقدرت له على مال أخذت منه قدر كفايتها وكفاية ولدها بالمعروف؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهند حين قالت له إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". فإن لم تقدر على الأخذ لعسرته
ـــــــ
بالمعروف" 1 فيفرض الحاكم للموسرة تحت الموسر قدر كفايتها من أرفع خبز البلد الذي يأكله أمثالها كالحواري والقدر ومن أرفع الأدم من اللحم والأرز والدهن على اختلاف أنواعه في بلدانه السمن في موضع والزيت في آخر والشحم في غيره والشيرج في موضع.
مسألة: "وتجب كسوتها بإجماعهم لما سبق من النصوص" ؛ ولأنها لا بد لها منها على الدوام فلزمته كالنفقة فيجب كفايتها منها وليس فيها تقدير من الشرع فهي كالنفقة فيرجع فيها إلى اجتهاد الحاكم عند التنازع فيفرض لها قدر كفايتها على قدر حالها للموسرة تحت الموسر من أرفع ثياب البلد من الكتان والخز والابريسم, وأقله قميص وسراويل ووقاية ومقنعة ومداس وجبة للشتاء ويزيد في عدد الثياب ما جرت العادة بلبسه مما لا غناء عنه دون ما تتجمل به وتتزين بلبسه, والأصل قوله سبحانه: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. والكسوة بالمعروف: هي التي جرت عادتها وعادة أمثالها بلبسه.
"فصل :ويفرض للمتوسطة تحت المتوسط أو إذا كان أحدهما موسرا والآخر معسرا" ما بين نفقة الغني ونفقة الفقير على حسب عادة أمثالها على ما يراه الحاكم.
"فصل: وأما المسكن فحكمه حكم النفقة والكسوة على ما سبق". فأما الفقيرة تحت الفقير فيفرض لها قدر كفايتها من أدنى خبز البلد ومن أدنى أدمه مثل الباقلاء والعدس والحمص والكشك والخل والبقل والكامخ وما تحتاج إليه من الدهن كالزيت ونحوه, وما تحتاج إليه من الكسوة من أغلظ القطن والكتان, وما تحتاج إليه للنوم والجلوس مما جرت عادة أمثالها به كالكساء الخشن والحصير الخشن ونحوه على حسب ما يراه الحاكم.
مسألة: "فإن منعها ذلك أو بعضه وقدرت له على مال أخذت منه قدر كفايتها وكفاية ولدها بالمعروف" لحديث هند وقد سبق.
مسألة: "فإن لم تقدر على أخذ لعسرته أو منعها واختارت فراقه فرق الحاكم بينهما"؛ لقوله سبحانه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} 2, وقد تعذر الإمساك بالمعروف فتعين التسريح بالإحسان.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - سورة البقرة: الآية 229.

أو منعها فاختارت فراقه فرق الحاكم بينهما سواء كان الزوج صغيرا أو كبيرا, وإن كانت صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها أو لم تسلم إليه أو لم تطعه فيما يجب له عليها أو سافرت بغير إذنه أو بإذنه في حاجتها فلا نفقة لها عليه.
فصل
ولها عليه المبيت عندها ليلة من كل أربع إن كانت حرة ومن كل ثمان إن كانت أمة إذا لم يكن له عذر إصابتها مرة في كل أربعة أشهر إذا لم يكن له عذر فإن آلى منها أكثر من أربعة أشهر فتربصت أربعة أشهر ثم رافعته إلى الحاكم فأنكر الإيلاء أو مضى الأربعة أو ادعى أنه أصابها وكانت ثيبا فالقول قوله مع يمينه.
ـــــــ
مسألة: و "سواء كان الزوج صغيرا أو كبيرا" لذلك.
مسألة: "إن كانت صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها أو لم تسلم" نفسها "إليه أو لم تطعه فيما يجب له عليها أو سافرت بغير إذنه أو بإذنه في حاجتها فلا نفقة لها عليه"؛ لأن النفقة تجب للتمكين من الاستمتاع ولم يوجد فأشبه البائع إذا امتنع من تسليم المبيع, ويحتمل أن لها النفقة إذا سافرت بإذنه في حاجتها لأنها سافرت بإذنه فأشبه ما لو سافرت بأمره في حاجته.
"فصل: ولها عليه المبيت عندها ليلة من كل أربع إن كانت حرة"؛ لأن عمر رضي الله عنه قال لكعب بن سور: اقض بين هذا وبين امرأته. قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن فأقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن ولها يوم وليلة, فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب إلي من رأيك الآخر اذهب فأنت قاض على البصرة.
مسألة: وإن كانت أمة فلها ليلة من "ثمان" لأنها على النصف من الحرة والحرة لها ليلة من أربع فيكون للأمة ليلة من ثمان.
مسألة: ولها عليه "إصابتها في كل أربعة أشهر مرة"؛ لأن الوطء يجب على غير المولى في كل أربعة أشهر ويفسخ النكاح لتركه, وما لا يجب على غير الحالف لا يجب على الحالف على تركه كسائر المباحات إذ ما لا يجب لا يفسخ النكاح لتعذره كزيادة النفقة, فإن كان له عذر من سفر أو مرض صبرت من أجله حتى ينقضي العذر.
مسألة: "فإن آلى منها أكثر من أربعة أشهر فتربصت أربعة أشهر ثم رافعته إلى الحاكم فأنكر الإيلاء أو مضى الأربعة" أشهر "فالقول قوله"؛ لأن الأصل معه, "وكذا إن ادعى الإصابة وهي ثيب" لأنه مما يتعذر إقامة البينة عليه ولا يعرف إلا من جهته؛ ولأن الأصل بقاء النكاح وهو يدعي ما ينفيه والمرأة تدعي ما يلزمه به رفعه فكان القول قوله كما لو

وإن أقر بذلك أمر بالفيئة عند طلبها وهي الجماع, فإن فاء فإن الله غفور رحيم, فإن لم يفي أمر بالطلاق فإن طلق وإلا طلق الحاكم عليه, ثم إن راجعها أو تركها حتى بانت فتزوجها وقد بقي أكثر من مدة الإيلاء وقف لها كما وصفت, ومن عجز عن الفيئة عند طلبها فليقل: متى قدرت جامعتها ويؤخر حتى يقدر عليها
ـــــــ
أدعى الوطء في العنة وعليه اليمين لأن ما تدعيه المرأة يحتمل فوجب نفيه باليمين, وعنه لا يلزمه يمين لأنه لا يقضي فيه بالنكول اختاره أبو بكر.
مسألة: "وإن أقر بذلك" يعني أقر بالإيلاء وأنه لم يصبها "أمر بالفيئة" وهي الجماع فإن فاء فإن الله غفور رحيم "وإن لم يفيء أمر بالطلاق" إن طلبت ذلك لقوله سبحانه: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 1, فإن طلق واحدة فهي رجعية لأنها طلقة بغير عوض فأشبه غير المولى, وعنه أنها طلقة بائنة لأنها فرقة لدفع الضرر فأشبهت فرقة العنة.
مسألة: "وإن لم يطلق وإلا طلق الحاكم عليه" لأن ما دخله النيابة وتعين مستحقه وتعين من هو عليه قام الحاكم مقامه فيه كقضاء الدين, وهذا إذا طلبته المرأة لأن الحق لها فأشبهت صاحب الدين, وعنه إن لم يطلق حبس وضيق عليه حتى يطلق ولا يقوم الحاكم مقامه في الطلاق, والأول أصح لما سبق. فإذا طلق عليه الحاكم طلقه وقلنا هي رجعية فراجع "أو تركها حتى بانت ثم تزوجها وقد بقي أكثر من مدة الإيلاء وقف لها كما وصفت" يعني: إن فاء فإن الله غفور رحيم وإن عزم الطلاق فطلق كان الحكم كما سبق.
مسألة: "ومن عجز عن الفيئة عند طلبها" بجب أو شلل ففيئته بلسانه, وهي أن يقول لو قدرت لجامعتها لأن ذلك يزيل ما حصل بإيلائه, وإن كان عذره من مرض أو إحرام أو حبس ففيئته أن يقول: "متى قدرت جامعتها ويؤخر حتى" يزول عذره؛ لأن القصد بالفيئة ترك ما قصد إليه من الإضرار وقد ترك قصد الإضرار بما أتى به من الاعتذار والقول قوله مع العذر يقوم مقام فعل القادر, بدليل إشهاد الشفيع على الطلب بالشفعة عند العجز عن طلبها [فإنه] يقوم مقام طلبها في الحضور لإثباتها.
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 227.
باب القسم و النشوز...
باب القسم والنشوز
وعلى الرجل العدل بين نسائه في القسم
ـــــــ
باب القسم والنشوز
"وعلى الرجل العدل بين نسائه في القسم" لا نعلم فيه خلافا بينهم في وجوب التسوية

وعماده الليل فيقسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين, وإن كانت كتابية وليس عليه المساواة في الوطء بينهن, وليس له البداءة في القسم بإحداهن ولا السفر بها إلا بقرعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيهن خرج سهمها خرج بها معه.
ـــــــ
بين زوجاته في القسم وقد قال سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} 1, وليس مع الميل معروف. وقد قال تعالى: {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} 2. وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بيننا ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك". رواه أبو داود3.
مسألة: "وعماد" القسم "الليل" ولا خلاف في ذلك لأن الليل للسكن يأوي الإنسان إلى أهله والنهار للمعاش والخروج في الأشغال. قال الله سبحانه: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} 4, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ليلة وليلة, وفي النهار لمعاشه وقضاء حقوق الناس.
مسألة: "ويقسم لزوجته الأمة ليلة وللحرة ليلتين"؛ لما روى الدارقطني عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين. احتج به الإمام أحمد رحمه الله فإن كانت إحداهما كتابية فإنه يساوي بينهما في القسم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء؛ لأنه من حقوق الزوجية فأشبه النفقة والسكنى.
مسألة: "وليس عليه المساواة بينهن في الوطء" لا نعلم فيه خلافا؛ لأن الجماع طريقه الشهوة والميل ولا سبيل إلى التسوية في ذلك, فإن القلب يميل. وقد قال الله سبحانه: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} 5, قال عبيدة السلماني: في الحب والجماع, وإن أمكنه التسوية بينهن في الجماع كان أحسن وأبلغ في العدل, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك" 6.
مسألة: "وليس له البداية في القسم بإحداهن ولا السفر بها إلا بقرعة" لأن البداية بها تفضيل والتسوية واجبة؛ ولأنهن متساويات في الحق فلا يمكن الجمع فوجب المصير إلى القرعة؛ "لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه" فمن خرجت قرعتها خرج
ـــــــ
1 - سورة النساء: الآية 19.
2 - سورة النساء الآية 29.
3 - رواه أبو داود في النكاح: حديث رقم 2134.
4 - سورة النبأ: الآية 10.
5 - سورة النساء: الآية 129.
6 - سبق تخريجه.

وللمرأة أن تهب حقها من القسم لبعض ضراتها بإذن زوجها أو له, فيجعله لمن شاء منهن لأن سودة وهبت يومها لعائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة, وإذا أعرس على بكر أقام عندها سبعا ثم دار, وإن أعرس على ثيب أقام عندها ثلاثا. لقول أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أن يقيم عندها سبعا وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثا", وإن أحبت الثيب أن يقيم عندها سبعا فعل وقضاهن البواقي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثا ثم قال: "ليس بك هوان على أهلك إن شئت أقمت عندك ثلاثا خالصة لك, وإن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي".
فصل
ويستحب التستر عند الجماع, وأن يقول ما رواه ابن عباس: "لو أن أحدكم إذا
ـــــــ
بها معه" متفق عليه1. فالقرعة في السفر منصوص عليها وابتداء القسم مقيس عليه.
مسألة: "وللمرأة أن تهب حقها من القسم لبعض ضرائرها بإذن زوجها أو له فيجعله لمن شاء منهن" لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط إلا برضاه فإذا رضيا جاز؛ لأن الحق لا يخرج عنهما, وقد روت عائشة رضي الله عنها: أن سودة وهبت يومها لعائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. متفق عليه2.
مسألة: "وإذا عرس عند بكر أقام عندها سبعا ثم دار, وإذا عرس عند ثيب أقام عندها ثلاثا", وذلك لما روى أبو قلابة عن "أنس" رضي الله عنه قال: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب" أقام "عندها سبعا" وقسم "وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا" ثم قسم, قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه3, "وإذا أحبت الثيب أن يقيم عندها سبعا فعل ثم قضاهن للبواقي"؛ لما روي عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثا", و "قال: "إنه ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي". رواه مسلم4, وفي لفظ: "إن شئت ثلثت ثم درت". وفي لفظ: "إن شئت أقمت عندك ثلاثا خالصة لك".
"فصل: ويستحب التستر عند الجماع" لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتى أحدكم
ـــــــ
1 - رواه البخاري في النكاح: حديث رقم 5211. ومسلم في النكاح: حديث رقم 38.
2 - رواه البخاري في النكاح: حديث رقم 5212. ومسلم في النكاح: حديث رقم 47.
3 - رواه البخاري في النكاح: حديث رقم 5213, 5214. ومسلم في الرضاع: حديث رقم 44, 45.
4 - رواه مسلم في الرضاع: حديث رقم 41, 42, 43.

أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا".
فصل
وإن خافت المرأة من زوجها نشوزا أو إعراضا فلا بأس أن تسترضيه بإسقاط بعض حقوقها كما فعلت سودة حين خافت أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإن خاف الرجل نشوز امرأته وعظها فإن أظهرت نشوزا هجرها في المضجع فإن لم يردعها
ـــــــ
إلى أهله فليستتر ولا ينكشف انكشاف العير". أو كما, قال: ويستحب "أن يقول" عند الجماع "ما" روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فولد بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا". متفق عليه.
"فصل: وإذا خافت المرأة من زوجها نشوزا أو إعراضا" لمرض أو كبر "فلا بأس أن تسترضيه بإسقاط بعض حقوقها كما فعلت سودة حين خافت أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم" فروت عائشة رضي الله عنها أن سودة وهبت يومها لعائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. متفق عليه1. ولقوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} 2.
مسألة: "وإن خاف الرجل نشوز امرأته" بأن تظهر منها أمارات النشوز بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع أو تجيبه متبرمة متكرهة فإنه "وعظها" ويخوفها الله سبحانه ويذكر لها ما أوجب الله له عليها من الحق والطاعة وما يلحقها بذلك من الإثم وما يسقط عنها من النفقة والكسوة, وما يباح له من ضربها فهجرها لقوله سبحانه: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} 3, فإن أصرت وأظهرت النشوز والامتناع من فراشه فله أن يهجرها في المضجع ما شاء"؛ لقوله سبحانه: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} 4. "فإن أصرت فله أن يضربها ضربا غير مبرح"؛ لقوله سبحانه: {وَاضْرِبُوهُنَّ}, "فإن خيف الشقاق بينهما" يعني علم "بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها مأمونين يجمعان إن رأيا أو يفرقان فما فعلا من ذلك لزمهما", وذلك أن الزوجين إذا خرجا إلى الشقاق والعداوة بعث الحاكم حكمين حرين مسلمين عدلين والأولى أن يكونا من أهلهما برضاهما وتوكيلهما فيكشفان عن حالهما ويفعلان ما يريانه من جمع بينهما أو تفريق بطلاق أو خلع فما فعلا من ذلك لزمهما والأصل فيه قوله سبحانه: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - سورة النساء: الآية 128.
3 - سورة النساء: الآية 34.
4 - سورة النساء: الآية 34.

ذلك فله أن يضربها ضربا غير مبرح وإن خيف الشقاق بينهما بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها مؤمنين يجمعان إن رأيا أو يفرقان فما فعلا من ذلك لزمهما
ـــــــ
وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} 1.
فصل: واختلفت الرواية عن أحمد في الحكمين فعنه أنهما وكيلان لا يملكان التفريق إلا بإذنهما لأن البضع حقه والمال حق المرأة وهما رشيدان فلا يتصرف غيرهما لهما إلا بوكالة منهما أو ولاية عليهما فكانا وكيلين, وعنه هما حاكمان ولهما أن يفعلا ما يريان من جمع وتفريق بعوض وغيره لا يحتاجان إلى توكيل الزوجين ولا رضاهما, روي ذلك عن علي وابن عباس لأن الله سبحانه سماهما حكمين ولا يعتبر رضا الزوجين ثم قال: {إِِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}, فخاطب الحكمين بذلك ولا يمنع أن تثبت الولاية على الرشيد عند امتناعه من أداء الحق كما يقضي الدين من ماله إذا امتنع ويطلق الحاكم على المولى إذا امتنع.
ـــــــ
1 - سورة النساء: الآية 35.

باب الخلع
وإذا كانت المرأة مبغضة للرجل وخافت أن لا تقيم حدود الله في طاعته فلها أن تفتدي نفسها منه بما تراضيا عليه ويستحب أن لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها
ـــــــ
باب الخلعمسألة: "وإذا كانت المرأة مبغضة للرجل وخافت أن لا تقيم حدود الله في طاعته فلها أن تفتدي نفسها منه بما تراضيا عليه"؛ لقوله سبحانه: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} 1, و روى البخاري قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ما أنقم علي ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر في الإسلام, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتردين عليه حديقته؟" قالت: نعم فردت عليه وأمره ففارقها2.
مسألة: "ويستحب أن لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها" فإن فعل كره وصح روي ذلك عن عثمان وابن عمر وابن عباس لقوله سبحانه: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}. وقالت الربيع بنت معوذ: اختلعت من زوجي بما دون عفاص رأسي فأجاز ذلك علي عثمان بن عفان ومثل هذا يشتهر فيكون إجماعا إذا ثبت هذا فإنه إذا فعل جاز مع الكراهة؛ لأنه روي في حديث جميلة فأمره أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد وروي عن عطاء عن ابن
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 229.
2 - رواه البخاري في الطلاق: حديث رقم 5273, 5274, 5275, 5276.

فإذا خلعها أو طلقها بعوض بانت منه ولم يلحقها طلاقه بعد ذلك ولو واجهها به ويجوز الخلع بكل ما يجوز أن يكون صداقا, وبالمجهول فلو قالت اخلعني بما في يدي من الدراهم أو ما في بيتي من المتاع ففعل صح وله ما فيهما فإن لم يكن فيهما شيء فله ثلاثة دراهم وأقل ما يسمى متاعا, وإن خالعها على عبد معين فخرج معيبا فله أرشه أو رده وأخذ قيمته وإن خرج مغصوبا أو حرا
ـــــــ
عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها فيجمع بين الآية والخبر فنقول: الآية دلت على الجواز والنهي عن الزيادة في الخبر للكراهة.
مسألة: "فإذا خلعها أو طلقها بعوض بانت منه فلم يلحقها طلاقه بعد ذلك وإن واجهها به" فإذا قال الرجل لزوجته: خالعتك أو فاديتك أو فسخت نكاحك أو طلقها على عوض بذلته له ورضي به فقد بانت منه وملكت نفسها بذلك, ولو أراد ارتجاعها لم يكن له ذلك إلا بنكاح جديد, ولو طلقها لم يقع بها طلاقه ولو واجهها به وهو قول ابن عباس وابن الزبير ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما فكان إجماعا, ولأنها لا تحل له إلا بنكاح جديد فلم يلحقها طلاقه كالمطلقة قبل الدخول والمنقضية عدتها؛ ولأنه لا يملك بضعه فلم يملك طلاقها كالأجنبية, ولا فرق بين أن يواجهها ويقول أنت طالق أو لا يواجهها فيقول فلانة طالق سواء كانت في العدة أو قد خرجت منها.
مسألة: "ويجوز الخلع بكل ما يجوز أن يكون صداقا" لأنه عقد معاوضة؛ ولأن المرأة مخالع بصداقها فما جاز صداقا جاز عوضا في الخلع إلا أن الخلع يصح "بالمجهول", وقال أبو بكر: لا يصح لأنه عقد معاوضة أشبه البيع, ودليل الأول أن الخلع يصح تعليقه على الشرط فجاز أن يستحق به المجهول كالوصية, "فلو قالت: اخلعني على ما في يدي من الدراهم أو ما في بيتي من المتاع" فخالعها على ذلك "صح وله ما فيهما وإن لم يكن فيهما شيء فله ثلاثة دراهم " نص عليه الإمام أحمد؛ لأنه أقل ما يقع عليه اسم الدراهم حقيقة فاستحقه كما لو وصى له بدراهم وكذا إن لم يكن في بيتها متاع فله أقل ما يقع عليه اسم المتاع كالمسألة قبلها.
مسألة: "وإن خالعها على عبد فخرج معيبا فله أرشه أو رده وأخذ قيمته"؛ لأنه عوض في معاوضة فيستحق ذلك كالبيع والصداق.
مسألة: "وإن خرج معصوبا أو حرا فله قيمته" لأنه خالعها على عوض يظنه" مالا فبان غير مال فالخلع صحيح؛ لأنه معاوضة بالبضع فلا يفسد بفساد العوض كالنكاح فإذا ثبتت صحته فإنه يرجع عليها بقيمته لو كان عبدا؛ لأنها عين يجب تسليمها مع سلامتها مع بقاء سبب الاستحقاق فوجب بذلها مقدرا بقيمتها كالمغصوب والمعار.

فله قيمته ويصح الخلع من كل من يصح طلاقه ولا يصح بذل العوض إلا ممن يصح تصرفه في المال
ـــــــ
مسألة: "ويصح الخلع من كل من يصح طلاقه" مسلما كان أو ذميا لأنه إذا ملك الطلاق بغير عوض فبعوض أولى.
مسألة: "ولا يصح بذل العوض إلا ممن يصح تصرفه في المال" فلو خالعت المحجور عليها لسفه أو صغر أو جنون لم يصح الخلع؛ لأنه تصرف في المال وليس لهن أهلية التصرف فيه ويقع طلاقه رجعيا لأنه لم يسلم له العوض وسواء أذن لهن الولي أو لم يأذن لأنه ليس له الإذن في التبرعات وهذا تبرع.

كتاب الطلاق
مدخل...
كتاب الطلاقولا يصح الطلاق إلا من زوج مكلف مختار ولا يصح طلاق المكره ولا زائل العقل إلا السكران
ـــــــ
كتاب الطلاق
مسألة: "لا يصح الطلاق إلا من زوج مكلف مختار" فإما غير الزوج فلا يصح منه لقوله عليه السلام: "الطلاق لمن أخذ بالساق", وروى الخلال بإسناده عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طلاق قبل نكاح" 1. فأما الصبي العاقل ففيه روايتان: إحداهما لا يقع طلاقه لقوله عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم" 2؛ ولأنه غير مكلف أشبه الطفل. والثانية: إن كان ابن عشر وعقل الطلاق صح منه لأنه عاقل أشبه البالغ. "وأما الطفل والمجنون والنائم والزائل العقل لمرض أو شرب دواء أو أكره على شرب الخمر فلا يقع طلاقه"؛ لقوله عليه السلام: "رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" 3. وغير الثلاثة مقيس عليهم.
مسألة: "إلا السكران" فإنه يقع طلاقه إذا كان سكره بغير عذر والشارب لما يزيل عقله من غير حاجة ففيه روايتان: إحداهما يقع طلاقه؛ لما روى أبو وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد إلى عمر فأتيته في المسجد ومعه عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن, فقلت: إن خالدا يقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة. فقال عمر: هؤلاء عندك فسلهم, فقال علي: تراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون. فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال, فجعلوه كالصاحي ولأنه إيقاع الطلاق من مكلف صادق ملكه فوجب أن يقع كالصاحي ويدل على تكليفه أنه يقتل بالقتل ويقطع بالسرقة. والثانية: لا
ـــــــ
1 - رواه البخاري تعليقا في الطلاق: 9- باب لا طلاق قبل نكاح. والترمذي بنحوه في الطلاق: حديث رقم 1181. وقال: حسن صحيح.
2 - سبق تخريجه.
3 - سبق تخريجه.

ويملك الحر ثلاث تطليقات والعبد اثنتين سواء كان تحته حرة أو أمة فمتى استوفى عدد طلاقه لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا ويطأها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة
ـــــــ
يقع طلاقه وهو قول عثمان, وقال ابن المنذر: هذا ثابت عن عثمان ولا نعلم أحدا من الصحابة خالفه. قال الإمام أحمد: حديث عثمان أرفع شيء فيه وهو أصح, يعني: من حديث علي وحديث الأعمش عن منصور لا يرفعه إلى علي ولأنه زائل العقل أشبه المجنون والنائم ولأنه مفقود الإرادة أشبه المكره.
مسألة: "ويملك الحر ثلاث تطليقات والعبد اثنتين سواء كان تحته حرة أو أمة" روي ذلك عن عمر وابنه وجماعة من الصحابة؛ ولأن الله سبحانه خاطب الرجال بالطلاق فكان حكمه معتبرا بهم لأن الطلاق خالص حق الزوج وهو مما يختلف بالرق والحرية فكان اختلافه به لعدد المنكوحات؛ ولأن الحر يملك أن يتزوج أربعا فملك طلقات ثلاثا كما لو كان تحته حرة, وعنه أن الطلاق معتبر بالنساء فطلاق الأمة اثنتان حرا كان الزوج أو عبدا, وطلاق الحرة ثلاثة حرا كان زوجها أو عبدا, روي ذلك عن علي وابن مسعود ولما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان". ورواه أبو داود وابن ماجه1؛ ولأن المرأة محل الطلاق فيعتبر بها كالعدة والأولى أولى, وحديث عائشة قال أبو داود رواية مظاهر بن أسلم وهو منكر الحديث وقد أخرجه الدارقطني عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلاق العبد اثنتان" فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وقرء الأمة حيضتان ويتزوج الحرة على الأمة ولا يتزوج الأمة على الحرة". وهو نص.
مسألة: "فمن استوفى عدد طلاقه لم تحل زوجته حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا ويطأها". أما الحرة فلقوله سبحانه: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} 2,[وأما العبد فلحديث عائشة و يجب أن يكون النكاح صحيحا لأن الله سبحانه قال: { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} ] أطلق النكاح وإنما يحمل المطلق من كلام الله سبحانه على الصحيح لا على الفاسد ويجب أن يطأها أيضا لما روت عائشة أن رفاعة طلق امرأته فبت طلاقها فتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنها كانت عند رفاعة فطلقها ثلاث تطليقات فتزوجت بعده بعبد الرحمن ابن الزبير وإنما معه مثل الهدبة فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة, لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". متفق عليه3.
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الطلاق: حديث رقم 2189. وابن ماجه في الطلاق: حديث رقم 2079, 2080.
2 - سورة البقرة الآية 230.
3 - رواه البخاري في الطلاق: حديث رقم 5265, 5317. ومسلم في النكاح: حديث رقم 111, 115.

رفاعة: "لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك".
ولا يحل جمع الثلاث ولا طلاق المدخول بها في حيضتها أو في طهر أصابها فيه؛ لما روى ابن عمر أنه طلق امرأة له وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها". والسنة في الطلاق أن يطلقها في طهر لم يصبها فيه واحدة ثم يدعها حتى
ـــــــ
مسألة: "ولا يحل جمع الثلاث" وهو إحدى الروايتين وهو طلاق بدعة, وهو محرم روي ذلك عن عمر وعلي وجماعة من الصحابة فروي عن عمر أنه كان إذا أتى برجل طلق ثلاثا أوجعه ضربا, وعن مالك بن الحارث قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا فقال: إن عمك عصى الله وأطاع الشيطان فلم يجعل الله له مخرجا؛ ولأنه تحريم للبضع بقول الزوج من غير حاجة فحرم كالظهار, والرواية الأخرى أنه مكروه غير محرم لأن عويمرا العجلاني لما لاعن امرأته قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله, متفق عليه1. ولم ينقل إنكار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه, وفي حديث امرأة رفاعة أنها قالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي. متفق عليه2. وفي حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات3, والأولى أولى. وأما حديث المتلاعنين فغير لازم لأن الفرقة لم تقع بالطلاق وإنما وقعت بمجرد لعانها فلا حجة فيه وسائر الأحاديث لم يقع فيها جمع الثلاث بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكون مقرا عليه على أن حديث فاطمة بنت قيس أنه أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها وحديث امرأة رفاعة جاء فيه أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات متفق عليه ولم يكن في شيء من ذلك جمع الثلاث.
مسألة: "ولا" يحل "طلاق المدخول بها في حيضها أو في طهر أصابها" فيه لأنه طلاق بدعة محرم, "لما روي أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فذكر عمر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فتغيظ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "مره فليراجعها ثم يمسها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها" 4.
مسألة: "والسنة في الطلاق أن يطلقها في طهر لم يصبها فيه واحدة ثم يدعها حتى
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الطلاق: حديث رقم 5308. ومسلم في اللعان: حديث رقم 9, 12.
2 - رواه البخاري في الطلاق: حديث رقم 5260. ومسلم في الطلاق: حديث رقم 1, 2.
3- رواه النسائي في الطلاق: 7- باب الرخصة في ذلك: حديث رقم 2.
4 - رواه البخاري في الأحكام: حديث رقم 7160. ومسلم في الرضاع: حديث رقم 70.

تنقضي عدتها فمتى قال لها أنت طالق للسنة وهي في طهر لم يصبها فيه طلقت وإن كانت في طهر أصابها فيه أو حيض لم تطلق حتى تطهر من حيضة, وإن قال لها: أنت طالق للبدعة وهي حائض أو في طهر أصابها فيه طلقت وإن لم تكن كذلك لم تطلق حتى يصيبها أو تحيض. فأما غير المدخول بها والحامل التي تبين حملها والآيسة والتي لم تحض فلا سنة لطلاقها ولا بدعة فمتى قال لها أنت طالق للسنة أو للبدعة طلقت في الحال
ـــــــ
تنقضي عدتها" أجمعوا على أن هذا مصيب للسنة مطلق للعدة التي أمر الله سبحانه بها. قاله ابن المنذر وابن عبد البر "فمتى قال أنت طالق للسنة وهي في طهر لم يصبها فيه طلقت" في الحال؛ لأنه وصف الطلقة بصفتها فوقعت في الحال. "وإن قال ذلك لها" وهي في طهر أصابها فيه لم يقع حتى تحيض ثم تطهر"؛ لأن الطهر الذي جامعها فيه والحيض بعده زمن بدعة, فإذا طهرت من الحيضة المستقبلة طلقت حينئذ لأن الصفة وجدت.
مسألة: "وإن قال ذلك لحائض لم يقع في الحال لأن طلاقها طلاق بدعة لكن إذا طهرت طلقت لأن الصفة وجدت حينئذ".
مسألة: "وإن قال لها أنت طالق للبدعة وهي حائض أو في طهر أصابها فيه طلقت" وإن كانت في طهر لم يصبها فيه طلقت إذا أصابها أو حاضت, وهذه المسألة عكس التي قبلها لأنه وصف الطلقة بأنها للبدعة فإن قال ذلك لحائض أو طاهر طهرا قد أصابها فيه وقع الطلاق لأنه وصف الطلقة بصفتها وإن كانت في طهر لم يصبها فيه لم يقع في الحال فإذا حاضت طلقت بأول جزء من الحيض وإن أصابها طلقت بالتقاء الختانين لأن ذلك وطء.
مسألة: "فأما غير المدخول بها والحامل التي تبين حملها والآيسة والصغيرة التي لم تحض فلا سنة" لها "ولا بدعة فمتى قال لها: أنت طالق للسنة أو للبدعة طلقت في الحال". قال ابن عبد البر: أجمع العلماء أن طلاق السنة إنما هو للمدخول بها أما غير المدخول بها فليس لطلاقها سنة ولا بدعة إلا في عدد الطلاق لأن العدة تطول عليها بالطلاق في الحيض وترتاب بالطلاق في الطهر الذي جامعها فيه وينتفي عنها الأمران بالطلاق في طهر لم يجامعها فيه, بخلاف غير المدخول بها فإنه لا عدة عليها بنفي تطويلها أو الارتياب فيها, وكذلك ذوات الأشهر وهي الصغيرة التي لم تحض والآيسة لا سنة لطلاقها ولا بدعة؛ لأنها لا تحمل, فترتاب ولا تطول العدة بطلاقها, وكذلك الحامل التي استبان حملها فهؤلاء الأربعة ليس لطلاقهن سنة ولا بدعة, فإذا قال لإحداهن: أنت طالق للسنة أو للبدعة طلقت في الحال ولغت الصفة لأن طلاقهن لا يتصف بذلك فصار كأنه قال: أنت طالق ولم يزد وأما العدد فيكره له أن يطلق واحدة منهن ثلاثا لأنه لا يبقى له سبيل إلى الرجعة فطلاق السنة في حقهم واحدة ليكون له سبيل إلى الرجعة من غير أن تنكح زوجا غيره.
باب صريح الطلاق و كنايته...
باب صريح الطلاق وكنايته
صريحه لفظ الطلاق ما تصرف منه كقوله: أنت طالق أو مطلقة وطلقتك فمتى أتى به بصريح الطلاق طلقت وإن لم ينوه وما عداه مما يحتمل الطلاق فكناية لا يقع به الطلاق إلا أن ينويه فلو قيل له ألك امرأة؟ قال: لا ينوي الكذب لم تطلق فإن قال: طلقتها طلقت وإن نوى الكذب وإن قال لامرأته أنت خلية أو برية أو بائن
ـــــــ
باب صريح الطلاق وكنايته
"صريحه لفظ الطلاق وما تصرف منه كقوله أنت طالقة أو مطلقة أو طلقتك فمتى أتى" به "طلقت وإن لم ينوه" لأنه موضوع له على الخصوص ثبت له عرف الشرع والاستعمال.
مسألة: "وما عداه مما يحتمل الطلاق فكناية لا يقع به الطلاق إلا أن ينويه فلو قيل له: ألك امرأة؟ فقال: لا ينوي الكذب لم تطلق" لأن قوله ما لي امرأة كناية تفتقر إلى نية الطلاق, وإذا نوى الكذب فما نوى الطلاق فلم يقع. "فإن قال: طلقتها طلقت وإن نوى الكذب"؛ لأنه أتى بالصريح الذي لا يحتمل غير الطلاق.
مسألة: "وإن قال لامرأته أنت خلية أو برية أو بائن أو بتة أو بتلة ينوي طلاقها طلقت ثلاثا إلا أن ينوي دونها" في هذه الألفاظ في المذهب روايتان: الأولى هي ثلاث وإن نوى واحدة؛ لأن ذلك يروى عن علي وابن عمر وزيد ولم ينقل خلافهم فكان إجماعا؛ ولأنه لفظ يقتضي البينونة بالطلاق فوقع ثلاثا كما لو طلق ثلاثا واقتضاؤه البينونة ظاهر في قوله أنت بائن, وكذلك البتة لأن البت القطع كأنه قطع النكاح كله وبتلة مثله والخلية والبرية يقتضيان الخلو من النكاح والبراءة منه ولا سبيل إلى البينونة بدون الثلاث ولا يمكن إيقاع واحدة بائن لأنه لا يقدر على ذلك بالصريح من غير عوض فكذلك الكناية, والثانية يقع ما نواه اختاره أبو الخطاب؛ لما روى أبو داود أن ركانة طلق امرأته سهمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما أردت إلا واحدة"؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة, فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم1, إلا أن أحمد ضعفه, وروى عنه حنبل رواية ثالثة تقع واحدة بائنة لأنه لفظ أقتضى البينونة دون العدد فوقعت واحدة بائنة كالخلع وذكر أصحابنا من جملة هذه الألفاظ: أنت للحرج
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الطلاق: حديث رقم 2196.

أو بتة أو بتلة ينوي بها طلاقها طلقت ثلاثا إلا أن ينوي دونها وما عدا هذا يقع به واحدة إلا أن ينوي ثلاثا وإن خير امرأته فاختارت نفسها طلقت واحدة, وإن لم تختر أو اختارت زوجها لم يقع شيء. قالت عائشة: قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا؟ وليس لها أن تختار إلا في المجلس إلا أن يجعله لها فيما بعده
ـــــــ
والحقي بأهلك وحبلك على غاربك وأنت حرة ولم يذكرها شيخنا ها هنا أما قوله أنت الحرج وأنت حرة فقال شيخنا: لم يذكرهما لأنه مختلف فيهما ولم يذكرهما الخرقي في الظاهر ولم يعرف فيهما دليلا ظاهرا فتركناهما لذلك, و أما الحقي بأهلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة تزوجها: "الحقي بأهلك". ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليطلق ثلاثا, فإن طلاق الثلاث محرم أو مكروه ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل المحرم ولا المكروه, وقد ذكر الأثرم هذا للإمام أحمد فسكت ولم يجب, والظاهر أنه رجع عن قوله إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه قوله: "الحقي بأهلك" لا يقتضي لفظ الثلاث ولا معناه فإنها قد تلحق بأهلها بطلقة واحدة, وأما قوله حبلك على غاربك فلا نعلم فيه دليلا على الثلاث ولا في لفظها ما يقتضيه فهو كقوله: "الحقي بأهلك".
مسألة: "وما عدا هذا يقع به واحدة" يعني الكنايات الخفية نحو اخرجي واذهبي وذوقي وتجرعي وخليتك وأنت مخلاة وأنت واحدة ولست لي بامرأة واعتدي واستبرئي واعتزلي واختاري ووهبتك لأهلك وسائر ما يدل على الفرقة فهذا يقع به واحدة لأنها اليقين "إلا أن ينوي ثلاثا" لأنه محتمل.
مسألة: "وإن خير امرأته فاختارت نفسها طلقت واحدة" لأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم, فروي عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وجابر وعبد الله بن عمر وعائشة أنهم قالوا في الخيار: إن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها. رواه البخاري عنهم بأسانيده؛ ولأن قوله اختاري تفويض مطلق فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم وذلك طلقة واحدة, ولا يجوز أن يكون بائنا لأنها بغير عوض لم يكمل بها العدد بعد الدخول فأشبه ما لو طلقها واحدة.
مسألة: "وإن لم تختر أو اختارت زوجها لم يقع شيء قالت عائشة رضي الله عنها: قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا؟".
مسألة: "وليس لها أن تختار إلا في المجلس" وذلك أن أكثر أهل العلم على أن التخيير على الفور روي ذلك عن عمر وعثمان وابن مسعود وجابر ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعا.
مسألة: "إلا أن يجعله لها فيما بعد" المجلس فيجوز لأن الحق له ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال

وإن قال: أمرك بيدك أو طلقي نفسك فهو في يده ما لم يفسخ أو يطأ.
ـــــــ
لعائشة لما خيرها: "إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك" 1. فجعل لها الخيار على التراخي. فأما من أطلق الخيار فهو مقصور على المجلس. قال الإمام أحمد رحمه الله: الخيار على مخاطبة الكلام أن تجاوبه ويجاوبها إنما هو جواب كلام إن أجابته من ساعته وإلا فلا شيء.
مسألة: "وإن قال" لها "أمرك بيدك أو طلقي نفسك فهو في يدها ما لم يفسخ أو يطأ" متى قال لزوجته أمرك في يدك فلها أن تطلق نفسها ثلاثا وإن نوى واحدة. قاله عثمان وابن عمر وابن عباس وعلي رضي الله عنهم. قال القاضي: وقد نقل عن الإمام أحمد ما يدل على أنه إذا نوى واحدة فهي واحدة؛ لأنه نوع تخيير فرجع إلى نيته فيه كقوله اختاري, ودليل الأولى أنه لفظ يقتضي العموم في جميع أمرها لأنه اسم جنس مضاف فيتناول الثلاث كما لو قال طلقي نفسك ما شئت ويقبل قوله أردت واحدة لأنه خلاف ما يقتضيه اللفظ وهو في يدها ما لم يفسخ أو يطأ؛ لما روي عن علي في رجل جعل أمر امرأته بيدها قال: هو لها حتى ينكل؛ ولأنه توكيل في الطلاق فكان على التراخي كما لو قال لأجنبي: أمر امرأتي بيدك وفارق قوله اختاري فإنه تخيير فإن رجع الزوج فيما جعل إليها أو قال: فسخت ما جعلت إليك بطل لأنه توكيل فأشبه التوكيل في البيع وإن وطئها قبل اختيارها نفسها كان رجوعا؛ لأنه نوع توكيل والتصرف فيما وكل فيه يبطل الوكالة كذا ها هنا تصرفه بالوطء يبطل وكالته.
ـــــــ
1 - رواه البخاري في المظلم: حديث رقم 2468. ومسلم في الرضاع: حديث رقم 89.

باب تعليق الطلاق بالشروط
يصح تعليق الطلاق والعتاقة بشرط بعد النكاح والملك ولا يصح قبله فلو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق أو ملكتها فهي حرة فتزوجها أو ملكها لم تطلق
ـــــــ
باب تعليق الطلاق بالشروطمسألة: "يصح تعليق الطلاق والعتاق بشروط بعد النكاح والملك ولا يصح قبله فلو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق وإن ملكتها فهي حرة فتزوجها أو ملكها لم تطلق ولم تعتق"؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم وإن عينها" 1. رواه الدارقطني, وفي لفظ: "لا طلاق فيما لا يملك". رواه الترمذي وقال: حديث حسن, وعنه ما يدل على أن الطلاق يقع لأنه يصح تعليقه على الإحضار فصح تعليقه على الملك كالوصية, والمذهب الأول لأن من لا يقع طلاقه بالمباشرة لا يصح تعليقه كالمجنون.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.

ولم تعتق, وأدوات الشروط ست: إن, وإذا, وأي, ومتى, ومن, وكلما, وليس فيها ما يقتضي التكرار إلا كلما, وكلها إذا كانت مثبتة ثبت حكمها عند وجود شرطها, فإذا قال: إن قمت فأنت طالق فقامت طلقت وانحل شرطه, وإن قال: كلما قمت فأنت طالق طلقت كلما قامت وإن كانت نافية كقوله إن لم أطلقك فأنت طالق كانت على التراخي إذا لم ينو وقتا بعينه فلا يقع الطلاق إلا في آخر أوقات الإمكان, وسائر الأدوات على الفور, فإذا قال: متى لم أطلقك فأنت طالق ولم يطلقها طلقت في الحال, وإن قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق فمضى زمن يمكن طلاقها فيه ثلاثا ولم
ـــــــ
مسألة: "وأدوات الشرط ست: إن, وإذا, وأي, ومتى, ومن, وكلما, وليس فيها ما يقتضي التكرار إلا كلما" فإذا قال: إن قمت فأنت طالق فقامت طلقت وإن تكرر القيام لم يتكرر الطلاق, وكذا سائرها لأن اللفظ لا يقتضي التكرار لغة, وإن قال: كلما قمت فأنت طالق فقامت طلقت وإن تكرر القيام تكرر الطلاق لأن اللفظ يقتضي التكرار لغة.
مسألة: "وكلها إذا كانت مثبتة ثبت حكمها عند وجود شرطها فإذا قال: إن قمت فأنت طالق فقامت طلقت وانحل شرطه" لأنها تقتضي ذلك "وإن قال: كلما قمت فأنت طالق طلقت كلما قامت" لأنها تقتضي التكرار.
مسألة: "وإن كانت نافية -كقوله: إن لم أطلقك فأنت طالق" -كانت "على التراخي إذا لم ينو وقتا بعينه فلا يقع الطلاق إلا في آخر أوقات الإمكان", وذلك في آخر جزء من حياة أحدهما لا نعلم في هذا خلافا؛ لأن حرف "إن" مجرد يقتضي التراخي إلا أن ينوي وقتا بعينه فيتقيد بذلك الوقت, كقوله إن لم أطلقك -ينوي اليوم- فأنت طالق فإنه يتقيد باليوم, فإذا خرج اليوم ولم يطلقها طلقت.
مسألة: "وسائر الأدوات على الفور" يعني إذا كانت نافية وإن تجردت عن النفي فهي على التراخي مثل قوله: إن خرجت وإذا خرجت ومتى خرجت وأي حين خرجت ومن خرجت منكن وكلما خرجت فأنت طالق, فمتى وجد الخروج طلقت وإن كانت نافية فكلها على الفور؛ لأنها تقتضي ذلك إلا إن على ما سبق. "فإذا قال: متى لم أطلقك فأنت طالق ولم يطلقها طلقت في الحال" لذلك, "وإن قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق فمضى زمان يمكن طلاقها فيه ثلاثا ولم يطلقها طلقت ثلاثا" لأن كلما تقتضي التكرار. قال الله سبحانه: {كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ}, فيقتضي تكرار الطلاق بتكرار الصفة والصفة عدم تطليقه لها, فإذا مضى زمن يمكن أن يطلقها فيه بعد يمينه فلم يطلقها فقد وجدت الصفة فتقع طلقة وتتبعها الثانية والثالثة "إن كانت مدخولا بها" وإلا بانت بالأولى ولم يلزمها ما بعدها لأن البائن لا يلحقها طلاق.

يطلقها طلقت ثلاثا إن كانت مدخولا بها, وإن قال: كلما ولدت ولدا فأنت طالق فولدت توأمين طلقت بالأول وبانت بالثاني؛ لانقضاء عدتها به ولم تطلق به, وإن قال: إن حضت فأنت طالق طلقت بأول الحيض فإن تبين أنه ليس بحيض لم تطلق.
فإن قالت: قد حضت فكذبها طلقت, وإن قال: قد حضت وكذبته طلقت بإقراره, فإن قال: إن حضت فأنت وضرتك طالقتان, فإن قالت: قد حضت قكذبها طلقت دون ضرتها.
ـــــــ
مسألة: "وإن قال: كلما ولدت ولدا فأنت طالق فولدت توأمين طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به"؛ لأن العدة انقضت بوضع الثاني فصادفها الطلاق بائنا فلم يقع كما لو قال: إذا مت فأنت طالق.
مسألة: "وإن قال: إن حضت فأنت طالق طلقت بأول الحيض"؛ لأن الصفة وجدت ولذلك حكمنا به حيضا في المنع من الصلاة والصيام والوطء "فإن تبين أنه ليس بحيض لم تطلق" لأنا تبينا أن الصفة لم توجد.
مسألة: "فإن قالت: قد حضت فكذبها طلقت" لأنه يقبل قولها في حق نفسها لقوله سبحانه: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} 1, فلولا أن قولهن مقبول ما حرم الله عليهن كتمانه ويصير كقوله سبحانه: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ}, يدل على قبولها ولأنه لا يعرف إلا من جهتها.
مسألة: "وإن قال: إن قد حضت فكذبته طلقت بإقراره".
مسألة: "وإن قال: حضت فأنت وضرتك طالقتان فقالت: قد حضت فكذبها طلقت دون ضرتها"؛ لأن قولها مقبول على نفسها ولم تطلق الضرة إلا أن تقوم بينة على حيضها.
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 228.
باب ما يختلف به عدد الطلاق و غيره...
باب ما يختلف به عدد الطلاق وغيره
المرأة إذا لم يدخل بها تبينها الطلقة وتحرمها الثلاث من الحر والاثنتان من العبد إذا وقعت مجموعة كقوله: أنت طالق ثلاثا أو أنت طالق وطالق وطالق وإن
ـــــــ
باب ما يختلف به عدد الطلاق وغيره
مسألة: "المرأة إذا لم يدخل بها تبينها الطلقة وتحرمها الثلاث من الحر والاثنتان من العبد إذا وقعت مجموعة كقوله أنت طالق ثلاثا أو" قوله "أنت طالق وطالق وطالق", وذلك أن غير المدخول بها تبين بطلقة لقوله سبحانه: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}, وأما كونها تحرم بالثلاث من الحر فلقوله سبحانه: {الطَّلاَقُ

أوقعه مرتبا كقوله أنت طالق فطالق أو ثم طالق أو طالق بل طالق أو أنت طالق أنت طالق وإن طلقتك فأنت طالق ثم طلقها أو كلما طلقتك فأنت طالق أو كلما ثم أطلقك فأنت طالق وأشباه هذا لم يقع بها إلا واحدة, وإن كانت مدخولا بها وقع بها جميع ما أوقعه ومن شك في الطلاق أو عدده أو الرضاع أو عدده بنى على اليقين وإن قال لنسائه: إحداكن طالق ولم ينو واحدة بعينها خرجت بالقرعة وإن طلق جزءا
ـــــــ
مَرَّتَانِ} 1, ثم قال بعد ذلك: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ}, وتحرم الاثنتان من العبد روي ذلك عن علي وابن مسعود لما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "طلاق العبد اثنتان فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وقرء الأمة حيضتان. ويتزوج الحرة على الأمة ولا يتزوج الأمة على الحرة"2. وهذا النص رواه الدارقطني.
مسألة: "وإن أوقعه مرتبا كقوله أنت طالق فطالق" أو "طالق ثم طالق أو طالق بل طالق أو أنت طالق أنت طالق أو إن طلقتك فأنت طالق ثم طلقها أو كلما طلقتك فأنت طالق أو كلما لم أطلقك فأنت طالق وأشباه هذا لم يقع إلا واحدة" لأنها تبين بالأولى فلا تقع الثانية لأنها حروف تقتضي الترتيب فتقع الأولى بها فتبينها ثم تأتي الثانية فتصادفها قد بانت عن نكاحه فتلغو.
مسألة: "ولو كانت مدخولا بها وقع بها جميع ما أوقعه" لأنها لا تبينها الأولى فتأتي الثانية فتصادف محل النكاح فتقع.
مسألة: "ومن شك في الطلاق أو عدده أو الرضاع أو عدده بنى على اليقين" لأن النكاح من متيقن فلا يزول عنه بالشك.
مسألة: "وإن قال لنسائه: إحداكن طالق ولم ينو واحدة بعينها أخرجت بالقرعة" لأن الحقوق إذا تساوت على وجه لايمكن التمييز إلا بالقرعة صح استعمالها كالشريكين إذا اقتسما فإنه يسوى بينهما ويقرع بينهما, وكذلك العبيد إذا أعتقهم في مرضه ولم يخرج من ثلثه إلا واحد منهم فإنه يقرع بينهم فكذلك ها هنا.
مسألة: "وإن طلق جزءا من امرأته مشاعا أو معينا كإصبعها أو يدها طلقت كلها" لأنها جملة لا تتبعض في الحل والحرمة وجد فيها ما يقتضي التحريم والإباحة فغلب فيها حكم التحريم كما لو اشترك مسلم ومجوسي في صيد ولأنه أضاف الطلاق إلى جزء ثابت استباحه بعقد النكاح فأشبه الجزء الشائع فإن من خالف في ذلك قد سلمه
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 229.
2 - سبق تخريجه.

من امرأته مشاعا أو معينا كإصبعها أو يدها طلقت كلها إلا الظفر والسن والشعر والريق والدمع ونحوه لا تطلق به وإن قال: أنت طالق نصف تطليقة أو أقل من هذا طلقت واحدة.
ـــــــ
مسألة: "إلا الظفر والسن والشعر والريق والدمع ونحوه لا تطلق به" لأنه جزء ينفصل عنها في حال السلامة فلم تطلق بطلاقه كالحمل والريق؛ ولأن الشعر لا روح فيه ولا ينقض الوضوء مسه فأشبه العرق والريق واللبن وقبل تطلق إذا طلق الظفر والشعر والسن لأنه جزء يستباح بنكاحها أشبه الإصبع ولنا ما سبق وأما الإصبع فإنها لا تنفصل في حال السلامة بخلاف السن فإن ماله إلى الانفصال والدمع والعرق والحمل والريق متفق عليها لا نعلم فيها خلافا.
مسألة: "وإن قال: أنت طالق نصف تطليقة أو أقل من هذا طلقت واحدة" لأن الطلقة لا تتبعض فتقع كلها لأن ذكر ما لا يتبعض في الطلاق مثل ذكر جميعه كما لو قال نصفك طالق. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أنها تطلق بذلك إلا داود.

باب الرجعة
إذا طلق امرأته بعد الدخول بغير عوض أقل من ثلاث أو العبد أقل من اثنتين فله رجعتها ما دامت في العدة لقول الله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً} والرجعة أن يقول لرجلين من المسلمين: اشهدا أنني قد راجعت زوجتي أو رددتها أو أمسكتها من غير ولي ولا صداق يزيده ولا رضائها وإن وطئها كان رجعة.
ـــــــ
باب الرجعةمسألة: "وإذا طلق" الرجل "امرأته بعد الدخول بغير عوض أقل من ثلاث أو العبد أقل من اثنتين فله رجعتها ما دامت في العدة" لقوله سبحانه: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً} 1, يعني فى العدة ذكر ذلك بعد قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} 2, والمراد بهذه الآية المدخول بها بدليل أن غير المدخول بها ليس عليها عدة بقوله: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}.
مسألة: "والرجعة أن يقول لرجلين من المسلمين: اشهدا أني قد راجعت زوجتي أو رددتها أو أمسكتها من غير ولي ولا صداق يزيده ولا رضاها" للآية.
مسألة: "وإن وطئها كانت رجعة" سواء نوى الرجعة أو لم ينو لأن سبب زوال
ـــــــ
1 - سورة البقرة: 228.
2 - سورة البقرة: الآية 228.

والرجعية زوجة يلحقها الطلاق والظهار ولها التزين لزوجها والتشرف له وله وطؤها والخلوة والسفر بها, وإذا ارتجعها عادت على ما بقي من طلاقها ولو تركها حتى بانت ثم نكحت زوجا غيره ثم بانت منه وتزوجها الأول رجعت إليه على ما بقي
ـــــــ
الملك انعقد مع الخيار فالوطء من المالك يمنع زوال الملك كوطء البائع في مدة الخيار.
مسألة: "والرجعية زوجة" بدليل أن الله سبحانه سمى الرجعة إمساكا بقوله سبحانه: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}, وسمى المطلقين بعولة فقال عز من قائل: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}. فـ "يلحقها" طلاقه وظهاره ولعانه وخلعه ويرثها وترثه لأنها زوجته فثبت فيها ذلك كما قبل الطلاق.
مسألة: "ولها التزين لزوجها والتشرف له وله وطؤها والخلوة والسفر بها" لذلك؛ ولأن الله سبحانه قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} 1, وهذه زوجة فيباح له منها ما يباح من الزوجات.
مسألة: "وإذا ارتجعها عادت على ما بقي من طلاقها" ولا تخلو المطلقة من ثلاثة أحوال: الأول أن يطلقها ثلاثا فتنكح زوجا غيره ويصيبها ثم يتزوجها الأول فهذه تعود إليه على طلاق ثلاث بإجماع منهم. قاله ابن المنذر, والثاني: أن يطلقها دون الثلاث ثم تعود إليه برجعة أو نكاح جديد قبل زوج ثان فهذه تعود إليه على ما بقي من طلاقها بغير خلاف نعلمه. الثالث: طلقها دون الثلاث فقضت عدتها ثم نكحت غيره ثم تزوجها الأول فإنها تعود إليه على ما بقي من الثلاث وهو قول الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر وعلي وأبى ومعاذ وعمران بن حصين وأبي هريرة وزيد وعبد الله بن عمر, وعنه تعود إليه على طلقات ثلاث وهو قول ابن عمر وابن عباس لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل فيثبت حلا يتسع لثلاث طلقات كما بعد الثلاث؛ ولأن وطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث فأولى أن يهدم ما دونها, ودليل الأولى أن وطء الثاني لا يحتاج إليه لإحلال الزوج الأول فلا يعتبر حكم الطلاق كوطء السيد؛ ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني, وقولهم إن وطء الثاني يثبت الحل فلا يصح لوجهين: أحدهما منع كونه مثبتا للحل أصلا وإنما هو في الطلاق الثلاث غاية للتحريم بدليل قوله: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}, وحتى للغاية وإنما سمى النبي صلى الله عليه وسلم الزوج الذي قصد الحلية محللا تجوزا بدليل أنه لعنه ومن أثبت حلا لا يستحق لعنا الثاني أن الحل إنما يثبت في محل فيه تحريم وهي المطلقة ثلاثا, وها هنا هي حلال له فلا يثبت فيها حل آخر وقولهم إنه يهدم الطلاق قلنا بل هو غاية لتحريمه وما دون الثلاث لا تحريم فيه فلا يكون غاية له.
ـــــــ
1 - سورة المؤمنون: الآية 5.

من طلاقها, وإذا اختلفا في انقضاء عدتها فالقول قولها مع يمينها إذا ادعت من ذلك ممكنا, وإن ادعى الزوج بعد انقضاء عدتها أنه قد راجعها في عدتها فأنكرته فالقول قولها, وإن كانت له بينة حكم له بها فإن كانت قد تزوجت ردت إليه سواء كان دخل بها الثاني أو لم يدخل بها.
ـــــــ
مسألة: "وإذا اختلفا في انقضاء عدتها فالقول قولها مع يمينها إذا ادعت من ذلك ممكنا" لقول الله سبحانه: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ}, فلولا أن قولهن مقبول ما حرم عليهن كتمانه كالشهود لما حرم عليهم كتمان الشهادة دل على قبولها منهم, وقوله: إذا ادعت من ذلك ممكنا يعني أنها تدعي انقضاء عدتها بالقروء في زمان يمكن انقضاؤها فيه كالشهرين ونحوهما, وإن ادعت انقضاءها في مدة لا يمكن انقضاؤها فيها لم تسمع دعواها مثل أن تدعي انقضاءها بالقروء في أقل من ثمانية وعشرين يوما إذا قلنا الأقراء الأطهار أو في أقل من تسعة وعشرين يوما إذا قلنا هي الحيض, لأننا نعلم كذبها وإن ادعت انقضاءها بالقروء في شهر لم تقبل دعواها إلا ببينة؛ لأنه يروى عن علي ولأنه يندر جدا فيرجع ببينة فإذا زاد على الشهرين لم يندر كندرته في الشهر فقبل من غير بينة.
مسألة: "وإن ادعى الزوج بعد انقضاء عدتها أنه قد كان راجعها في عدتها فأنكرته فالقول قولها" بإجماعهم؛ لأنه ادعاها في زمن لا يملكها والأصل عدم الرجعة وحصول البينونة.
مسألة: "وإن كانت له بينة حكم له بها"؛ لقوله: "البينة على المدعي". "فإن كانت قد تزوجت ردت إليه سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل بها" لأنها زوجته فترد إليه كما لو لم يتزوج.

باب العدة
ولا عدة على من فارقها زوجها في الحياة قبل المسيس والخلوة لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}, والمعتدات ينقسمن أربعة أقسام :
إحداهن: أولات الأحمال فعدتهن أن يضعن حملهن
ـــــــ
باب العدةمسألة: "ولا عدة على من فارقها زوجها في الحياة قبل المسيس" لقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}.
مسألة: "والمعتدات ينقسمن أربعة أقسام: إحداهن أولات الأحمال فعدتهن أن

ولو كانت حاملا بتوأمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما والحمل الذي تنقضي به العدة وتصير به الأمة أم ولد ما يتبين فيه خلق الإنسان.
الثاني: اللاتي توفي أزواجهن {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} والإماء على النصف من ذلك وما قبل المسيس وما بعده سواء.
الثالث: المطلقات من ذوات القروء {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} وقرء الأمة حيضتان
ـــــــ
يضعن حملهن" حرائر كن أو إماء من فرقة الحياة أو الممات لقوله سبحانه: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} 1.
مسألة: "ولو كانت حاملا باثنين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما" للآية.
مسألة: "والحمل الذي تنقضي به العدة ما يتبين فيه" شيء "من خلق الإنسان"؛ لأنه ولد. "الثاني: اللاتي توفي أزواجهن {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} " إن كانت حرة وشهرين وخمسة أيام إن كانت أمة وسواء مات قبل الدخول أو بعده إذا لم تكن حاملا لقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} 2, وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا". متفق عليه3.
مسألة: "والأمة على النصف من ذلك" لأن الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على أن عدة الأمة المطلقة نصف عدة الحرة فيجب أن يكون المتوفى عنها زوجها عدتها نصف عدة الحرة. "الثالث: المطلقات من ذوات القروء {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} وقرء الأمة حيضتان"؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "طلاق الأمة طلقتان وقرءها حيضتان" 4.
فصل: وفي الأقراء روايتان: إحداهما هي الحيض لهذا الخبر وقول الصحابة رضي الله عنهم و قوله عليه السلام: "تدع الصلاة أيام أقرائها". رواه أبو داود5, وقال لفاطمة: "فإذا أتى قرءك فلا تصلي وإذا مر قرءك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء". رواه النسائي6؛ ولأنه
ـــــــ
1 - سورة الطلاق: الآية 4.
2 - سورة البقرة: الآية 234.
3 - رواه البخاري في الطلاق: حديث رقم 5334. ومسلم في الطلاق: حديث رقم 58, 59.
4 - سبق تخريجه.
5 - رواه أبو داود في الطهارة: حديث رقم 281.
6 - رواه النسائي في الطهارة: 136- باب ذكر الأقراء: حديث رقم 3.

الرابع: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} والأمة شهران,
ويشرع التربص مع العدة في ثلاثة مواضع :
أحدها: إذا ارتفع حيض المرأة لا تدري ما رفعه فإنها تتربص تسعة أشهر ثم تعتد عدة الآيسات وإن عرفت ما رفع
ـــــــ
معنى يستبرئ به الرحم فكان بالحيض كاستبراء الأمة, والثانية: القروء للأطهار لقوله سبحانه: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}, إلا في عدتهن وإنما تطلق في الطهر فإذا قلنا هي الحيض لم يحتسب بالحيضة التي طلقها فيها حتى تأتي بثلاث كاملة بعدها لقوله سبحانه: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}, فتتناول الكاملة فإذا انقطع دمها من الثالثة حلت في إحدى الروايتين لأن ذلك أخر القروء وفي الأخرى لا تحل حتى تغتسل من الحيضة الثالثة؛ لأنه يروى عن الأكابر من الصحابة رضي الله عنهم: أبي بكر وعثمان وعبادة وأبي موسى وأبي الدرداء رضي الله عنهم, وإن قلنا الإقراء الأطهار أحتسبت بالطهر الذي طلقها فيه قرءا ولو بقي منه لحظة لقوله سبحانه: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}, أي في عدتهن, وإنما يكون في عدتهن إذا احتسبن بت؛ ولأن الطلاق إنما جعل في الطهر دون الحيض كي لا يضر بها فتطول عدتها ولو لم تحتسب ببقية الطهر قرءا لم تقض عدتها بالطلاق فيه, وآخر العدة آخر الطهر. الثالث: إذا رأت الدم بعده انقضت عدتها. "الرابع: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} "؛ لقوله سبحانه: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} 1, هذا إذا كانت حرة, "و" إن كانت "أمة" فعدتها "شهران"؛ لأن كل شهر مكان قرء وعدتها بالإقراء قرآن, وعنه عدتها ثلاثة أشهر لعموم الآية ولأن اعتبار الشهور لمعرفة براءة الرحم ولا تحصل بأقل من ثلاثة, وعنه عدتها شهر ونصف لأن عدتها نصف عدة الحرة, وإنما كملنا الأقراء لتعذر تنصيفها وتنصيف الأشهر ممكن.
مسألة: "ويشرع التربص مع العدة في ثلاثة مواضيع: أحدها إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه فإنها تتربص تسعة أشهر ثم تعتد عدة الآيسات" تسعة أشهر للحمل؛ لأنها غالب مدته ثم تعتد بعد ذلك ثلاثة أشهر عدة الآيسات. قال الشافعي رحمه الله: هذه فتيا عمر رضي الله عنه بين المهاجرين والأنصار ولم ينكرها منكر علمناه فصار إجماعا.
مسألة: "وإن عرفت ما رفع الحيض" من مرض أو رضاع أو نفاس "فإنها تنتظر زوال العارض وعود الدم وإن طال فإن عاد الدم اعتدت به" ,وروى الأثرم بإسناده عن محمد بن يحيى بن حبان أنه كان عند جده امرأتان هاشمية وأنصارية فطلق الأنصارية وهي ترضع
ـــــــ
1 - سورة الطلاق: الآية 4.

الحيض لم تزل في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به. الثاني: المفقود الذي فقد في مهلكة أو من بين أهله فلم يعلم خبره تتربص أربع سنين ثم تعتد للوفاة, وإن فقد في غير هذا كالمسافر للتجارة ونحوها لم تنكح حتى تتيقن موته. الثالث: إذا ارتابت
ـــــــ
فمرت بها سنة ثم هلك ولم تحض, فقالت الأنصارية: لم أحض فاختصموا إلى عثمان فقضى لها بالميراث فلامت الهاشمية عثمان, فقال: هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بهذا يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه. "الثاني: امرأة المفقود الذي", انقطع خبره وهو قسمان: أحدهما أن تكون غيبة ظاهرها الهلاك كالذي يفقد من بين أهله ليلا أو نهارا أو في مفازة مهلكة أو بين الصفين, فإن زوجته "تتربص أربع سنين" أكثر مدة الحمل "ثم تعتد للوفاة" أربعة أشهر وعشرا وتحل للأزواج, وهو قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير. قال الإمام أحمد: من ترك هذا القول أي شيء يقول؟ هو عن خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. القسم الثاني: "من انقطع خبره لغيبة ظاهرها السلامة" كالتاجر والسائح, فإن امرأته تبقى أبدا إلى أن "تتيقن موته"؛ لأنها زوجته بيقين فلا تزول بالشك, روي ذلك عن علي رضي الله عنه, وعنه إذا مضى له تسعون سنة قسم ماله وهذا يقتضي أن زوجته تعتد عدة الوفاة ثم تتزوج. قال أصحابنا: إنما اعتبروا التسعين سنة من يوم ولادته لأن الظاهر أنه لا يعيش أكثر من هذا العمر, فإذا اقترن به انقطاع خبره وجب الحكم بموته كما لو كان فقده لغيبة ظاهرها الهلاك, والمذهب الأول؛ لأن هذه غيبة ظاهرها السلامة فلم يحكم بموته كما قبل الأربع سنين أوكما قبل التسعين. "الثالث: إذا ارتابت المرأة قبل قضاء عدتها لظهور أمارات الحمل" من الحركة وانتفاخ البطن وانقطاع الحيض "لم تنكح حتى تزول الريبة" , وذلك أن المرتابة لا تخلو من ثلاثة أحوال: أحدها أن تحدث لها الريبة قبل انقضاء عدتها فإنها تبقى في حكم الإعتداد حتى تزول الريبة فإن بان حمل انقضت عدتها بوضعه, وإن زال وبان أنه ليس بحمل تبينا أن عدتها انقضت بمضي الأقراء والشهور, فإن تزوجت قبل زوال الريبة لم يصح النكاح لأنها تزوجت وهي في حكم المعتدة في الظاهر. الثاني: أن تظهر الريبة بعد قضاء العدة والتزويج فالنكات صحيح لأنه وجد بعد انقضاء العدة والحمل مع الريبة مشكوك فيه فلا يزول به ما حكم بصحته لكن لا يحل لزوجها وطئها لأنا شككنا في صحة النكاح, ثم ننظر فإن وضعت الولد لأقل من ستة أشهر منذ تزويجها الثاني ووطئها فنكاحه باطل؛ لأنه نكحها وهي حامل, وإن أتت به لأكثر من ذلك فالولد لاحق به والنكاح صحيح. الحال الثالث: ظهرت الريبة بعد قضاء العدة وقبل النكاح ففيه وجهان: أحدهما لا يحل لها أن تتزوج فالنكاح باطل؛ لأنها تزوجت مع الشك في انقضاء العدة فلم يصح كما لو وجدت الريبة في العدة. والثاني: يحل لها النكاح ويصح لأننا حكمنا بانقضاء العدة وحل النكاح وسقوط النفقة.

المرأة بعد انقضاء عدتها لظهور أمارات الحمل لم تنكح حتى تزول الريبة فإن نكحت لم يصح النكاح وإن ارتابت بعد نكاحها لم يبطل نكاحها إلا إن علمت أنها نكحت وهي حامل, ومتى نكحت المعتدة فنكاحها باطل ويفرق بينهما وإن فرق
ـــــــ
والسكنى فلا يجوز زوال ما حكم به في الشك الطارىء ولهذا لا ينقض الحاكم ما حكم به بتغير اجتهاده ورجوع الشهود.
مسألة: "ومتى نكحت المعدة فنكاحها باطل ويفرق بينهما" لا يجوز نكاح معتدة إجماعا إلى عدة كانت لقوله سبحانه: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} 1, وإن تزوجت فالنكاح باطل لأنها ممنوعة من النكاح لحق الزوج الأول فكان نكاحها باطلا كما لو تزوجت وهي في نكاحه ويجب أن يفرق بينهما لذلك.
مسألة: "وإن فرق بينهما قبل الدخول أتمت عدة الأول" ولا تنقطع بالعقد الثاني لأنه باطل لا تصير به المرأة فراشا ولا تستحق بالعقد شيئا, وإن فرق بينهما "بعد الدخول بنت على عدة الأول" وتستأنف "العدة للثاني" وتقدم عدة الأول؛ لأن حقه أسبق ولأن عدته وجبت عن وطء صحيح ولا تتداخل العدتان لأنهما من رجلين. قال أبو حنيفة: تتداخل لأن القصد معرفة براءة الرحم وهذا يحصل به براءة الرحم منهما جميعا, ولنا ما روى الشافعي في مسنده: حدثنا مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن طلحة كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها ونكحت في عدتها فضربها عمر وضرب زوجها وفرق بينهما, ثم قال: أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما, ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول وكان خاطبا من الخطاب, وإن كان قد دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر ولا ينكحها أبدا, وروى بإسناده عن علي أنه قضى في التي تزوج في عدتها أنه يفرق بينهما ولها الصداق بما استحل من فرجها وتكمل ما أفسدت من عدة الأول وتعتد من الآخر وهذان قولان سديدان من الخلفاء ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة؛ ولأنهما حقان مقصودان لآدميين فلم يتداخلا كالدينين.
مسألة: "وله نكاحها" يعني الثاني "بعد قضاء العدتين" وعنه أنها تحرم عليه على التأبيد لقول عمر: لا ينكحها أبدا ولأنه استعجل الحق قبل وقته فحرمه في وقته كالوارث إذا قتل موروثه؛ ولأنه يفسد النسب فوقع التحريم المؤبد كاللعان ولنا على إباحتها له أنه لا يخلو إما أن يكون تحريمها بالعقد أو بالوطء في النكاح الفاسد أو بهما, وجميع ذلك لا يقتضي التحريم بدليل ما لو زنى بها, وما روي عن عمر في تحريمها فقد خالفه علي, وروي عن عمر أنه رجع عن قوله في التحريم إلى قول علي فإن عليا قال: فإذا انقضت
ـــــــ
1 - سورة القرة: الآية 235.

بينهما قبل الدخول أتمت عدة الأول وإن كان بعد الدخول بنت على عدة الأول من حين دخل بها الثاني واستأنفت العدة للثاني وله نكاحها بعد انقضاء العدتين, وإن أتت بولد من أحدهما انقضت به عدته واعتدت للآخر وإن أمكن أن يكون منهما أري القافة فألحق بمن ألحقوه منهما وانقضت به عدتها منه واعتدت للآخر.
ـــــــ
عدتها فهو خاطب من الخطاب, فقال عمر: ردوا الجهالات إلى السنة ورجع إلى قول علي وقياسه يبطل بما لو زنى بها فإنه استحل وطئها ولا تحرم عليه على التأبيد.
مسألة: "وإن أتت بولد من أحدهما انقضت عدتها به" منه "واعتدت للآخر" فإن كان يمكن أن يكون من الأول دون الثاني -وهو أن تأتي به لدون ستة أشهر من وطء الثاني وأربع سنين فما دونها من فراق الأول -فإنه يلحق الأول وتنقضي به عدتها منه, ثم تعتد بثلاثة أقراء عن الثاني وإن أتت به لستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من وطء الثاني ولأكثر من أربع سنين منذ بانت من الأول فهو يلحق الثاني دون الأول فتنقضي به عدتها عن الثاني ثم تتم عدة الأول, وتقدم ها هنا عدة الثاني على عدة الأول لأنه لا يجوز أن يكون الحمل من إنسان وتعتد به من غيره.
مسألة: "وإن أمكن أن يكون منهما" وهو أن تأتي لستة أشهر فصاعدا من وطء الثاني ولأربع سنين فما دونها من بينونتها من الأول, "أرى القافة" فإن ألحقته بالأول لحق به كما لو أمكن أن يكون منه دون الثاني "وانقضت به عدتها منه واعتدت للآخر" وإن ألحقته بالثاني لحق به وانقضت به عدتها منه وأعتدت للآخر.
فصل: وإن أشكل أمره على القافة أو لم يكن قافة لزمها أن تعتد بعد وضعه بثلاثة أقراء لأنه إن كان من الأول فقد أتت بما عليها من عدة الثاني وإن كان من الثاني فعليها أن تكمل عدة الأول ليسقط الفرض بيقين.

باب الإحداد
وهو واجب على من توفي عنها زوجها وهو اجتناب الزينة والطيب والكحل بالإثمد ولبس الثياب المصبوغة للتحسين؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحد
ـــــــ
باب الإحداد"وهو واجب على المتوفى عنها زوجها" لما روت أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحد المرأة فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا" 1.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.

امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا اغتسلت نبذة من قسط أو أظفار وعليها المبيت في منزلها الذي وجبت عليها العدة وهي ساكنة فيه إذا أمكنها ذلك فإن خرجت لسفر أو حج فتوفي زوجها وهي قريبة رجعت لتعتد في بيتها وإن
ـــــــ
"ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا". الاعتداد في طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو أظفار, متفق عليه. وفي حديث أم سلمة: "لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق1 ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل". رواه النسائي2 وهو اجتناب الطيب والكحل بالإثمد ولبس الثياب المصبوغة لحديث أم عطية وأم سلمة.
مسألة: "وعليها المبيت في منزلها الذي وجبت عليها العدة وهي ساكنة فيه" روي ذلك عن عمر وابنه وأم سلمة لما روت فريعة بنت مالك بن سنان أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم". قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة -أو في المسجد- دعانى فقال: "كيف قلت؟", فرددت عليه القصة فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى بت, رواه مالك في موطئه وأبو داود والأثرم وهو حديث صحيح3, فعلى هذا يجب عليها أن تعتد فيه سواء كان ملكا لزوجها أو معه بأجرة أو عارية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفريعة: "أمكثي في بيتك", ولم تكن في بيت يملكه زوجها وفي بعض الألفاظ: "اعتدي في البيت الذي أتاك فيه" يعني زوجك فإن أتاها الخبر في غير مسكنها رجعت إلى مسكنها للخبر وهذا "إذا أمكنها ذلك فإن" لم يمكنها بأن يحولها مالكه أو تخشى من هدم أو غرق أو عدو فإنها تنتقل لأنه عذر ولأن القعود للعدة لدفع الضرر عن الزوج في حفظ نسب ولده والضرر لا يزال بالضرر.
مسألة: "فإن خرجت لسفر أو حج فتوفي زوجها وهي قريبة رجعت لتعتد في بيتها" لأنها في حكم الإقامة "وإن تباعدت" خيرت بين البلدين لأن البلدين تساويا فكانت الخيرة إليها فيما المصلحة لها فيه لأنها أخبر بمصلحتها وإن خشيت فوات الحج مضت في
ـــــــ
1 - قوله: الممشف: المصبوغ بطين أحمر.
2 - رواه المسائي في الطلاق: 64- باب ما يجتنب الحادة من الثياب المصبغة: حديث رقم 2.
3 - سبق تخريجه.

تباعدت مضت في سفرها والمطلقة ثلاثا مثلها إلا في الاعتداد في بيتها
ـــــــ
سفرها لأنهما عبادتان استويا في الوجوب وضيق الوقت فوجب أن يقدم الأسبق منهما كما لو كانت العدة أسبق.
مسألة: "والمطلقة ثلاثا مثلها إلا في الاعتداد في بيتها" فلا يجب عليها العدة في منزله وتعتد حيث شاءت نص عليه لما روت فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته, فقال: والله مالك علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: "ليس لك عليه نفقة ولا سكنى" وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك. ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي في بيت ابن أم مكتوم". متفق عليه1.
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الطلاق: حديث رقم 5325, 5326. ومسلم في الطلاق: حديث رقم 53.

باب نفقة المعتدات
وهن ثلاثة أقسام :
أحدها: الرجعية وهي من يمكن زوجها إمساكها فلها النفقة والسكنى ولو أسلم زوج الكافرة أو ارتدت امرأة المسلم فلا نفقة لهما, وإن أسلمت امرأة الكافر أو ارتد زوج المسلمة بعد الدخول فلهما نفقة العدة. الثاني: البائن في الحياة بطلاق أو فسخ فلا سكنى لها بحال ولها النفقة إن كانت حاملا وإلا
ـــــــ
باب نفقة المعتدات"وهي ثلاثة أقسام: أحدها الرجعية" وهي "من يمكن زوجها إمساكها فلها النفقة والسكنى" والكسوة كالزوجة سواء لأنها زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه فكانت لها النفقة كغير المطلقة. "الثاني: البائن في الحياة بطلاق أو فسخ" [فإن لم تكن حاملا] "فلا سكنى لها بحال ولا نفقة" وهو قول علي وابن عباس وجابر ودليله حديث فاطمة بنت قيس ولأنها محرمة عليه أشبهت الأجنبية.
مسألة: "ولها النفقة" والسكنى "إن كانت حاملا" بإجماع أهل العلم لقوله سبحانه: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} 1, إلى قوله: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}, وفي بعض ألفاظ حديث فاطمة: "لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا" ولأن الحمل ولده فيلزمه الإنفاق عليه ولا يمكنه الإنفاق عليه إلا بالإنفاق عليها فوجبت كما وجبت أجرة الرضاع, "الثالث: المتوفى عنها زوجها فلا نفقة لها ولا سكنى" إن كانت حائلا وإن كانت حاملا ففيه روايتان: إحداهما لها النفقة والسكنى لأنها حامل.
ـــــــ
1 - سورة الطلاق: الآية6.

فلا. الثالث: التي توفي عنها زوجها فلا نفقة لها ولا سكنى
ـــــــ
أشبهت المفارقة في الحياة والثانية لا نفقة لها ولا سكنى, قال القاضي: وهي أصح لأن المال قد صار للورثة ونفقة الحامل إنما هي للحمل أو من أجله ونفقة الحمل من نصيبه من الميراث كما بعد الولادة.

باب استبراء الإماء
وهو واجب في ثلاثة مواضع: أحدها: من ملك أمة لم يصبها حتى يستبرئها.
الثاني: أم الولد والأمة التي يطؤها سيدها لا يجوز له تزويجها حتى يستبرئها. الثالث: إذا أعتقهما سيدهما أو عتقا بموته لم ينكحا حتى يستبرئا أنفسهما والاستبراء في جميع ذلك بوضع الحمل إن كانت حاملا أو حيضة إن كانت تحيض
ـــــــ
باب استبراء الإماء"وهو واجب في ثلاثة مواضع: أحدها: من ملك أمة لم يصبها حتى يستبرئها" وكذا لا يحل له الاستمتاع بها بمباشرة وقبلة حتى يستبرئها؛ لما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سبايا أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض حيضة. رواه الإمام أحمد في المسند1. وروى الأثرم عن رويفع ابن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم حنين: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره, ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبي حتى يستبرئها بحيضة". ولأنه إذا وطئها قبل استبرائها أدى إلى اختلاط المياه وفساد الأنساب.
"الثاني: أم الولد والأمة التي يطأها سيدها لا يجوز له تزويجها حتى يستبرئها" لأن الزوج لا يلزمه استبراؤها فإذا لم يستبرئها السيد أفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب. "الثالث: إذا أعتقهما سيدهما أو عتقا بموته" يعني أم الولد والأمة كأن يصيبهما "لم ينكحا حتى يستبرئا أنفسهما" لأنهما صارتا فراشا له.
مسألة: "والاستبراء" يحصل "في جميع ذلك بوضع الحمل إن كانت حاملا أو بحيضة إن كانت" ممن "تحيض" لما روى أبو سعيد.
مسألة: "وإن كانت" من الآيسات "أو ممن لم يحضن" كالصغيرة ففيها ثلاث روايات: إحداهن تستبرأ بشهرين كعدة الأمة الثانية: "تستبرأ بشهر" لأن الشهر أقيم مقام الحيضة في عدة الحرة والأمة. والثالثة: بثلاثة أشهر. قال أحمد بن القاسم: قلت لأبي
ـــــــ
1 رواه أحمد في المسند 4/127.

أو شهر إن كانت آيسة أو من اللائي لم يحضن أو عشرة أشهر إن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه
ـــــــ
عبد الله: كيف جعلت ثلاثة أشهر مكان الحيضة وإنما جعل الله في القرآن الكريم مكان كل حيضة شهرا؟ فقال: من أجل الحمل فإنه لا يتبين في أقل من ذلك فإن عمر بن عبد العزيز سأل عن ذلك وجمع أهل العلم والقوابل فأخبروا أن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر فأعجبه ذلك, ثم قال: ألا تسمع قول ابن مسعود: إن النطفة أربعين يوما ثم علقة أربعين يوما ثم مضغة بعد ذلك فإذا خرجت الثمانون صار بعدها مضغة وهي لحم فيتبين حينئذ وهذا معروف عند النساء.
مسألة: "وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه" استبرأت بعشرة أشهر تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة, وعنه سنة تسعة أشهر للحمل لأنها غالب مدته في حق الحرائر والإماء وثلاثة أشهر مكان الثلاثة التي تستبرأ بها الآيسات, وعنه في أم الولد إذا مات سيدها اعتدت أربعة أشهر وعشرا لما روي عن عمرو بن العاص أنه قال: لا تفسدوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر؛ ولأنه استبراء الحرة من الوفاة أشبهت الحرة والأول أصح وخبر عمرو لا يصح قاله أحمد رحمه الله.

كتاب الظهار
وهو أن يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي أو من تحرم عليه على التأبيد أو يقول أنت علي كأبي يريد تحريمها به فلا تحل له حتى يكفر بتحرير رقبة {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}, {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ
ـــــــ
كتاب الظهار"وهو أن يقول لامرأته أنت علي كظهر أمي" فهذا ظهار إجماعا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن تصريح الظهار أن يقول: أنت علي كظهر أمي و في حديث خويلة أنه قال لها: أنت علي كظهر أمي فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالكفارة.
مسألة: وإن قال أنت علي كظهر "من تحرم عليه على التأبيد" كجدته وعمته وخالته فهذا أيضا ظهار في قول أكثرهم لأنهن محرمات بالقرابة فأشبهن الأم, وإن قال "أنت علي كأبي يريد تحريمها" كان مظاهرا؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله فأما إن قال: أنت علي كأمي وقال: أردت في الكرامة دين لأن لفظه يحتمل وهل يقبل في الحكم؟ على روايتين: إحداهما يقبل لذلك, والثانية: لا يقبل؛ لأنه لما قال أنت علي كأمي اقتضى أن يكون عليه فيها تحريم فأشبه ما لو قال أنت علي كظهر أمي فأما إن قال أنت علي كأمي وأطلق ذلك فقال أبو بكر: هو ظهار قال: ونص عليه الإمام أحمد وحكى ابن أبي موسى: فيه روايتان أظهرهما لا يكون ظهارا حتى ينويه؛ لأن هذا اللفظ يستعمل في الكراهة أكثر مما يستعمل في التحريم فلم ينصرف إليه إلا بالنية ككنايات الطلاق بخلاف التشبيه بالعضو فإنه لا يستعمل في الكراهة ووجهه قول أبي بكر وهي الرواية الأخرى أنه شبه امرأته بأمه فأشبه إذا شبهها بعضو من أعضائها. قال شيخنا: والذي يصح عندي أنه إن وجدت قرينة تدل على قصد التحريم مثل أن يكون في حال الغصب أو نحو ذلك فهو ظهار وإلا فليس بظهار لأنه يحتمل غير الظهار احتمالا كثيرا فلم يكن ظهارا بإطلاقه كما لو وقال أنت كحفصة إذا ثبت هذا فإن المظاهر لا تحل له زوجته التي ظاهر منها حتى يكفر [إجماعا إذا كان التكفير بالعتق أو بالصيام] لأن الله سبحانه قال: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}, وقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}, وأكثرهم على أن التكفير

مِسْكِيناً}, وحكمها وصفتها ككفارة الجماع في شهر رمضان فإن وطء قبل التكفير عصى ولزمته الكفارة المذكورة ومن ظاهر من امرأته مرارا ولم يكفر فكفارة واحدة
ـــــــ
بالإطعام مثل ذلك لما روى عكرمة عن ابن عباس: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر فقال: "ما حملك على ذلك رحمك الله"؟, قال: "رأيت خلخالها في ضوء القمر". قال: "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله". رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن1؛ ولأنها إحدى كفارات الظهار فيحرم الوطء قبلها كالعتق والصيام وترك النص عليها لا يمنع قياسها على المنصوص الذي هي في معناه. والكفارة عتق "رقبه" مؤمنة {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}, {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} من قبل أن يتماسا {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}, بدليل قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} 2.
مسألة: "وحكمهما وصفتها ككفارة الجماع في شهر رمضان" وقد مضى ذكرها في باب الصيام.
مسألة: "فإن وطئ قبل التكفير عصى ولزمته الكفارة المذكورة" بدليل حديث ابن عباس قبلها ولأنه خالف أمر الله سبحانه وتجزيه كفارة واحدة لذلك.
مسألة: "ومن ظاهر من امرأته مرارا ولم يكفر فكفارة واحدة" لأنه قول لم يؤثر في تحريم المرأة فلم تجب به كفارة كاليمين بالله سبحانه, ولا يخفى أنه لم يؤثر تحريما لأنها حرمت بالقول الأول ولم يزد تحريمها ولأنه لفظ يتعلق به كفارة فإذا كرره كفاه كفارة واحدة كاليمين بالله عز وجل, وعنه إن كرره في مجالس فكفارات روي ذلك عن علي ولأنه قول يوجب تحريم الزوجة فإذا نوى به الاستئناف تعلق به لكل مرة حكم كالطلاق والأول أصح, وأما الطلاق فإنه ما زاد منه على الطلاق الثلاث لا يثبت له حكم بالإجماع وبهذا ينتقض ما ذكروه. وأما الثالثة فإنها تثبت تحريما زائدا وهو التحريم قبل زوج وإصابة ولا يثبت لها حكم كذلك الظهار.
مسألة: "و" لو "ظاهر من نسائه بكلمة واحدة فكفارة واحدة" وهو قول عمر وعلي رضي الله عنهما ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة فكان إجماعا؛ ولأن إظهار كلمة تجب بمخالفتها الكفارة فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة كاليمين بالله سبحانه.
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الطلاق: حديث رقم 2221. والترمذي في الطلاق: رقم 1199.
2 - سورة المجادلة: الآية 3.

وإن ظاهر منهن بكلمات فعليه كفارة لكل واحدة وإن ظاهر من أمته أو حرمها أو حرم شيئا مباحا, أو ظاهرت المرأة من زوجها أو حرمته لم يحرم وكفارته كفارة يمين والعبد كالحر في الكفارة سواء إلا أنه لا يكفر إلا بالصيام
ـــــــ
مسألة: "وإن ظاهر منهن بكلمات" فقال لكل واحدة منهن أنت علي كظهر أمي فإن "لكل" يمين "كفارة", وقال أبو بكر: فيه رواية أخرى أنه يجزيه كفارة واحدة واختار ذلك وقال: هو اتباع لعمر رضي الله عنه لأن كفارة الظهار حق الله تعالى فلم تتكرر بتكرر سببها كالحد, ولنا أنها أيمان متفرقة فكان لكل واحد كفارة كما لو كفر ثم ظاهر؛ ولأن الظهار معنى يوجب الكفارة فتتعد الكفارة بتعدده في المحال المختلفة كالقتل ويفارق الحد فإنه عقوبة تدرأ بالشبهات.
مسألة: "وإن ظاهر من أمته أو حرمها أو حرم شيئا" منها "مباحا" لم تحرم وعليه "كفارة يمين" لقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} 1, حين حرم مارية ثم أنزل الله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} 2, أي قد بين لكم تحلة أيمانكم أي كفارة أيمانكم وذلك البيان في المائدة وهو كفارة اليمين وهو قوله سبحانه: {لََا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} 3. الآية.
مسألة: "وإن قالت المرأة لزوجها أنت علي كظهر أمي لم تكن مظاهرة". قال القاضي: لا تكون مظاهرة رواية واحدة وعليها التمكين لذلك, واختلف عنه هل عليها كفارة ظهار؟ فنقل جماعة عليها كفارة الظهار لما روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم أن عائشة بنت طلحة قالت: إن تزوجت بمصعب بن الزبير فهو علي كظهر أمي فسألت أهل المدينة فرأوا أن عليها الكفارة, وروي أنها استفتت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهم يومئذ كثير- فأفتوها أن تعتق رقبة وتتزوجه رواه سعيد؛ ولأنها زوج أشبهت الرجل ولأنها يمين مكفرة أشبهت اليمين بالله تعالى, وعنه الميل إلى أنها كفارة يمين بمنزلة من حرم على نفسه شيئا؛ لأنه تحريم الحلال أشبه تحريم المال, وعنه لا شيء عليها؛ لأن الله سبحانه قال: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}, فعلقه على الزوج فيختص بت.
مسألة: "والحر والعبد في الكفارة سواء" لأن العبد مكلف أشبه الحر, "إلا أنه لا يكفر إلا بالصيام" لأنه لا يملك شيئا يكفر به.
ـــــــ
1- سورة التحريم: الآية 1.
2 - سورة التحريم: الآية 2.
3 - سورة البقرة: الآية 225.

كتاب اللعان
مدخل...
كتاب اللعانإذا قذف الرجل امرأته البالغة العاقلة الحرة العفيفة المسلمة بالزنى لزمه الحد إن
ـــــــ
كتاب اللعان
وهو مشتق من اللعن لأن كل واحد منهما يلعن نفسه في الخامسة, واللعنة: الطرد والإبعاد, والأصل فيه قول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} 1, وروى سهل بن سعد أن عويمر العجلاني أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها". قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم, متفق عليه2. وحديث ابن عباس في لعان هلال بن أمية, رواه أبو داود3.
مسألة: "إذا قذف الرجل امرأته البالغة العاقلة الحرة المسلمة العفيفة بالزنا لزمه الحد إن لم يلاعن" هذه الشروط هي شروط لوجوب الحد بالقذف فإنه لا يجب إلا باجتماعها فلو قذفها وهي صغيرة أو مجنونة أو كافرة أو فاسقة لم يجب عليه الحد؛ لأن الحد لا يجب إلا بقذف المحصن وشروط الإحصان خمسة: العقل, والحرية, والإسلام, والعفة, وأن يكون كبيرا يجامع مثله, وهذا إجماع وبه يقول جملة العلماء قديما وحديثا إلا داود فإنه أوجب الحد على قاذف العبد, وابن المسيب وابن أبي ليلى قالا: إذا قذف ذمية لها ولد مسلم يحد, والأول أصح لأن من لا يحد قاذفه إذا لم يكن له ولد لا يحد وله ولد كالمجنونة, وفي اشتراط البلوغ عن الإمام أحمد روايتان: إحداهما يشترط لأنه أحد شرطي التكليف فأشبه العقل؛ ولأن زنا الصبي لا يوجب حدا فلا يجب لا الحد بالقذف
ـــــــ
1 - سورة النور: الآية 6.
2 - سبق تخريجه.
3 - رواه أبو داود في الطلاق: حديث رقم 2254.

لم يلاعن, وإن كانت ذمية أو أمة فعليه التعزير إن لم يلاعن ولا يعرض له حتى تطالبه, واللعان أن يقول بحضرة الحاكم أو نائبه: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما
ـــــــ
به كزنا المجنون والأخرى لا يشترط لأنه حر عاقل عفيف يتغير بهذا القول الممكن صدقه أشبه الكبير فعلى هذه الرواية لا بد أن يكون الكبير يجامع مثله وأدناه عشر سنين للغلام وللجارية تسع.
وللعان شروط لا يصح إلا بها: الأول: أن يكون كل من زوجين عاقلين بالغين سواء كانا مسلمين أو كتابيبن أو رقيقين أو فاسقين, أو كان أحدهما كذلك في إحدى الروايتين, وفي الأخرى لا يصح إلا من زوجين مسلمين حرين عدلين؛ لأن اللعان شهادة بقوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} وقال: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ}, وإن كانت المرأة ممن لا يحد بقذفها لم يجب اللعان لأنه يراد لإسقاط الحد ولا حد ها هنا فينتفي اللعان, ودليل الأولى عموم قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} الآية؛ ولأن اللعان يمين فلا يفتقر إلى ما شرطوه كسائر الأيمان, ودليل أنه يمين قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" 1. وأنه يفتقر إلى اسم الله تعالى ويستوي فيه الذكر والأنثى وأما تسميته شهادة فلقوله في يمينه أشهد بالله فسمي شهادة وإن كان يمينا كما قال الله سبحانه: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ والله يعلم إنك لرسوله} 2, ولأن الزوج يحتاج إلى نفي الولد فشرع له طريقا إلى نفيه كما لو كانت زوجته ممن لا يحد بقذفها. الشرط الثاني: أن يقذفهما بالزنا لقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } الآية, يعني: بالزنا وهذا رام لزوجته.
مسألة: "وإن كانت" زوجته "ذمية أو أمة فعليه التعزيز إن لم يلاعن" لأن الإسلام والحرية من شرائط القذف الموجب للحد ولم يوجدا, وإنما يجب عليه التعزيز وله إسقاطه باللعان كما له إسقاط الحد باللعان, وشرع اللعان ها هنا لإسقاط التعزيز ولنفي الولد إن كان ثم ولد.
مسألة: "ولا يعرض له حتى تطالبه" زوجته يعني: لا يعرض للزوج بإقامة الحد عليه ولا طلب اللعان منه حتى تطالبه زوجته بذلك؛ لأن ذلك حق لها فلا يقام من غير طلبها كسائر حقوقها.
مسألة: وصفة "اللعان أن" يبدأ الزوج فـ "يقول: أشهد بالله إني لمن فيما
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الطلاق: حديث رقم 2256.
2 - سورة المنافقون: الآية 1.

رميت به امرأتي هذه من الزنى ويشير إليها فإن لم تكن حاضرة سماها ونسبها, ثم يوقف عند الخامسة فيقال له: اتق الله فإنها الموجبة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة, فإن أبى إلا أن يتم فليقل: وإن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنى, ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى, ثم توقف عند الخامسة تخوف كما يخوف الرجل فإن أبت إلا أن تتم فلتقل: وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به زوجي هذا من الزنى, ثم يقول الحاكم: قد فرقت بينكما فتحرم عليه تحريما مؤبدا, وإن كان بينهما ولد فنفاه انتفى عنه -سواء كان حملا أو مولودا.
ـــــــ
رميت به امرأتي هذه من الزنا ويشير إليها وإن لم تكن حاضرة سماها ونسبها" حتى يكمل ذلك أربع مرات, "ثم يوقف عند الخامسة فيقال له: اتق الله فإنها الموجبة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فإن أبى إلا أن يتم فليقل: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنا, ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا, ثم توقف عند الخامسة وتخوف كما خوف الرجل فإن أبت إلا أن تتم فلتقل: وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به زوجي هذا من الزنا, ثم يقول الحاكم: قد فرقت بينكما فتحرم عليه تحريما مؤبدا" ودليل هذا قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ}, الآيات؛ ولما روى ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرسلوا إليها" فجاءت, فقال لهلال: "اشهد" فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين, فلما كانت الخامسة قال له: "اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب". فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها, فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين, ثم شهدت مثله وقيل لها مثله ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما1.
مسألة: "وإن كان بينهما ولد فنفاه انتفى عنه" لما روى ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته فانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالأم. "وسواء كان حملا أو مولودا" وقال أبو بكر: ينتفي عنه الولد بزوال الفراش وإن لم يذكره في لعانه, وكذلك حملها ينتفي وإن لم يذكره, واشترط الخرقي في نفي الولد أن ينفيه في اللعان فإن لم يذكره أفاد اللعان لأنه لم ينتف باللعان الأول وهو اختيار القاضي؛ لأن من سقط حقه باللعان كان ذكره فيه شرطا كالزوجة, واشترط الخرقي أيضا في الحمل أن لا ينتفي حتى ينفيه بعد وضعها له ويلاعن.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.

ما لم يكن أقر به أو وجد منه ما يدل على الإقرار لما روى ابن عمر: أن رجلا لاعن امرأته وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالأم.
فصل
ومن ولدت امرأته أو أمته التي أقر بوطئها ولدا يمكن كونه منه لحقه نسبه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر", ولا ينتفي ولد المرأة إلا باللعان ولا ولد الأمة إلا بدعوى عدم استبرائها وإن لم يمكن كونه منه مثل أن تلد
ـــــــ
وينفي الولد في اللعان لأن الحمل غير مستيقن لجواز أن يكون ريحا فيصير نفيه مشروطا بوجوده, ولا يصح تعليق اللعان بشرط ودليل الأول أن هلال بن أمية لاعن زوجته وهي حامل فلم ينقل عنه تعرض للحمل بنفي ولا غيره فنفاه عنه النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبد البر: الآثار الدالة على هذا كثيرة ولأن الحمل مظنون بأمارات ظاهرة تدل عليه ولهذا ثبت للحامل أحكام تخالف فيما للحامل من النفقة والفطر في الصيام وغير ذلك, ويصح استلحاق الحمل فكان كالولد بعد وضعه وهذا أقرب إلى الصواب لموافقته الأحاديث, فإن هلالا لاعن امرأته وهي حامل ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "انظروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال وإن جاءت به كذا وكذا فهو الذي رميت به". ولم يعد لعانها عند وضعه إذ يبعد أن يكون أعاد لعانها فلم ينقل.
مسألة: فإن "أقر" بالولد "أو وجد منه ما يدل على الإقرار" به لم يكن له نفيه بعد ذلك"؛ لأنه أقر لولده بحق فلم يكن له جحده كما لو بانت منه, وإن أقر بتوأمه كان إقرارا بالآخر إذ لا يمكن أن يعلم الذي له منها فإذا نفى الآخر كان رجوعا عن إقراره فلا يقبل, وإن هنئ به فسكت كان إقرارا بت, وكذا إن هنئ به فأمن على الدعاء أو قال رزقك الله مثله لزمه الولد؛ لأن ذلك جواب الراضي في العادة.
"فصل: ومن ولدت امرأته أو أمته التي أقر بوطئها ولدا يمكن كونه منه" بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر من حين وطئها, "لحقه نسبه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". متفق عليه1.
مسألة: "ولا ينتفي ولد المرأة إلا باللعان" لما سبق "ولا ولد الأمة إلا بدعوى عدم استبرائها" فلو أراد نفيه باللعان لم يجز لأن اللعان لا يكون إلا بين زوجين, ولا ينتفي عنه ولدها إلا أن يدعي استبراءها بعد وطئه, فإن ادعى ذلك فالقول قوله وينتفي ولدها عنه لأن الولد لا يلحق إلا بعد الاستبراء كما لا يلحق ولد الزوجة بالزوج بعد قضاء عدتها ويقوم.
ـــــــ
1 - رواه البخاري في البيوع: حديث رقم 2218. ومسلم في الرضاع: حديث رقم 36, 37.

أمته لأقل من ستة أشهر منذ وطئها أو امرأته لأقل من ذلك منذ أمكن اجتماعهما ولو كان الزوج ممن لا يولد لمثله -كمن له دون عشر سنين أو الخصي المجبوب- لم يلحقه.
فصل
وإذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد بشبهة أو وطئ رجلان شريكان أمتهما في طهر واحد فأتت بولد أو ادعى نسب مجهول النسب رجلان أري القافة معهما أو مع أقاربهما فألحق بمن ألحقوه منهما وإن ألحقوه بهما لحق بهما
ـــــــ
ذلك مقام اللعان في نفي الولد وهل يحلف؟ على وجهين: أحدهما لا يحلف لأنه أمر لا يقضى فيه بالنكول. والثاني: يحلف لاحتمال أن يكون كاذبا في دعواه فيستحلف كما في غيره من الدعاوى.
مسألة: "وإن لم يمكن كونه منه مثل أن تلد أمته لأقل من ستة أشهر منذ وطئها أو امرأته لأقل من ذلك منذ أمكن اجتماعهما" أو لأكثر من أربع سنين منذ أبانها لم يلحق بالزوج؛ لأننا علمنا أنها علقت به قبل النكاح ولا يحتاج إلى نفيه باللعان؛ لأن اللعان يمين واليمين جعلت لتحقيق أحد الجائزين أو نفي أحد المحتملين وما لا يجوز لا يحتاج إلى نفيه, "و" كذلك إذا "كان الزوج ممن لا يولد لمثله كمن له دون عشر سنين" إذا أتت زوجته بولد لم يلحقه نسبه؛ لأنه لم يوجد ولد لمثله ولا يمكنه الوطء وإن ولدت زوجة المجبوب المقطوع الذكر والخصيتين "لم يلحق" به ولا يحتاج إلى نفيه باللعان لأنه يستحيل أن ينزل مع قطعهما فلا يكون الولد منه فلا يحتاج إلى نفيه لما سبق.
"فصل: وإذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد بشبهة أو وطئ" الـ "شريكان أمتهما في طهر واحد فأتت بولد أو ادعى نسب مجهول النسب رجلان أري القافة معهما أو مع أقاربهما"- بعد موتهما- "فألحق بمن ألحقوه" به "منهما فإن ألحقوه بهما لحق بهما" لأن قول القافة معتبر في نظر الشرع, بدليل ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: "ألم تري أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض". متفق عليه1, فلولا جواز الاعتماد على القافة لما سر به النبي صلى الله عليه وسلم ولا اعتمد عليه, ولأن عمر رضي الله عنه قضى به بحضرة الصحابة فلم ينكره أحد منهم فكان إجماعا؛ ولأنه حكم بظن غالب ورأي راجح ممن هو من أهل الخبرة فجاز كقول المقومين.
ـــــــ
1 - رواه البخاري في المتاقب: حديث رقم 3555. ومسلم في الرضاع: حديث رقم 38, 39, 40.

وإن أشكل أمره أو تعارض أمر القافة أو لم يوجد قافة ترك حتى يبلغ فيلحق بمن انتسب إليه منهما ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون عدلا مجربا في الإصابة.
ـــــــ
مسألة: "وإن أشكل أمره" على "القافة أو لم توجد قافة ترك حتى يبلغ فيلحق بمن انتسب إليه منهما"؛ لأن ذلك يروى عن عمر ولأن الإنسان يميل طبعه إلى قريبه دون غيره. قال القاضي: وقد أومأ أحمد إلى هذا في رجلين وقعا على امرأة في طهرها خير الابن أيهما اختار, وقال أبو بكر: يضيع نسبه ولا يقبل قوله في الانتساب لأن الطبع يميل إلى غير القرابة لإحسانه إليه وحسن أخلاقه وكثرة يساره.
مسألة: "ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون عدلا" حرا ذكرا "مجربا في الإصابة"؛ لأن قوله حكم والحكم تعتبر له هذه الشروط.

باب الحضانة
أحق الناس بالطفل أمه ثم أمهاتها وإن علون ثم الأب ثم أمهاته ثم الجد ثم أمهاته ثم الأخت من الأبوين ثم الأخت من الأب ثم الأخت من الأم ثم
ـــــــ
باب الحضانةو "أحق الناس" بحضانة "الطفل أمه" إذا افترق الزوجان وبينهما ولد فأمه أحق بحضانته إذا كملت الشرائط فيها لا نعلم فيه خلافا؛ لقوله عليه السلام: "أنت أحق به ما لم تنكحي" رواه أبو داود1؛ ولأنها أقرب إليه وأشفق عليه ولا يشاركها في ذلك إلا أبوه وليس له مثل شفقتها وإنما يتولى الحضانة النساء دون الرجال, وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حكم على عمر بن الخطاب وقضى بعاصم لأمه أم عاصم وقال: حجرها وريحها ومسها خير له منك حتى يشب فيختار, رواه سعيد وقال: ريحها وشمها ولفظها خير له منك.
مسأله: "ثم أمهاتها وإن علون" الأقرب فالأقرب لأنهن نساء ولادتهن متحققة فهن في معنى الأم, وعنه رواية أخرى أن أم الأب تقدم على أم الأم لأنها تدلي بعصبة فعلى هذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم لأنهن يدلين به فيكون الأب بعد الأم ثم أمهاته, والأولى هي المشهورة وأن المقدم الأم ثم أمهاتها وإن علون "ثم الأب ثم أمهاته ثم الجد ثم أمهاته" ثم جد الأب ثم أمهاته وإن لم يكن وارثات لأنهن يدلين بعصبة من أهل الحضانة بخلاف أم أبي الأم فإنها لا حق لها لأنها تدلي بمن ليس له حق منهما.
مسألة: "ثم الأخت من الأبوين" لأنها أقرب "ثم الأخت من الأب" لأنها تليها في
ـــــــ
1 - رواه أبوداود في الطلاق: حديث رقم 2276.

الخالة ثم العمة ثم الأقرب فالأقرب من النساء, ثم عصباته الأقرب فالأقرب, ولا حضانة لرقيق ولا فاسق ولا امرأة مزوجة لأجنبي من الطفل
ـــــــ
الميراث "ثم" التي "من الأم" فلو اجتمعت مع أخيها قدمت على الأخ في الحضانة لأنها امرأة من أهل الحضانة فقدمت على من في درجتها من الرجال كتقدم الأم على الأب لأنها تلي الحضانة بنفسها والرجل لا يليها بنفسه.
مسألة: فإذا انقرض الأخوات فبعدهن الخالات لأنهن أخوات الأم فتقدم الخالة من الأبوين ثم الخالة من الأب ثم من الأم كالأخوات ويقدمن على الأخوال؛ لأنهن نساء من أهل الحضانة كما تقدم الأخت على أخيها, "ثم" بعد الخالات "العمات" لأنهن أخوات الأب فتقدم التي من الأبوين على التي من الأب ثم التي من الأم كما قلنا في الخالات ويقدمن على الأعمام لأنهن نساء من أهل الحضانة كما قلنا في تقديم الخالات على الأخوال وعلى الرواية التي تقول بتقديم أم الأب على أم الأم ينبغي أن تقدم العمات على الخالات لأنهن يدلين بالأب وهو عصبة فهن أولى من الخالات.
مسألة: "ثم الأقرب فالأقرب من النساء", إذا انقرض العمات انتقلت الحضانة إلى خالات الأم لأنهن أخوات أمها وعلى الرواية الأخرى تنتقل إلى خالات الأب لأنهن أخوات أم الأب فيقدمن لأنهن نساء من أهل الحضانة ولأنهن يدلين بعصبة وهو الأب, فإذا انقرض النساء فالحضانة للعصبات من الرجال وأولاهم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الأخ للأبوين ثم الأخ للأب ثم بنوهم وإن سفلوا, ثم العم للأبوين ثم العم للأب على حسب تقديمهم في الميراث.
مسألة: "ولا حضانة لرقيق" لعجزه عنها بخدمة سيده "ولا" لـ "فاسق" لأنه لا يوفي الحضانة حقها ولا حظ للولد في حضانته لأنه ينشأ على طريقته.
مسألة: "ولا" حضانة "لامرأة مزوجة لأجنبي من الطفل"؛ لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أحق به ما لم تنكحي". رواه أبو داود1؛ ولأنها تشتغل بالاستمتاع عن الحضانة فإذا زوجت المرأة بمن هو من أهل الحضانة كالجدة المزوجة بالجد لم تسقط حضانتها لأن كل واحد منهما له الحضانة منفردا فمع اجتماعهما أولى ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بنت حمزة عند خالتها لما كانت مزوجة بجعفر ابن عمتها إذ كانت من أهل الحضانة لكونه عصبة.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.

فإن زالت الموانع منهم عاد حقهم من الحضانة وإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه فكان عند من اختار منهما, وإذا بلغت الجاربة سبعا فأبوها أحق بها وعلى الأب أن يسترضع لولده إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجر مثلها فتكون أحق به من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة
ـــــــ
مسألة: "فإذا زالت الموانع منهم" مثل إن طلقت المزوجة أو عتق الرقيق أو أسلم الكافر أو عدل الفاسق "عاد حقهم من الحضانة" لأنه زال المانع فثبت الحكم بالسبب الخالي من المانع.
مسألة: "وإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه فكان عند من اختار منهما"؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه, رواه سعيد, وروى أبو داود عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عتبة وقد نفعني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به" 1. ولأنه إجماع الصحابة وروي عن عمر أنه خير غلاما بين أبيه وأمه رواه سعيد, وعن عمارة الحرير قال: خيرني علي بين أمي وأبي وكنت ابن سبع سنين أو ثمان, وروي نحو ذلك عن أبي هريرة وهذه قصص في مظنة الشهرة ولم تنكر فكانت إجماعا.
مسألة: "وإذا بلغت الجارية سبعا فأبوها أحق بها" لأن الغرض بالحضانة الحظ للجارية في الكون عند أبيها لأنها تحتاج إلى الحفظ والأب أولى بذلك فإن الأم تحتاج إلى من يحفظها ويصونها؛ ولأن الجارية إذا بلغت السبع فقد قاربت الصلاح للتزويج و قد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت سبع2 وإنما تخطب الجارية من أبيها لأنه المالك لتزويجها وهو أعلم بالكفاءة وأقدر على البحث فيقدم على غيره كما يقدم في العقد.
مسألة: "وعلى الأب أن يسترضع لولده" لأن نفقته عليه واجبة فكذلك رضاعه "إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجر مثلها فتكون أحق به من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة" لأنها أقرب إليه وأشفق عليه ولا نعلم في ذلك خلافا, وقد قال سبحانه: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} 3 فقدمهن على غيرهن, وقال سبحانه: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} 4.
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الطلاق: حديث رقم 2277.
2- سبق تخريجه.
3 - سورة البقرة: الآية 233
4 - سورة الطلاق: الآية 6.

فإن لم يكن له أب ولا مال فعلى ورثته أجر رضاعه على قدر ميراثهم منه.
ـــــــ
مسألة: "فإن لم يكن" للصبي "أب ولا مال فعلى ورثته أجرة رضاعه على قدر ميراثهم" منه, لأن الله سبحانه قال: {وََعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} -إلى قوله- {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} 1, فأوجب على الوارث أجرة الرضاع وتكون واجبة عليهم على قدر ميراثهم منه لأن الله سبحانه رتب النفقة على الإرث بقوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}, فيجب أن تترتب في المقدار عليه فإذا كان للصبي أم وجد فعلى الأم الثلث والباقي على الجد وإن كان له جد وأخ فعلى الجد السدس والباقي على الأخ كالنفقه سواء ولو كان له أب كان الجميع عليه لقوله سبحانه : {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فجعل أجرة الرضاع عليه دونها وقال لهند : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" 2.
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 233.
2 - سبق تخريجه.
باب نفقة الأقارب و المماليك...
باب نفقة الأقارب والمماليك
وعلى الإنسان نفقة والديه وإن علوا وأولاده وإن سفلوا ومن يرثه بفرض أو تعصيب إذا كانوا فقراء وله مال ينفق عليهم,
ـــــــ
باب نفقة الأقارب والمماليك
"وعلى الإنسان نفقة والديه وإن علوا" لقوله سبحانه: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} 1, ومن الإحسان الإنفاق عليهما, وقال عليه السلام: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه". رواه أبو داود2.
مسألة: "و" تجب "نفقة" الأولاد بقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند: "خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف" 3. وتجب نفقة الأجداد وأولاد الأولاد لأنهم آباء وأولاد وقال سبحانه: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} 4, وقال: {يَا بَنِي آدَمَ} 5.
مسألة: "و" تجب نفقة "من يرثه بفرض أو تعصيب" سواء ورثه الآخر أو لا كعمته وعتيقه سوى الزوج لقول الله سبحانه: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} -إلى قوله- {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}, فأوجب على الوارث أجرة رضاع الصبي فيجب أن تلزمه نفقته, وروى أبو داود أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبر؟ قال: "أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذلك حقا واجبا ورحما موصولا" 6, وقضى عمر على بني عم منفوس بنفقته ولأنها قرابة تقتضي التوريث فتوجب الإنفاق كقرابة الولد.
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 83.
2 - رواه أبو داود في البيوع: حديث رقم 3528.
3 - سبق تخريجه.
4 - سورة الحج: الآية 78.
5 - سورة الأعراف: الآية 26.
6 - رواه أبو داود في الأدب: حديث رقم 5140.

وإن كان للفقير وارثان فأثر فنفقته عليهم على قدر ميراثهم منه إلا الابن فإن نفقته على أبيه خاصة, وعلى ملاك المملوكين الإنفاق عليهم وما يحتاجون إليه من مؤنة وكسوة فإن لم يفعلوا أجبروا على بيعهم إذا طلبوا ذلك.
ـــــــ
مسألة: ويشترط لوجوب الإنفاق على القريب ثلاثة شروط: أحدهما "فقر من تجب نفقته" فإن كان غنيا بمال أو كسب لم تجب لأنها وجبت على سبيل المواساة فلا تستحق مع الغني كالزكاة. والثاني: أن يكون للمنفق "مال ينفق عليهم" فاضلا عن نفقة نفسه وزوجته لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول". قال الترمذي: حديث صحيح1؛ ولأنها مواساة فيجب أن تكون في الفاضل عن الحاجة الأصلية. الثالث: أن يكون المنفق عليه وارثا فأما من لا يرث كذوي الأرحام فقال القاضي: لا تجب نفقتهم رواية واحدة إذا كانوا من غير عمودي النسب, وأما إن كانوا من عمودي النسب فلهم النفقة لوجود الإيلاد والمحرمية. وقال أبو الخطاب: يخرج في وجوبها عليهم, روايتان: إحداهما: تجب لأنهم أقارب أشبهوا الوارث, والثانية: لا نفقة لهم لأنهم لا يرثون أشبهوا الأجانب.
مسألة: "فإن كان للفقير وارثان فأكثر فنفقته عليهم على قدر ميراثهم منه إلا من له أب فإن نفقته على أبيه خاصة" كما قلنا في أجرة الرضاع وقد سبق.
مسألة: "وعلى ملاك المملوكين الإنفاق عليهم وما يحتاجون إليه من مؤنة وكسوة" بالمعروف؛ لما روى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان له أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه". متفق عليه2, وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق". رواه الشافعي وأجمع العلماء على وجوب نفقة المملوك على سيده.
مسألة: "فإن لم يفعلوا أجبروا على بيعهم إذا طلبوا ذلك" لأن بقاء ملكه عليه مع الإخلال بالواجب عليه من نفقة وكسوة بالمعروف إضرار به وإزالة الضرر واجبة, ولذلك أبحنا للمرأة فسخ النكاح عند عجز زوجها عن الإنفاق عليها.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه البخاري في الإيمان: حديث رقم 30. ومسلم في الأيمان: حديث رقم 40.

باب الوليمة
وهي دعوة العرس وهي مستحبة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف
ـــــــ
باب الوليمة"وهي" اسم لـ "دعوة العرس" حكاه ثعلب وغيره من أهل اللغة والعذيرة دعوة

حين أخبره أنه تزوج: "بارك الله لك أولم ولو بشاة". والإجابة إليها واجبة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله ومن لم يحب أن يطعم دعا وانصرف". والنثار والنقاطه مباح مع الكراهة
ـــــــ
الختان والخرسة دعوة الولادة والوكيرة دعوة البناء والنقيعة لقدوم الغائب والعقيقة للمولود, والحذاق الطعام عند حذق الصبي, والمأدبة اسم لكل دعوة, "و" دعوة العرس "مستحبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: "أولم ولو بشاة" 1؛ ولأنها طعام سرور أشبه سائر الأطعمة ولا خلاف بين أهل العلم أنها سنة مشروعة والأصل فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها عبد الرحمن, وقال أنس: ما أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب جعل يبعثني فأدعو له الناس وأطعمهم خبزا ولحما حتى شبعوا, وأولم على صفية بنت حيي حيسا في نطع صغير. متفق عليهن2.
مسألة: "والإجابة إليها واجبة" إذا عينه الداعي المسلم في اليوم الأول. قال ابن عبد البر: لا خلاف في وجوب إتيان الوليمة لمن دعي إليها إذا لم يكن فيها لهو, وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم في وليمة فليأتها" 3. وقال أبو هريرة: شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء, ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله, رواهما البخاري4.
مسألة: "ومن لم يحب أن يطعم دعا وانصرف" لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليدع وإن كان مفطرا فليطعم". رواه أبو داود5.
مسألة: "والنثار والتقاطه مباح" لما روى عبد الله بن قرط أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات وقال: "من شاء اقتطع". رواه الإمام أحمد وأبو داود, وهذا جار مجرى النثار ولأنه نوع إباحة فأشبه إباحة الطعام للضيفان. "وهو مكروه" لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النهبى والمثلة, رواه البخاري والإمام أحمد في المسند6؛ ولأن فيه
ـــــــ
1 - رواه البخاري في النكاح: حديث رقم 5072. ومسلم في النكاح: حديث رقم 79, 80.
2 - رواه البخاري في النكاح: حديث رقم 5171. والبيوع: حديث رقم 2235. ومسلم في النكاح: حديث رقم 90, 95.
3 - رواه البخاري في النكاح: حديث رقم 5173.
4 - المصدر عاليه: حديث رقم 5177.
5 - رواه أبو داود في الأطعمة: حديث رقم 3736, 3737.
6 - رواه البخاري في المظالم: حديث رقم 2472. وأحمد في المسند 4/246 و 307 و 428.

وإن قسم على الحاضرين كان أولى.
ـــــــ
تزاحما وقتالا وربما أخذه من يكره صاحبه لقوته وشدة نفسه, وحرمه من يحب صاحب النثار صيانة لنفسه ومروءته عن مزاحمة السفلة, فكره لما فيه من الدناءة فأما خبر البدنات فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه لا نهبة في ذلك لكثرة اللحم وقلة الآخذين, أو فعله لاشتغاله بالمناسك وهو مباح في الجملة غير محرم, ومن أخذ منه شيئا ملكه لأنه نوع إباحة أشبه ما يأكله الضيفان وإنما الكلام في الكراهية.
مسألة: "وإن قسم على الحاضرين كان أولى" ولا خلاف في أن ذلك حسن غير مكروه, وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: قسم النبي صلى الله عليه وسلم يوما بين أصحابه تمرا فأعطى كل إنسان سبع تمرات فأعطاني سبع تمرات إحداهن حشفة فلم يكن فيهن تمرة أعجب إلي منها شدت في مضاغي1. قال المروذي: وسألت أبا عبد الله عن الجوز نثير فكرهه. وقال: يعطون من يقسم عليهم, وفرق أبو عبد الله على الصبيان الجوز لكل واحد خمسا خمسا لما حذق ابنه حسن, والله أعلم.
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الأطعمة: حديث رقم 5411.

كتاب الأطعمة
مدخل...
كتاب الأطعمةوهي نوعان: حيوان وغيره فأما غير الحيوان فكله مباح إلا ما كان نجسا أو مضرا كالسموم, والأشربة كلها مباحة إلا ما أسكر فإنه يحرم قليله وكثيره من أي شيء كان لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام"
ـــــــ
كتاب الأطعمة
"وهي نوعان حيوان وغيره فأما غير الحيوان فكله مباح" لأن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} 1, "إلا ما كان نجسا" فإنه حرام الأكل بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحمر الأهلية: "اكفئوها فإنها رجس". وقال سبحانه: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ} 2, والرجس اسم لما استقذر, والنجس مستقذر, وقد أمر في أثناء الآية باجتنابه بقوله {فَاجْتَنِبُوهُ}, فدل على تحريمه والمضر حرام أيضا لضرره "كالسموم" ونحوها.
مسألة: "والأشربة كلها مباحة" لأن الأصل الإباحة "إلا ما أسكر فإنه يحرم قليله وكثيره من أي شيء كان" لقوله عليه السلام: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام". رواه ابن عمر وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". رواهما أبو داود والأثرم وغيرهما3, وقال عمر: نزل تحريم الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير ولأنه مسكر فأشبه عصير العنب.
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية: 29.
2 - سورة المائدة: الآية 90.
3 - الأول رواه أبو داود في : الأشربة: حديث رقم 3679. والبخاري في الأدب: حديث رقم 6124. ومسلم في الأشربة: حديث رقم 73, 75. والثاني: رواه أبو داود في الأشربة: حديث رقم 3681.

وإن تخللت الخمرة طهرت وحلت وإن خللت لم تطهر
فصل
والحيوان قسمان: بحري وبري فأما البحري فكله حلال إلا الحية والضفدع والتمساح, وأما البري فيحرم منه كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير كالنسور والرخم وغراب البين الأبقع والحمر الأهلية والبغال وما يأكل الجيف من
ـــــــ
مسألة: "وإن تخللت الخمر طهرت وحلت" وهذا إجماع "وإن خللت لم تطهر"؛ لما روى أبو طلحة قال: لما نزل تحريم الخمر كان عندي خمر لأيتام فقلت: يا رسول الله أخللها؟ قال: "لا أرقها" 1. فأمر بإرقاتها ولو كان يحل تخليلها لما أمر بإراقتها لأنه يكون إتلاف مال وتضيع على الأيتام وذلك لا يجوز.
"فصل: والحيوان قسمان : بحري وبري فأما البحري فكله حلال", لقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 2. وهذا عام "إلا الحية والضفدع" لأنهما من الخبائث وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع "إلا التمساح" لأنه يأكل الناس وله ناب يجرح.
مسألة: "وأما البري فيحرم منه كل ذي ناب من السباع" وهي التي تضرب بأنيابها الشيء وتفرس وهو مذهب أكثر أهل العلم؛ لما روى أبو ثعلبة الخشني قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع, متفق عليه, وقال أبو هريرة رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" 3. قال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت صحيح مجمع على صحته وهذا نص صريح.
مسألة: "ويحرم كل ذي مخلب من الطير" وهي التي تعلف بمخالبها الشيء وتصيد بها لما روى ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير, وعن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حرام عليكم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير". رواهما أبو داود4.
مسألة: "و" تحرم "الحمر الأهلية" لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الأشربة: حديث رقم 3675.
2 - سبق تخريجه.
3 - رواه البخاري في الذبائح: حديث رقم 5527. ومسلم في الصيد: حديث رقم 12, 15.
4 - الأول: رواه أبو داود في الأطعمة: حديث رقم 3803. والثاني: المصدر عاليه: حديث رقم 3806.

الطير, وما يستخبث من الحشرات كالفار ونحوها إلا اليربوع والضب لأنه أكل على
ـــــــ
لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل. متفق عليه1.
مسألة: "والبغال" محرمة لأنها متولدة منها والمتولد من شيء له حكمه في التحريم. قال قتادة: ما البغل إلا شيء من الحمار, وعن جابر قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمر ولم ينهنا عن الخيل.
مسألة: "وما يأكل الجيف من الطير" كالنسور والرخم وغراب البين الأبقع قال عروة: ومن يأكل الغراب وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق؟ ولعله يعني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور" 2. فهي محرمة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها فواسق وأمر بقتلها وما يحل أكله لم يحل قتله بل يذبح.
مسألة: "و" يحرم كل "ما يستخبث من الحشرات" كالديدان والجعلان وبنات وردان والخنافس والفأر والأوزاغ والحرباء والعظاء والجراذين والعقارب والحيات لقوله سبحانه: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} 3, وهذه من الخبائث وقال عليه السلام: "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والفأرة والعقرب والحدأة والكلب العقور". وفي حديث مكان الفأرة الحية, ولو كانت من الصيد المباح لما أبيح قتلها للمحرم لأن الله سبحانه قال: {لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} 4, وقال سبحانه: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} 5, وكذلك القنفذ لما روى أبو داود أن أبا هريرة قال: ذكر القنفذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هو خبيثة من الخبائث".
مسألة: "إلا اليربوع" يعني أنه مباح لأن عمر رضي الله عنه حكم فيه بجفرة ولأن الأصل الإباحة ما لم يرد تحريم وعنه أنه حرام لأنه يشبه الفأر.
مسألة: "والضب" حلال لما روى ابن عباس قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فقيل: "هو ضب يا رسول الله فرفع يده -فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" قال
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الذبائح: حديث رقم 5520. ومسلم في الصيد: حديث رقم 36.
2 - رواه البخاري في جزاء الصيد: حديث رقم 926. ومسلم في الحج: حديث رقم 69.
3 - سورة الأعراف: الآية 157.
4 - سورة المائدة: الآية 95.
5 - سورة المائدة: الآية 96.

مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينظر وقيل له: أحرام هو؟ قال: "لا". وما عدا هذا مباح ويباح أكل الخيل والضبع لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في لحوم الخيل وسمى الضبع صيدا.
ـــــــ
خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر, متفق عليه1 وقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم الضب ولكنة قذره ولو كان عندي لأكلته2.
مسألة: "ويباح أكل الخيل" لحديث جابر وقد تقدم.
مسألة: "و" يباح "الضبع" لما روى جابر قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل الضبع قلت: صيد هي؟ قال: "نعم". واحتج به الإمام أحمد وفي لفظ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع. فقال: "هو صيد ويجعل فيه كبشا إذا صاده المحرم". رواه أبو داود3.
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الذبائح والصيد: حديث رقم 5537. ومسلم في الصيد والذبائح: حديث رقم 43.
2 رواه أحمد في المسند 1/29.
3 - سبق تخريجه.

باب الذكاة
يباح كل ما في البحر بغير ذكاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر: "الحل ميتته" إلا ما يعيش في البر فلا يحل حتى يذكى إلا السرطان ونحوه ولا يباح من البري
ـــــــ
باب الذكاة"يباح كل ما في البحر بغير ذكاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 1.
مسألة: "إلا ما يعيش في البر" من دواب البحر "فلا" يباح "حتى يذكى" كالطيور والسلحفاة وكلب الماء. قال أحمد: كلب الماء نذبحه ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبحت, وقال: السرطان لا بأس بت, فقيل له: يذبح؟ قال: لا, وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل شيء في البحر مذبوح" 2. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ذبح كل شيء في البحر لابن آدم". وروي نحو ذلك عن أبي بكر وقد صح أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوا على ساحل البحر دابة يقال لها العنبر ميتة فأكلوا منها شهرا وادهنوا حتى سمنوا ولا يذكى السرطان لأنه ليس له نفس سائلة.
مسألة: "ولا يباح من البري شيء بغير ذكاة" لقوله سبحانه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - أورده البخاري في الذبائح: 12- باب قول الله تعالى: {أُحِِلَ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ}. معلقا وموقوفا على شريح صاحب النبي صلى الله عليه وسلم.

شيء بغير ذكاة إلا الجراد وشبهه.
والذكاة تنقسم ثلاثة أقسام: نحر وذبح وعقر ويستحب نحر الإبل وذبح ما سواها فإن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر فجائز, ويشترط للذكاة كلها ثلاثة شروط :
ـــــــ
-إلى قوله- {إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} 1, فيدل ذلك على اشتراط الذكاة في الحل؛ ولأن غير المذكى يسمى ميتة والميتة حرام ولما أباح النبي ميتة البحر دل على تحريم غيرها وأن الذكاة شرط فيها.
مسألة: "إلا الجراد وشبهه" فإنه يباح أكله بإجماع أهل العلم, وقد قال عبد الله بن أبي أوفى: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد2, وقد قال عليه السلام: "أحلت لنا ميتتان ودمان" 3. فالميتتان السمك والجراد, ولا فرق بين أن يموت بسبب أو غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحلت لنا ميتتان" ولم يفصل ولأنه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذبح وذابح وآلة كبهيمة الأنعام.
مسألة: "والذكاة تنقسم ثلاثة أقسام: نحر وذبح وعقر ويستحب نحر الإبل وذبح ما سواها" فالنحر هو أن يضربها بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر بدنة وضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده4, متفق عليه. وأما الذبح فهو عبارة عن قطع الودجين والحلقوم والمريء وذلك معلوم في الغنم والبقر والطيور, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الذكاة في الحلق واللبة" 5. وروي ذلك عن عمر رواه سعيد والأثرم, وسيأتي ذلك وأما العقر فهو في الصيد وما لا يقدر على تذكيته فيرميه بنشابة أو يطعنه برمح في أي موضع اتفق فيحل.
مسألة: "فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح فجائز"؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي: "أمر الدم بما شئت" 6. وقالت أسماء: نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه7, وعن عائشة قالت: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بقرة واحدة8؛ ولأن ما كان ذكاة في
ـــــــ
1 - سورة المائدة الآية 3.
2 - رواه البخاري في الذبائح: حديث رقم 5495. ومسلم في الصيد: حديث رقم 52.
3 - سبق تخريجه.
4 - سبق تخريجه.
5 - أورده البخاري في الذبائح: 24- باب النحر والذبح: معلقا وموقوفا على ابن عباس.
6 - رواه أبو داود في الأضاحي: حديث رقم 2824. وابن ماجه في الذبائح: حديث رقم 3177.
7 - رواه البخاري في الذبائح: حديث رقم 5510.
8 - رواه أبو داود في المناسك: حديث رقم 1750.

أحدها : أهلية المذكي وهو أن يكون عاقلا قادرا على الذبح مسلما أو كتابيا فأما الطفل والمجنون والسكران والكافر الذي ليس بكتابي فلا تحل ذبيحته.
الثاني: أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح وإرسال الآلة في الصيد إن كان ناطقا وإن كان أخرس أشار إلى السماء فإن ترك التسمية على الذبيحة عامدا لم تحل وإن تركها ساهيا حلت وإن تركها على الصيد لم يحل عمدا كان أو سهوا
ـــــــ
حيوان كان ذكاة بحيوان آخر سائر الحيوانات.
مسألة: "ويشترط للذكاة كلها ثلاثة شروط: أحدها أهلية المذكي", ولها ثلاثة شروط: الأول "أن يكون عاقلا" يعرف الذبح ليقصده فإن كان لا يعقل كالطفل والمجنون والسكران لم يحل ما ذبحه لأنه لا يصح منه القصد فأشبه ما لو ضرب إنسانا بسيف فقطع عنق شاة, وكذلك لو وقعت الحديدة بنفسها على عنق شاة فذبحتها لم تحل. والثاني: أن يكون "قادرا على الذبح" ليتحقق منه فلو كان صبيا أو امرأة صح. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي. والثالث: الدين فيشترط أن يكون "مسلما أو كتابيا"؛ لأن الله سبحانه أحل لنا ما ذكيناه بقوله: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ}, وأحل طعام أهل الكتاب بقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}, معناه ذبائحهم كذا فسره العلماء؛ ولأن المذكاة من جملة الأطعمة وأما غير الكتابي كالوثني فلا تحل ذبيحته ولا طعامه. الشرط "الثاني": للذكاة أن "يذكر اسم الله تعالى عند الذبح, و" عند "إرسال الآلة في الصيد إن كان ناطقا وإن أخرس أشار إلى السماء" فتشترط التسمية في حق كل ذابح مع العمد سواء كان مسالما أو كتابيا لقوله سبحانه: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} 1, فإن لم يعلم أسمى الكتابي أم لا؟ فذبيحته حلال لأن الله سبحانه أباح لنا أكل ما ذبحه الكتابي وقد علم أننا لا نقف على كل ذابح.
مسألة: "وإن ترك" التسمية على الذبيحة "ساهيا حلت" لقوله عليه السلام: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" 2, وقد روي عن ابن عباس أنه قال: من نسي التسمية فلا بأس, وروى سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذبيحة المسلم حلال وإن له يسم إذا لم يتعمد", ولقوله سبحانه: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ}, محمول على من ترك عمدا بدليل قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}, والناسي ليس بفاسق.
مسألة: "وإن تركها على الصيد لم يحل عمدا كان أو سهوا" هذا تحقيق المذهب
ـــــــ
1 - سورة الأنعام: الآية 121.
2 - سبق تخريجه.

الثالث: أن يذكي بمحدد سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره إلا السن والظفر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر", ويعتبر في الصيد أن يصيد بمحدد أو يرسل جارحا فيجرح الصيد فإن قتل الصيد بحجر أو بندق أو شبكة أو قتل الجارح الصيد بصدمته أو خنقه أو روعته لم يحل
ـــــــ
ونقل حنبل عن أحمد: إن نسي التسمية على الذبيحة والكلب أكل. قال: الخلال سها حنبل في نقله فإن في أول مسألته إذا نسي وقتل لم يأكل, ودليل الأولى قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ}. وقال: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} 1, وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك وسميت فكل". قلت: وأرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر؟ قال: "لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره". متفق عليه2. وفي لفظ: "إذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل". وفي حديث ثعلبة ما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل3. وقوله: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" 4. يقتضي نفي الإثم لأنه جعل الشرط المعدوم كالموجود بدليل ما لو نسي شروط الصلاة والفرق بين الصيد والذبيحة أن الذبح وقع في محله فجاز أن يسامح فيه بخلاف الصيد, والأحاديث بخلاف هذا لا نعلم لها أصلا. الشرط الثالث: أن يذكي بمحدد سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره إلا السن والظفر, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكله ما لم يكن سنا أو ظفرا". متفق عليه5.
مسألة: "ويعتبر في الصيد أن يصيد بمحدد أو يرسل جارحا فيجرح الصيد" لأن الاصطياد قام مقام الذكاة والجارح آلة كالسكين وعقره الحيوان بمنزلة إفراء الأوداج. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن أخذ الكلب ذكاته" 6. والصائد بمنزلة المذكي وكذلك السهم ينبغي أن يكون محددا فإن كان غير محدد كالمصطاح لم يحل, أو قتل بالمعراض فإنه يحل ما أصاب بحده ولا يحل ما أصاب بعرضه؛ لأن هذا كله من الموقوذة. وكذا لو "قتل الصيد بحجر أو بندق أو شبكة" فمات فيها "أو قل الجارح الصيد بصدمته أو بخنقه أو روعته لم يحل" لأنه موقوذ.
ـــــــ
1 - سورة المائدة: الآية 4.
2 - رواه البخاري في الوضوء: حديث رقم 175. ومسلم في الصيد: حديث رقم 1, 3.
3 - رواه البخاري في الذبائح: حديث رقم 5478.
4 - سبق تخريجه.
5 - رواه البخاري في الذبائح: حديث رقم 5498. ومسلم في الأضاحي: حديث رقم 20.
6 - رواه البخاري في الذبائح: حديث رقم 5475. ومسلم في الصيد: حديث رقم 4.

وإن صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده دون ما قتل بعرضه وإن نصب المناجيل للصيد وسمى فعقرت الصيد أو قتلته حل.
فصل
ويشترط في الذبح والنحر خاصة شرطان: أحدهما: أن يكون في الحلق واللبة فيقطع الحلقوم والمريء وما لا تبقى الحياة مع قطعه, الثاني: أن يكون في المذبوح حياة يذهبها الذبح فإن لم يكن فيه إلا كحياة المذبوح وما أبينت حشوته لم يحل بالذبح ولا النحر وإن لم يكن كذلك حل لما روى كعب قال: كانت لنا غنم ترعى بسلع فأبصرت جارية لنا شاة موتى فكسرت حجرا فذبحتها به فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأمر بأكلها
ـــــــ
مسألة: "وإن صاد بالمعراض كل ما قتل بحده" ولم يأكل "ما قتل بعرضه" لذلك.
مسألة: "وإن نصب المناجل للصيد وسمى فعقرت الصيد أو قتلته حل" لأنه قتل الصيد بحديدة على الوجه المعتاد فأشبه ما لو رماه بها؛ ولأنه قصد قتل الصيد بما قد جرت العادة بالصيد به أشبه ما ذكرناه؛ ولأن التسبب جرى مجرى المباشرة في الضمان فكذلك في الصيد, وقال عليه السلام: "كل ما ردت عليك يدك".
"فصل: ويشترط في الذبح والنحر خاصة شرطان: أحدهما أن يكون في الحلق واللبة فيقطع الحلقوم والمريء وما لا تبقى الحياة مع قطعه", فيعتبر في الذكاة قطع الحلقوم والمريء ويكفي ذلك فيهما, وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية أخرى أنه يعتبر مع هذا قطع الودجين؛ لما روى أبو هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج ثم يترك حتى يموت, رواه أبو داود, ودليل الأولى أنه قطع ما لا تبقى الحياة مع فقده في محل الذبح فأجزأ كما لو قطع الودجين. فأما الحديث فمحمول على من لم يقطع المريء, فإذا ثبت هذا فالكمال أن يقطع الأربعة: الحلقوم وهو مجرى النفس, والمريء وهو مجرى الطعام والشراب, والودجين وهما عرقان محيطان بالحلقوم؛ لأنه أعجل لخروج روح الحيوان فيخف عليه فيكون أولى. الشرط "الثاني: أن يكون في المذبوح حياة يذهبها الذبح فإن لم يكن فيه إلا كحياة المذبوح وما أبينت حشوته لم يحل بالذبح ولا النحر" لأن هذا قد صار في حكم الميت, ولهذا لو أبان رجل حشوة إنسان فضرب الآخر عنقه كان القاتل الأول, ولو ذبح الشاة بعد ذبح المجوسي لم تحل, "وإن لم يكن كذلك حل" بالذبح يعني بذلك أن يدركها وفيها حياة بحيث إذا ذبحها يكون الذبح هو الذي قتلها لقوله سبحانه: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ}, وفي حديث جارية كعب أنها أصيبت شاة من غنمها فأدركتها فذبحتها بحجر فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كلوها". وسواء

وأما العقر فهو القتل بجرح في غير الحلق واللبة ويشرع في كل حيوان معجوز عنه من الصيد, والأنعام لما روى أبو رافع أن بعيرا ند فأعياهم فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا". ولو تردى بعير في بئر فتعذر نحره فجرح في أي موضع من جسده فمات به حل أكله,
ـــــــ
كانت قد انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش لعموم الآية والخبر وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل ولم يستفصل. وقال الإمام أحمد في بهيمة عقرت بهيمة حتى تبين فيها آثار الموت إلا أن فيها الروح, فقال: إذا مصعت بذنبها أو طرفت بعينها وسال الدم فأرجو إن شاء الله أن لا يكون بأكلها بأس, وسئل الإمام أحمد عن شاة مريضة خافوا عليها الموت فذبحوها فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها أو حركت يدها أو رجلها أو ذنبها بضعف فنهر الدم قال: فلا بأس, وقال بعض أصحابنا: إذا انتهت إلى حد لا تعيش معه لم تبح بالذكاة, ونص عليه الإمام إذا شق الذئب بطنها فخرج قصبها فذبحها لا تؤكل, وقال: إن كان يعلم أنها تموت من عقر السبع فلا تؤكل وإن ذكاها وقد يخاف على الشاة الموت من العلة والشيء يصيبها فبادرها فذبحها فيأكلها وليس هذا مثل هذه ولا ندري لعلها تعيش والتي خرجت أمعاؤها قد علم أنها لا تعيش, وقال شيخنا: والأول أصح لأن عمر رضي الله عنه انتهى به الجرح إلى حد علم أنه لا يعيش فصحت وصاياه ووجبت عليه العبادة؛ ولأن ما ذكرنا فيما قبل يرد هذا. قال: وما رويناه عن الإمام أحمد فالصحيح أنها إذا كانت تعيش زمانا يكون الموت بالذبح أسرع منه حلت بالذبح, والله أعلم.
مسألة: "وأما العقر فهو الجرح في غير الحلق واللبة وشرع في كل حيوان معجوز عنه من الصيد والأنعام"؛ لما "روى رافع بن خديج رضي الله عنه" قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم: فند بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا". متفق عليه1. وحرن ثور في بعض دور الأنصار فضربه رجل بالسيف وذكر اسم الله عليه فسأل عنه عليا فقال: ذكاة وجبت فأمرهم بأكله, وتردى بعير في بئر فذكي من قبل شاكلته فبيع بعشرين درهما فأخذ ابن عمر عشره بدرهمين رواه سعيد؛ ولأنه حيوان غير مقدور على تذكيته فأشبه الوحشي.
مسألة: "ولو تردى بعير في بئر فتعذر نحره فجرح في أي موضع من جسده فمات حل أكله" لذلك.
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الذبائح: حديث رقم 5498. ومسلم في الأضاحي: رقم 20.

كتاب الصيد
مدخل...
كتاب الصيدكل ما أمكن ذبحه من الصيد لم يبح إلا بذبحه وما تعذر ذبحه فمات بعقره حل بشروط ستة ذكرنا منها ثلاثة في الذكاة, والرابع: أن يكون الجارح الصائد معلما وهو ما يسترسل إذا أرسل ويجيب إذا دعي.
ويعتبر في الكلب والفهد خاصة أنه إذا أمسك لم يأكل ولا يعتبر ذلك في الطائر. الثاني: أن يرسل الصائد الآلة فإن استرسل الكلب بنفسه لم يبح صيده. الثالث: أن يقصد الصيد فإن أرسل سهمه ليصيب به غرضا أو كلبه ولا يرى صيدا,
ـــــــ
كتاب الصيد
مسألة: "كل ما أمكن ذبحه من الصيد لم يبح إلا بذبحه" وقد سبق ذكر المعجوز عن تذكيته. فأما المقدور عليه فلا يباح إلا بالذبح بلا خلاف بين أهل العلم, وقوله عليه السلام في حديث عدي: "فإن أدركته حيا فاذبحه".
مسألة: "وما تعذر ذبحه فمات بعقره حل بشروط ستة ذكرنا منها ثلاثة في الذكاة" وقد مضى تعليلها, "والرابع: أن يكون الجارح الصائد معلما" ولا خلاف في اعتبار هذا الشرط والأصل فيه قوله سبحانه: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}, وروى أبو ثعلبة الخشني قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنا بأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم فأخبرني ما يصلح لي؟ قال: "أما ما ذكرت أنكم بأرض صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل, وما صدت بكلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل, وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل". متفق عليه.
مسألة: "ويعتبر في" تعليمه ثلاثة شروط: إذا أرسله استرسل وإذا زجره انزجر "وإذا أمسك لم يأكل" إذا كان كلبا أو فهدا, ويتكرر هذا منه مرة بعد أخرى حتى يصير معلما في حكم العرف, ولا يعتبر ترك الأكل في الطائر لأن تعليمه بأن يأكل عند أهل العرف بذلك فإن أكل غير الطائر من الصيد لم يبح في إحدى الروايتين. والثانيه: يباح, وروي

فأصاب صيدا لم يبح, ومتى شارك في الصيد ما لا يباح قتله مثل أن يشارك كلبه أو سهمه كلب أو سهم لا يعلم مرسله أو لا يعلم أنه سمي عليه أو رماه بسهم مسموم يعين على قتله أو غرق في الماء أو وجد به أثرا غير أثر السهم أو الكلب يحتمل أنه مات
ـــــــ
ذلك عن جماعة من الصحابة لعموم قوله: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}, وعن أبي ثعلبة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل". ذكره الإمام أحمد وأخرجه أبو داود, ودليل الرواية الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك". قلت: وإن قتل؟ قال: "وإن قتل إلا أن يأكل الكلب فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه". متفق عليه. وأما الآية فإنها تتناول ما أمسكن علينا, وهذا إنما أمسك على نفسه, وحديث أبي ثعلبة قال الإمام أحمد: يختلفون فيه عن هشيم, وعلى أن حديث عدي أصح لأنه متفق عليه وعدي بن حاتم أضبط ولفظه أبين؛ لأنه ذكر الحكم والعلة. قال أحمد: حديث الشعبي عن عدي من أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم, الشعبي يقول: كان جاري وربيطي فحدثني والعمل عليه. "الثاني": وهو الخامس "أن يرسل الصائد المصيد فإن استرسل بنفسه" فقتل "لم يبح صيده" لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك وسميت فكل"؛ ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح ولهذا اعتبرت التسمية معه. "الثالث": وهو السادس "أن يقصد الصيد فإن أرسل سهمه ليصيب به غرضا ولا يرى صيدا فأصاب صيدا لم يبح"؛ لأنه لم يقصد برميه عينا فأشبه من نصب سكينا فانذبحت بها شاة.
مسألة: "ومتى شارك في الصيد ما لا يباح قتله مثل أن يشارك كلبه أو سهمه كلب أو سهم لا يعلم مرسله أو لا يعلم أنه سمي عليه" لم يبح؛ لما روي أن عديا قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر. قال: "لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر", وفي لفظ: "فإن وجدت مع كلبك كلبا آخر فخشيت أن يكون أخذ معه وقد قتله فلا تأكله فإنما ذكرت اسم الله على كلبك", وفي لفظ: "فإنك لا تدري أيهما قتل". أخرجه البخاري؛ ولأنه شك في وجود الاصطياد المباح فوجب إبقاء حكم التحريم وكذلك الحكم في سهمه إذا وجد معه سهما آخر وقد قتل لا يباح لأنه إنما ذكر اسم الله على سهمه ولم يذكره على سهم غيره, والحديث حجة فيهما جميعا وفي بعض ألفاظ حديث عدي: "فإن لم تجد فيه إلا أثر سهمك فكله إن شئت", مفهومه أنه إن وجد فيه أثر غيره لا يأكله.
مسألة: "وإن رماه بسهم مسموم يعين على قتله" ويحتمل أنه مات به لم يحل لأن قتله بالسهم حرام وقتله بالسهم مباح فقد اشتبه المحظور بالمباح فيحرم كما لو مات بسهم مجوسي ومسلم "وإن رماه فغرق في ماء" يحتمل أنه مات بذلك. "حرم" لأن في

لم يحل لما روى عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فأمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب له ذكاة فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه . وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره وإذا أرسلت سهمك فاذكر اسم الله عليه وإن غاب عنك يوما أو يومين ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكله إن شئت وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو قتله سهمك" .
ـــــــ
بعض ألفاظ حديث عدي: "وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك" .

باب المضطر
ومن اضطر في مخمصة فلم يجد إلا محرما فله أن يأكل منه ما يسد رمقه
ـــــــ
باب المضطر"ومن اضطر في مخمصة فلم يجد إلا محرما فله أن يأكل منه ما يسد" به "رمقه" أجمع العلماء على إباحة الأكل من الميتة للمضطر وكذلك سائر المحرمات التي لا تزيل العقل, والأصل فيه قوله سبحانه: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}, ويباح له أكل ما يسد به الرمق ويأمن معه الموت بالإجماع, ويحرم عليه ما زاد على الشبع بالإجماع, وفي الشبع روايتان: أحدهما لا يباح, والثانية: يحل له الشبع اختارها أبو بكر؛ لما روى جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة فقال: أسلخها حتى نقدد لحمها وشحمها ونأكله, فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل عندك غني يغنيك"؟ قال: لا, قال: "فكلوها ولم يفرق". رواه أبو داود1؛ ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح, ودليل الأولى أن الآية الكريمة دلت على تحريم الميتة ثم استثنى منها ما ضطر إليه فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل كحالة الابتداء ولأنه بعد سد الرمق غير خائف للتلف فلم يجز له الأكل كغير المضطر يحققه أنه بعد سد الرمق كهو قبل أن يضطر وثم لم يبح له الأكل هكذا هنا, إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف منها التلف إن ترك الأكل. قال الإمام أحمد: إذا كان يخشى على نفسه أن يتلف سواء كان من جوع أو يخاف إن ترك
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الأطعمة: حديث رقم 3816.

وإن وجد متفقا على تحريمه ومختلفا فيه أكل من المختلف فيه فإن لم يجد إلا طعاما لغيره به مثل ضرورته لم يبح له أخذه وإن كان مستغنيا عنه أخذه منه بثمنه, فإن منعه منه أخذه قهرا وضمنه له متى قدر فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه, وإن قتل المانع فلا ضمان فيه, ولا يباح التداوي بمحرم ولا شرب الخمر لمن عطش ويباح دفع الغصة بها إذا لم يجد مائعا غيرها,
ـــــــ
الأكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة أو يعجز عن الركوب فيهلك.
مسألة: "وإن وجد متفقا على تحريمه ومختلفا فيه, أكل من المختلف فيه" لأنه أخف تحريما كالخنزير متفق على تحريمه والثعلب مختلف فيه والقنفذ وما شاكل ذلك.
مسألة: "فإن لم يجد إلا طعاما لغيره به مثل ضرورته لم يبح له أخذه" لأن صاحب الطعام ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة.
مسألة: "وإن كان مستغنيا عنه أخذه منه بثمنه" لأنه أمكن الوصول إليه برضا صاحبه. قال القاضي: فإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمن مثله فاشتراه بذلك لم يلزمه إلا بثمن مثله لأنه صار مستحقا له بقيمته, فإن كان العوض معه دفعه إليه وإلا بقي في ذمته ولا يباح للمضطر من مال غيره إلا ما يباح له من الميتة. قال أبو هريرة: قلنا يا رسول الله ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه؟ قال: "يأكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل".
مسألة: "فإن منعه منه أخذه قهرا وضمنه له متى قدر" [على مثله أو قيمته] وذلك لأن صاحب الطعام إذا كان مستغنيا عنه لزمه بذله للمضطر لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم فلزمه بذله له كما يلزمه بذل منافعه في تخليصه من الغرق والحرق, فإن لم يبذله له فللمضطر أخذه منه قهرا لأنه مستحق له دون مالكه فجاز له أخذه كعين ماله فإن احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه. "فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى الآخر ضمانه" بالقصاص أو الدية "وإن آل آخذه إلى قتل مالكه فهو هدر" كما قلنا في الصائل إذا قتله المصول عليه دفعا عن نفسه ولم يمكنه دفعه إلا بالقتل.
مسألة: "ولا يباح التداوي بمحرم" لقوله عليه السلام: "لا شفاء لأمتي فيما حرم عليها". رواه الإمام أحمد في كتاب الأشربة ولفظه: "إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء" 1.
مسألة: "ولا" يجوز "شرب الخمر من عطش" لأنه لا يروي.
مسألة: "ويباح دفع الغصة بها إذا لم يجد مائعا غيرها" لأنه حالة ضرورة إذ لو لم يفعل ذلك لخاف الموت لأنها تقتل صاحبها.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.

باب النذر
من نذر طاعة لزمه فعلها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" فإن كان لا يطيقها -كشيخ نذر صياما لا يطيقه- فعليه كفارة يمين؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين" ومن نذر المشي إلى بيت الله الحرام
ـــــــ
باب النذروالأصل في النذر الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله سبحانه: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} وأما السنة فما روت عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". أخرجه البخاري1, وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة وهو غير مستحب لأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل". متفق عليه2.
مسألة: "ومن نذر أن يطيع الله فليطعه" لحديث عائشة رضي الله عنها "فإن كان لا يطيق - كشيخ كبير نذر صياما لا يطيقه- فعليه كفارة يمين" لما روى عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فقال: "لتمش ولتركب". متفق عليه3, ولأبي داود: "ولتكفر يمينها" 4. وللترمذي "ولتصم ثلاثة أيام" 5. قال ابن عباس: من نذر نذرا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا يطيقه فليف لله بما نذر فإذا كفر فهل يلزمه مع الكفارة إطعام؟ على روايتين: إحداهما لا يلزمه لأن الكفارة إنما وجبت لترك الفعل فلو أوجبنا فدية عن الصيام لجمعنا بين كفارتين ولأنه لو نذر ما لا يطيقه غير الصوم لما يلزمه أكثر من كفارة كذا ها هنا, والثانية: يلزمه أن يطعم عن كل يوم مسكينا كما قلنا في رمضان إذا عجز عن صيامه والأول أصح وأقيس لأن موجب النذر اليمين واليمين إنما لها كفارة واحدة.
مسألة: "ومن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لم يجزه المشي إلا في حج أو عمرة" لأن المشي المعهود في الشرع إلى البيت هو المشي في حج أو عمرة فإذا أطلق الناذر
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه البخاري في القدر: حديث رقم 6608, 6609. ومسلم في النذر: حديث رقم 3, 7.
3 - رواه البخاري في الصيد: باب 27. ومسلم في النذر: حديث رقم 11.
4 - رواه أبو داود في الأيمان والنذور: حديث رقم 3295.
5 - رواه الترمذي في النذور: حديث رقم 1544. وقال: هذا حديث حسن.

لم يجزه المشي إلا في حج أو عمرة فإن عجز عن المشي ركب وإن نذر صوما متتابعا فعجز عن التتابع صام متفرقا وكفر وإن ترك التتابع لعذر في أثنائه خير بين استئنافه وبين البناء والتكفير وإن تركه لغير عذر وجب استئنافه وإن نذر معينا فأفطر في بعضه أتمه وقضى وكفر بكل حال
ـــــــ
حمل على المعهود الشرعي ويلزمه المشي لأن المشي إلى العبادة أفضل؛ ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يركب في عيد ولا جنازة قط, فإذا ثبت هذا فإنه إن أتى البيت ماشيا فقد وفى بنذره, "فإن عجز عن المشي ركب" وكفر كفارة يمين لحديث عقبة بن عامر وقد سبق, وروى عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كفارة النذر كفارة يمين" 1. وعنه رواية أخرى يلزمه دم لأن ابن عباس رضي الله عنهما روى أن أخت عقبة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب وتهدي هديا وفيه ضعف, والصحيح الأول لما سبق ولأن المشي مما لا يوجبه الإحرام فلم يجب الدم بتركه كما لو نذر صلاة ركعتين فلم يصلهما فإن قيل خبر عقبة ليس فيه ذكر عجز أخته [عن المشي], قلنا: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم عجزها لمعرفته بحالها أو من حيث أن الظاهر من حال المرأة أنها لا تطيق المشي في الحج كله أو ذكر له ذلك فلم ينقل, ودليل هذا التأويل أن المشي قربة والقربة تلزم بالنذر فلا يجوز أن يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بتركه من غير عذر.
مسألة: "وإن نذر شهرا متتابعا فعجز عن التتابع صام متفرقا وكفر" لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أخت عقبة بن عامر بالكفارة لعجزها عن المشي لأن النذر كاليمين ولو حلف ليصومن متتابعا فأخل به لزمته الكفارة.
مسألة: "وإن ترك التتابع لعذر في أثنائه" من مرض أو حيض "خير بين استئنافه" ولا شيء عليه لأنه أتى بما نذره على وجهه "وبين أن يبني على صيامه ويكفر" لأن الكفارة تلزم لتركه المنذور وإنما جوزنا له البناء ها هنا لأن الفطر لعذر لا يقطع التتابع حكما بدليل أنه لو أفطر في صيام الشهرين المتتابعين من غير عذر كان له البناء وإن كان العذر يبيح الفطر كالسفر فهل يقطع التتابع؟ فيه وجهان: أحدهما يقطعه لأنه يفطر باختياره, والثاني: لا يقطعه لأنه عذر في الفطر في رمضان فأشبه المرض.
مسألة: "وإن تركه لغير عذر وجب استئنافه" ولا كفارة عليه لأنه ترك التتابع المنذر ولغير عذر مع إمكان الإتيان به فلزمه كما لو نذر صوما معينا فصام قبله.
مسألة: "وإن نذر صياما معينا فأفطر في بعضه أتمه وقضى وكفر بكل حال" سواء
ـــــــ
1 - رواه مسلم في النذر: حديث رقم 13.

وإن نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب إلا أن ينوي رقبة بعينها ولا نذر في معصية
ـــــــ
أفطر لعذر أو لغير عذر ولا يلزمه استئناف نص عليه الإمام أحمد, ولكنه يقضي ما تركه لأنه واجب بالنذر فلزمه قضاؤه كالواجب بالشرع ويكفر لأنه فات عليه ما نذره فلزمته الكفارة لأنه كاليمين والمذهب أنه إن تركه لغير عذر لزمه الاستئناف والكفارة لأنه صوم يجب متتابعا بالنذر فأبطله الفطر لغير عذر كما لو شرط التتابع وذكر أبو الخطاب رواية أنه لا كفارة عليه إذا تركه لعذر لأن المنذور محمول على المشروع, ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه شيء ولنا أنه فات عليه ما نذره فلزمته الكفارة بدليل قوله عليه السلام لأخت عقبة: "لتركب وتكفر يمينها", وفارق رمضان فإنه لو أفطر لغير عذر لم يكن عليه كفارة إلا في الجماع.
مسألة: "ومن نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب إلا أن ينوي رقبة بعينها" يعني لا يجزيه إلا رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل وهي التي تجزئ في الكفارة لأن النذر المطلق يحمل على المعهود في الشرع والواجب بأصل الشرع كذلك, [و في وجه لأصحاب الشافعي يجزيه أي رقبة كانت لأنه نوى بلفظه ما يحتمله] "فأما إن نوى رقبة بعينها تعينت" بنذره كما لو نذر صوم يوم بعينه.
مسألة: "ولا نذر في معصية" ولا يحل الوفاء به إجماعا لقوله عليه السلام: "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه", ويجب عليه كفارة يمين. روي ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم, وعنه ما يدل على أنه لا كفارة عليه لقوله عليه السلام: "لا نذر في معصية الله ولا في ما لا يملك العبد". رواه مسلم1, وقال: "ليس على الرجل نذر فيما لا يملك". متفق عليه2. وقال: "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى". رواه أبو داود3, ولم يأمر بكفارة ولأن النذر التزام الطاعة وهذا التزام معصية ولأنه نذر غير منعقد فلم يوجب شيئا كاليمين غير المنعقدة ووجه الأولى ما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين". رواه الإمام أحمد وأبو داود وقال الترمذي: هو حديث غريب.4 وفي حديث عمران: "وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه وتكفيره ما يكفر اليمين". وأما ما سبق من الأحاديث فمعناها لا يوفي بالنذر في معصية الله وإن لم يبين الكفارة فيها فقد بينها ها هنا.
ـــــــ
1 - رواه مسلم في النذر: حديث رقم 8.
2 - رواه البخاري في الأدب: حديث رقم 6047. ومسلم في النذر: حديث رقم 8.
3 - رواه أبو داود في الطلاق: حديث رقم 2192.
4 - سبق تخريجه.

ولا مباح ولا فيما لا يملك ابن آدم, ولا فيما قصد به اليمين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم", وقال: "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله سبحانه", وإن جمع في النذر بين الطاعة وغيرها فعليه الوفاء بالطاعة وحدها لما روى ابن عباس قال: أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قائما فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم, فقال: "مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه". وإن قال لله علي نذر ولم يسمه فعليه كفارة يمين,
ـــــــ
مسألة: "ولا" نذر "فيما لا يملك ابن آدم" لما سبق.
مسألة: "ولا نذر في مباح" كمن نذر أن يلبس ثوبه أو يركب دابته فالناذر مخير بين فعله فيبر وبين تركه ويكفر كاليمين على ذلك ويتخرج في المذهب أن لا ينعقد هذا النذر ولا كفارة عليه بتركه وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى", ولم يذكر كفارة.
مسألة: "ولا نذر فيما قصد به اليمين" وهو نذر اللجاج وسيأتي في باب الأيمان إن شاء الله تعالى.
مسألة: "وإن جمع في النذر بين الطاعة وغيرها فعليه الوفاء بالطاعة وحدها؛ لما روى ابن عباس" رضي الله عنهما "قال": بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم "فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس و لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم, فقال" النبي صلى الله عليه وسلم: "مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم الصوم". رواه البخاري1.
مسألة: "وإن قال لله علي نذر ولم يسمه فعليه كفارة يمين" ويسمى النذر المبهم فيه كفارة يمين في قول أكثرهم, وقد روي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم ولا نعلم فيها مخالفا إلا الشافعي رضي الله عنه قال: لا ينعقد نذره ولا كفارة عليه, ولنا ما روى عصبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين". رواه الترمذي, وقال: حديث حسن صحيح2, وهذا نص وهو قول جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفا فكان إجماعا.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه الترمذي في النذور والأيمان: حديث رقم 1528.

كتاب الأيمان
مدخل...
كتاب الأيمانومن حلف أن لا يفعل شيئا ففعله أو ليفعلنه في وقت فلم يفعله فيه فعليه كفارة يمين إلا أن يقول إن شاء الله متصلا بيمينه أو يفعله مكرها أو ناسيا فلا كفارة عليه,
ـــــــ
كتاب الأيمان
مسألة: "ومن حلف أن لا يفعل شيئا ففعله أو ليفعلنه في وقت فلم يفعله فيه فعليه كفارة يمين" والأصل في ذلك قول الله سبحانه: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} 1, وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها". متفق عليه2, وقال عليه السلام: "إذا حلف أحدكم على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه". متفق عليه3. وقال لعبد الرحمن: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" 4. فإذا حلف أن لا يفعل شيئا ففعله فقد حنث ولزمته الكفارة, وكذلك إن حلف ليفعلنه في وقت فلم يفعله فيه كقوله: لأصومن غدا فلم يصم حنث ولزمه الكفارة لا خلاف في هذا بين فقهاء الأمصار. قال ابن عبد البر: اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين هي اليمين على المستقبل من الأفعال.
مسألة: "إلا أن" يستثني فـ "يقول" لا فعلت "إن شاء الله" أو لأفعلن إن شاء الله "متصلا بيمينه" فلا يحنث إن فعله أو لم يفعله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فقد اسثتنى". رواه أبو داود من حديث ابن عمر5.
ـــــــ
1 - سورة المائدة: الآية 89.
2 - رواه البخاري في الأيمان: حديث رقم 6621. ومسلم في الأيمان: حديث رقم 9.
3 - رواه البخاري في الأيمان: حديث رقم 6622. ومسلم في الأيمان: حديث رقم 17.
4 - رواه مسلم في الأيمان: حديث رقم 19.
5 - رواه أبو داود في الأيمان والنذور: حديث رقم 3261.

ولا كفارة في الحلف على ماض سواء تعمد الكذب أو ظنه كما حلف فلم يكن ولا في اليمين الجارية على لسانه من غير قصد إليها كقوله في عرض حديثه لا والله
ـــــــ
مسألة: "وإن حلف أن لا يفعل شيئا ففعله مكرها أو ناسيا لم يحنث" لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" 1؛ ولأن فعل المكره لا ينسب إليه فلم تجب عليه كفارة كما لو لم يفعله.
مسألة: "ولا كفارة في الحلف على ماض سواء تعمد الكذب أو ظنه كما حلف فلم يكن" وذلك أن اليمين على الماضي ينقسم ثلاثة أقسام: ما هو فيه صادق فلا كفارة فيه إجماعا وما هو متعمد الكذب فيه فهي تسمى يمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في الإثم ولا كفارة فيها في ظاهر المذهب, وقال الشافعي رضي الله عنه: فيها الكفارة, وعن الإمام أحمد مثله لأنه وجدت منه اليمين والمخالفة مع القصد فلزمته الكفارة كالمستقبلة, ولنا أنها يمين غير منعقدة فلا توجب كفارة كاللغو أو يمين على ماض فأشبه اللغو وبيان أنها غير منعقدة أنها لا توجب برا ولا يمكن فيها, ولأنها قارنها ما ينافيها وهو الحنث فلم تنعقد كالنكاح إذا قارنه الرضاع ولأن الكفارة لا ترفع إثمها فلا تشرع فيها بدليل أنها كبيرة فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس". رواه البخاري2 وروي فيه: "خمس من الكبائر لا كفارة لهن: الإشراك بالله والفرار من الزحف وبهت المؤمن وقتل المسلم بغير حق والحلف على يمين فاجرة يقتطع فيها مال امرئ مسلم" 3, ولا يصح القياس على المستقبلة لأنها يمين معمودة فتجب الكفارة في حلها وهذه لا عقد لها فلا حل لها. قال ابن المنذر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" يدل على أن الكفارة إنما تجب بالحلف على فعل يفعله فيما يستقبله. القسم الثالث: ما يظنه فيتبين بخلاف ما ظنه فلا كفارة فيها لأنها من لغو اليمين واللغو نوعان: أحدهما: هذه لا كفارة فيها لأنها يمين غير منعقدة لأن الحنث مقارن لها فأشبهت يمين الغموس ولأنه غير قاصد المخالفة فأشبه ما لو حنث ناسيا, وعن الإمام أحمد أنه ليس من لغو اليمين وفيه الكفارة والمذهب الأول لما سبق. النوع الثاني: من اللغو "أن يحلف بلسانه من غير أن يعقد عليها قلبه بل تمر "على لسانه من غير قصد إليها", وقال عطاء: قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعني في اللغو في اليمين: "هو كلام الرجل في بيته: لا والله وبلى والله". أخرجه أبو داود وروي4.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه البخاري في الأيمان: حديث رقم 6675.
3 - سبق تخريجه.
4 - رواه أبو داود في الأيمان: حديث رقم 3254.

وبلى والله لقول الله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. ولا تجب الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى أو اسم من أسمائه أو صفة من صفات ذاته كعلمه وكلامه وعزته وقدرته وعظمته وعهده وميثاقه وأمانته إلا في النذر الذي يقصد به اليمين فإن كفارته كفارة يمين,
ولو حلف بهذا كله والقرآن جميعه فحنث أو كرر اليمين على
ـــــــ
عن عائشة موقوفا قالت: أيمان اللغو ما كان في المراء والهزل والمزاحة, والحديث الذي لا يعقد عليه القلب ولأن اللغو في كلام العرب الكلام غير المعقود وهذا كذلك وإذا ثبت هذا فاللغو لا كفارة فيه لقول الله سبحانه: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}, فجعل الكفارة لليمين التي يؤاخذ بها ونفي المؤاخذة باللغو فيلزم انتفاء الكفارة.
مسألة: "ولا تجب الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى أو اسم من أسمائه أو صفة من صفات ذاته كعلمه وكلامه وعزته وقدرته وعظمته وعهده وميثاقه وأمانته" أجمع أهل العلم على أن من حلف بالله عز وجل فقال: والله أو تالله أو بالله فحنث أن عليه الكفارة. قال ابن المنذر: وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون: من حلف باسم من أسماء الله عز وجل فحنث فعليه الكفارة ولا نعلم في ذلك اختلافا, وكذلك إن أقسم بصفة من صفات ذات الله تعالى في قولهم جميعا, وقال أبو حنيفة في قوله وعلم الله لا يكون يمينا: لأنه يحتمل المعلوم قلنا يبطل بقوله وقدرة الله فإنه يحتمل المقدور وقد سلموه.
مسألة: "إلا في النذر الذي يقصد به اليمين فإن كفارته كفارة يمين" وذلك أنه متى أخرج النذر مخرج اليمين -بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئا أو يحنث به على شيء مثل أن يقول: إن كلمت زيدا فعلي الحج أو صدقة مالي أو صوم شهر -فهذا يمين حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه فلا يلزمه شيء وبين أن يحنث فيتخير بين فعل المنذور وكفارة يمين, ويسمى هذا نذر اللجاج والغضب ولا يتعلق عليه الوفاء به وإنما يلزم نذر التبرر على ما سبق في باب النذر.
مسألة: "وقيل لا شيء عليه بالحلف بالحج ولا بصدقة ماله" لأن الكفارة إنما تلزم بالحلف بالله سبحانه لحرمة الاسم وهذا ما حلف باسم الله ولا يجب ما سماه لأنه لم يخرجه مخرج القربة وإنما التزمه على طريق العقوبة فلا يلزمه, وقال أبو حنيفة: يلزمه كنذر التبرر, ولنا ما روي عن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين". أخرجه الجوزجاني, وسعيد بن منصور. وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف بالمشي أو الهدي أو جعل ماله في سبيل الله عز وجل

شيء واحد قبل التكفير, أو حلف على أشياء بيمين واحدة لم يلزمه أكثر من كفارة
ـــــــ
أو في المساكين أو في رتاج الكعبة فكفارته كفارة يمين"؛ ولأنه قول عمر وابن عباس وابن عمر وعائشة وحفصة وزينب بنت أم سلمة رضي الله عنهم أجمعين ولا مخالف لهم في عصرهم نعلمه فكان إجماعا؛ ولأنه يمين فيدخل في قوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}, ودليل أنه يمين أنه يسمى بذلك ويسمى قائله حالفا وفارق نذر التبرر فإنه لم يخرجه مخرج اليمين وإنما قصد به التقرب وها هنا خرج مخرج اليمين فأشبهها من وجه وأشبه النذر من وجه فخيرناه بين الوفاء به والكفارة, وعن أحمد يتعين عليه الكفارة ولا يجزيه الوفاء بنذره لأنها يمين والأول أولى؛ لأنه جمع الصيغتين فيجب العمل بهما والخروج من عهدته بما يخرج به عن عهدة كل واحد منهما.
مسألة: "لو حلف بهذا كله" يعنى بأسماء الله وصفاته "والقرآن جميعه فحنث أو كرر اليمين على شيء واحد قبل التكفير أو حلف على أشياء بيمين واحدة" [فحنث] "لم يلزمه أكثر من كفارة". أما إذا حلف بالله وصفاته كلها أو كرر اليمين على شيء واحد مثل قوله عليه السلام: "والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا" ثم حنث فليس عليه إلا كفارة واحدة, وقال أصحاب الرأي: عليه كفارات إذا كررت اليمين إلا أن يقصد التأكيد لأن أسباب الكفارات تكررت فتتكرر الكفارات كالقتل وإتلاف صيد الحرم؛ ولأن اليمين الثانية مثل الأولى فتقتضي ما تقتضيه ولنا أنها أسباب كفارات من جنس فتداخلت كالحدود من جنس واحد وقد ثبت الأصل بقوله عليه السلام: "الحدود كفارات لأهلها", ولأن الثانية لا تفيد إلا ما أفادته الأولى فلم يجب أكثر من كفارة كما لو قصد التأكيد وقياسهم ينتقض بما إذا قصد التأكيد.
مسألة: وأما إذا حلف بالقرآن جميعه فحنث فعليه كفارة واحدة نص عليه, وعنه يلزمه لكل آية كفارة, روي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه, وقال الإمام أحمد لا أعلم شيئا يدفعه وعن مجاهد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية كفارة يمين فمن شاء بر ومن شاء فجر". رواه الأثرم ووجه الأولى قوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}, وهذه يمين فتدخل في عموم الآية ولأنها يمين فلم توجب أكثر من كفارة كسائر الأيمان؛ ولأن إيجاب كفارات بعدد الآيات يفضي إلى منع الحالف من البر والتقوى والإصلاح بين الناس وقد نهى الله سبحانه عن ذلك بقوله: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} 1، ولأن الحالف بصفات الله كلها وتكرار اليمين بالله سبحانه لا يوجب أكثر من كفارة فالحلف
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 224.

وإن حلف أيمانا على شيء فعليه لكل يمين كفارتها, ومن تأول في يمينه فله تأويله إلا أن يكون ظالما فلا ينفعه تأويله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك".
ـــــــ
بصفة واحدة من صفاته أولى أن تجزيه كفارة ويحمل كلام أحمد على الندب لا على الإيجاب فإن المنصوص عنه لكل آية كفارة فإن لم يمكنه فكفارة واحدة ورده إلى واحدة عند العجز دليل على أن ما زاد عليها غير واجب والله أعلم, وحديث مجاهد مرسل وقول ابن مسعود يحمل على الاختيار والاحتياط لكلام الله سبحانه والمبالغة في تعظيمه لاغير.
مسألة: "وإن حلف على أشياء بيمين واحدة لم يلزمه أكثر من كفارة" لأنها يمين واحدة كقوله: والله لا أكلت ولا شربت ولا لبست, وإن حنث في جنس انحلت في الجميع ولزمته الكفارة ولا نعلم في هذا خلافا.
مسألة: "وإن حلف أيمانا على" أشياء فقال: والله لا أكلت ولا شربت ولا لبست فحنث في الجميع "فعليه لكل يمين كفارتها" نص عليه في رواية المروذي, وقال أبو بكر: تجزيه كفارة واحدة نقلها ابن منصور عن الإمام أحمد. قال القاضي: وهي الصحيحة. قال أبو بكر: ما نقله المروذي عن أحمد قول أول لأبي عبد الله ومذهبه أن كفارة واحدة تجزيه لأنها كفارات من جنس واحد فتداخلت كالحدود من جنس واحد إذا اختلفت محالها بأن يسرق من جماعة أو يزني بنساء, ولنا أنها أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى فلم تكفر إحداها بكفارة الأخرى كما لو كفر عن إحداها قبل الحنث في الأخرى كالأيمان المختلفة الكفارة وهذا فارق الايمان على شيء واحد فإنه متى حنث في إحداها كان حنثا في الأخرى فلما كان الحنث واحدا كانت الكفارة واحدة وها هنا الحنث متعدد فكانت الكفارة متعددة.
مسألة: "ومن تأول في يمينه فله تأويله إلا أن يكون ظالما فلا ينفعه تأويله" لقوله عليه السلام: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" 1. ومعنى التأويل أن يقصد بكلامه محتملا يخالف ظاهره نحو أن يحلف أن هذا أخي ويعني به أنه أخوه في الإسلام أو المشابهة, وما رأيت فلانا يعني ما ضربت برئته, ولا ذكرته يعني ما قطعت ذكره, أو يقول جواري أحرار يعني سفنه, ونسائي طوالق يعني أقاربه دون زوجاته, فهذا وأشباهه إذا عناه بيمينه فهو تأويل لأنه خلاف الظاهر فلا يخلو الحالف من ثلاثة أحوال: أحدها أن يكون
ـــــــ
1 - رواه أبو في الأيمان: حديث رقم 3255.

..............................................................................
ـــــــ
مظلوما مثل أن يستحلفه سلطان على شيء لو صدق عنده لظلمه أو ضره أو يخاف على مسلم من ظالم فيحلف عنه فهذا له تأويله لقوله عليه السلام: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب". يعني سعة. الثاني: أن يكون الحالف ظالما كالذي يستحلفه الحاكم فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ ولا ينفعه تأويله لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك". رواه أبو داود, ولو ساغ ذلك للظالم لكان وسيلة إلى جحد الحقوق لأن مقصود اليمين تخويف الحالف ليرتدع عن الجحود خوفا من عاقبة اليمين الكاذبة, فإذا ساغ له التأويل انتفى ذلك وصار وسيلة إلى إبطال الحقوق. الثالث:لم يكن ظالما ولا مظلوما فظاهر كلام الإمام أحمد له تأويله؛ لأنه عني بكلامه ما يحتمله على وجه لم يتضمن إبطال حق أحد فجاز كما لو كان مظلوما, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا.

باب جامع الأيمان
ويرجع فيها إلى النية فيما يحتمله اللفظ
ـــــــ
باب جامع الأيمان"ويرجع فيها إلى النية فيما يحتمله اللفظ" سواء كان ما نواه موافقا لظاهر اللفظ أو مخالفا له, فالموافق للظاهر هو أن ينوي باللفظ موضوعه [الأصلي] مثل أن ينوي باللفظ العام العموم والمخالف يتنوع أنواعا: أحدها أن ينوي بالعام الخاص مثل أن يحلف لا يأكل لحما ولا فاكهة ويريد لحما بعينه أو فاكهة بعينها ومثل أن يحلف لا كلمت رجلا ويريد رجلا بعينه أو لا يتغدى يريد غداء بعينه اختصت يمينه بت, ومنه أن يحلف على ترك شيء مطلقا ويريد وقتا بعينه. والثاني: أن ينوي بالخاص العام مثل أن يحلف لا أشرب له الماء من العطش يريد قطع المنة فتتناول يمينه كل ما فيه منة فإنه شائع في الكلام التنيه بالأدنى على ما فوقه وبالأعلى على ما دونه فإذا نبه بشرب الماء في حال العطش على اجتناب كل نفع يصل إليه منه ويمتن به عليه كان صحيحا فإن لم يكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها لأنه دال على النية, وقال الشافعي رضي الله عنه: لا عبرة بالنية والسبب فيما يخالف اللفظ لأن الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين واليمين لفظه ولو أحنثناه على ما نواه لأحنثناه على ما نوى لا على ما حلف؛ ولأن اليمين لا تنعقد بالنية وكذلك لا يحنث بمخالفته ما نواه ولنا أنه شائع في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام بدليل قوله: {مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} 1, {وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} 2, {فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً} 3, والقطمير لفافة
ـــــــ
1 - سورة فاطر: الآية 13.
2 - سورة النساء: الآية 49.
3 - سورة النساء: الآية 53.

فإذا حلف لا يكلم رجلا يريد واحدا بعينه أو لا يتغدى يريد غداء بعينه اختصت يمينه به, وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يريد قطع منته حنث بكل ما فيه منة, وإن حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يريد قطع منتها فباعه وانتفع بثمنه حنث, وإن حلف ليقضينه حقه غدا يريد أن لا يتجاوزه فقضاه اليوم لم يحنث
ـــــــ
النواة والفتيل ما في شقها, والنقير النقرة في ظهرها, ولم يرد ذلك بعينه بل نفي كل شيء, وقال الحطيئة:
ولا يظلمون الناس حبة خردل
يريد لا يظلمون الناس شيئا وإذا كان سائغا, فقد نوى بكلامه ما يحتمله فيحنث كما لو لفظه؛ ولأننا أجمعنا على صحة التأويل في اليمين لغير الظالم وهو إرادة ما الظاهر خلافه وهذا مثله, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما لكل امرئ ما نوى" 1, فيدخل فيه ما اختلفنا فيه ولأن الشارع قد ينص على الحكم في صورة خاصة لمعنى فيثبت الحكم في كل ما وجد فيه المعنى ولا يقف على لفظه كتنصيصه على تحريم الربا في الأعيان الستة فثبت التحريم فيما وجد فيه معناها كذلك في كلام الآدمي.
مسألة: "فإذا حلف لا يكلم رجلا يريد واحدا بعينه أو لا يتغدى يريد غداء بعينه اختصت يمينه به" كما ذكرنا "وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يريد قطع منته حنث بكل ما فيه منة" لأن مبنى الأيمان على النية لا على اللفظ ونيته قطع المنة فيحنث بكل ما فيه منة.
مسألة: "وإن حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يريد قطع منتها فباعه وانتفع بثمنه حنث" لذلك.
مسألة: "وإن حلف ليقضينه حقه غدا يريد أن لا يتجاوزه فقضاه اليوم لم يحنث" اعتبارا بنيته؛ لأن مقتضى هذه اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد فإذا قضاه قبله فقد قضاه قبل خروج الغد وزاده خيرا؛ ولأننا قد بينا أن مبنى الأيمان على النية وهذا نوى بيمينه أن لا يجاوز الغد فتعلقت يمينه بهذا المعنى كما لو صرح به فإن لم يكن له نية رجع إلى سبب اليمين [وما هيجها] فإن كانت تقتضي التعجيل فهو كما لو نواه وإن لم يكن له نية ولا سبب فظاهر كلام الخرقي أنه لا يبر إلا بقضائه في الغد خاصة وهكذا في سائر الأيمان, فلو حلف ليصومن شعبان فصام رجبا لم يبر ولو حلف ليأكلن هذا الطعام في غد فأكله اليوم لم يبر وإن أكل بعضه اليوم وبعضه غدا لم يبر؛ لأن اليمين في الإثبات لا يبر فيها إلا بجميع المحلوف عليه فترك أكل بعضه إلى الغد كترك جميعه إلا أن ينوي بيمينه أن لا يجاوز ذلك الوقت.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.

وإن حلف لا يبيع ثوبه إلا بمائة فباعه بأكثر منها لم يحنث إذا أراد أن لا ينقصه عن مائة وإن حلف ليتزوجن على امرأته يريد غيظها لم يبر إلا بتزوج يغيظها به, وإن حلف ليضربنها يريد تأليمها لم يبر إلا بضرب يؤلمها, وإن حلف ليضربنها عشرة أسواط فجمعها فضربها ضربة واحدة لم يبر, فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها فيقوم مقام نيته لدلالته عليها, فإن عدم ذلك حملت يمينه على ظاهر لفظه فإن كان له عرف شرعي كالصلاة والزكاة حملت يمينه عليه وتناولت صحيحه, ولو حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا لم يحنث إلا أن يضيفه إلى ما لا يصح بيعه كالحر والخمر فتتناول يمينه صورة البيع, وإن لم يكن له عرف شرعي وكان له
ـــــــ
مسألة: "وإن حلف لا يبيع ثوبه إلا بمائة فباعه بأكثر منها لم يحنث إذا كان أراد أن لا ينقصه عن مائة" لذلك.
مسألة: "وإن حلف ليتزوجن على امرأته يريد غيظها لم يبر إلا بتزوج يغيظها به" لما سبق.
مسألة: "وإن حلف ليضربنها يريد تأليمها لم يبر إلا بضرب يؤلمها" لأنه قصد ذلك وبنى الأيمان على القصد والنية.
مسألة: "وإن حلف ليضربنها عشرة أسواط فجمعها فضربها بها ضربة واحدة لم يبر"؛ لأنه لا يفهم من ضرب عشرة أسواط إلا عشر ضربات متفرقات فيجب أن تحمل اليمين عليه؛ ولأن السوط آلة أقيم مقام المصدر وانتصب انتصابه فمعنى كلامه: لأضربن عشر ضربات بسوط, وكذلك لما قال الله سبحانه وتعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}, لم يجزه ضربة واحدة بثمانين سوطا, وأما قوله سبحانه: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} : فإن الله سبحانه خص بها أيوب عليه السلام ورخص له ولهذا امتن عليه, وكذلك المريض الذي يخاف عليه التلف أرخص له.
مسألة: "فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها فيقوم مقام نيته لدلالته عليها فإن عدم ذلك" يعني عدم السبب والنية جميعا "حملت على ظاهر" اللفظ "فإن كان له عرف شرعي" وموضوع لغوي حملت يمين الحالف على الشرعي دون اللغوي كالصلاة والصوم والزكاة والحج وهذا لا نعلم فيه خلافا.
مسألة: وتتناول اليمين الصحيح دون الفاسد "فلو حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا لم يحنث" لأن اليمين تتعلق بالبيع الشرعي والفاسد ليس بشرعي "إلا أن يضيفه إلى ما لا يصح بيعه كالحر والخمر فتتناول يمينه صورة البيع".
مسألة: "وإن لم يكن له عرف شرعي وكان له عرف في العادة كالدابة والظعينة حملت

عرف في العادة كالرواية والظعينة حملت يمينه عليه فلو حلف لا يركب دابة فيمينه على الخيل والبغال والحمير وإن حلف لا يشم الريحان فيمينه على الفارسي, والشواء هو اللحم المشوي, وإن حلف لا يطأ امرأته حنث بجماعها, وإن حلف لا يطأ دارا حنث بدخولها كيفما كان, وإن حلف لا يأكل لحما ولا رأسا ولا بيضا فيمينه على كل لحم ورأس كل حيوان وبيضه, والأدم كل ما جرت العادة بأكل الخبز
ـــــــ
يمينه عليه" لأن الظاهر أنه أراد ذلك "فلو حلف لا يركب دابة فيمينه على الخيل والبغال والحمير" لأن الدابة اسم لذلك عرفا.
مسألة: "و" إن "حلف لا يشم الريحان فيمينه على الفارسي" لأنه اسمه في العرف.
مسأله: "وإن حلف لا يأكل شواء فأكل لحما مشويا حنث" وإن أكل بيضا مشويا لم يحنث لذلك.
مسألة: "وإن حلف لا يطأ امرأته حنث بجماعها" لأن الوطء العرفي في الزوجة هو الجماع, "وإن حلف لا يطأ دار أخيه حنث بدخولها" ماشيا وراكبا, و "كيف ما كان" لما ذكرناه.
مسألة: "وإن حلف لا يأكل لحما ولا رأسا ولا بيضا فيمينه على كل لحم ورأس كل حيوان وبيضه" لأن لفظه عام في ذلك إلا أن يكون له نية فيقتصر على ما نواه, وقال ابن أبي موسى في الإرشاد: لا يحنث بأكل لحم السمك إلا أن ينويه بيمينه لأنه لا ينصرف إليه إطلاق اسم اللحم فإنه لو أمر وكيله أن يشتري له لحما فاشترى سمكا لم يلزمه ويصح أن ينفي عنه الاسم فيقول ما أكلت لحما, وإنما أكلت سمكا فلم يتعلق به الحنث عند الإطلاق كما لو حلف لا يقعد تحت سقف لا يحنث بقعوده تحت السماء, وقد سماها الله تعالى سقفا محفوظا لأنه مجاز كذا ها هنا, ولنا قول الله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً} 1, وقال تعالى: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} 2؛ ولأنه من جسم حيوان فكان لحما كسائر اللحم, وما ذكروه يبطل بلحم العصافير وصغار الطير فإنه لحم مع ما ذكروه ودعوى المجاز تحتاج إلى دليل والأصل في الإطلاق الحقيقة, وأما السماء فإن الحالف لا يقعد تحت سقف لا يمكنه التحرز من القعود تحته فلم يكن مراده بيمينه بخلاف ما نحن فيه.
مسألة: "والأدم كل ما جرت العادة بأكل الخبز به من مائع وجامد: كاللحم والبيض والملح والجبن والزيتون". وقال أبو حنيفة: ما لا يصطبغ به ليس بأدم لأن كل واحد منهما
ـــــــ
1 - سورة النحل: الآية 14.
2 - سورة فاطر: الآية 12.

به من مانع وجامد كاللحم والبيض والملح والجبن والزيتون, وإن حلف لا يسكن دارا تناول ما يسمى سكنى فإن كان ساكنا بها فأقام بعد ما أمكنه الخروج منها حنث وإن قام لنقل قماشه أو كان ليلا فأقام حتى يصبح أو خاف على نفسه فأقام حتى أمن لم يحنث.
ـــــــ
يرفع إلى الفم مفردا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سيد الإدام اللحم". ولأنه يؤتدم به عادة أشبه ما يصطبغ بت, ولا عبرة برفعه مفردا لأنهما يجتمعان في المضغ والبلع الذي هو حقيقة الأكل, فإن أكل ملحا فقد توقف الإمام أحمد عنه, وقال القاضي: إن أكله مع الخبز حنث.
مسألة: "وإن حلف لا يسكن دارا تناول ما يسمى سكنا فإن كان ساكنا بها فأقام بعدما أمكنه الخروج منها حنث" لأن استدامة السكنى كابتدائها في وقوع اسم السكنى عليها ألا تراه يقول: سكنت هذه الدار شهرا كما يقول لبست هذا الثوب شهرا.
مسألة: "وإن أقام لنقل" رحله و "قماشه لم يحنث" لأن الانتقال لا يكون إلا بالأهل والمال فيحتاج إلى أن ينقل ذلك معه حتى يكون منتقلا وعن زفر أنه يحنث وإن انتقل في الحال لأنه لا بد أن يكون ساكنا عقيب يمينه ولو لحظة فيحنث بها وليس بصحيح فإن ما لا يمكن الاحتراز منه لا تقع اليمين عليه ولا يراد باليمين؛ ولأنه ترك والتارك لا يسمى ساكنا.
مسألة: وإن أقام لنقل قماشه وأهله لم يحنث, وقال الشافعي: يحنث ولنا أن الانتقال إنما يكون بالأهل والمال فلا يمكنه التحرز من هذه الإقامة فلا تقع اليمين عليها.
مسألة: وإن "كان ليلا فأقام حتى يصبح أو خاف على نفسه" أو ماله "فأقام" في طلب النقلة ينتظر زاول المانع منها "لم يحنث", وإن مكث أياما وليالي لأن إقامته لدفع الضرر وانتظار الإمكان لا للسكنى.

باب كفارة اليمين
وكفارتها: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ
ـــــــ
باب كفارة اليمين"وكفارتها {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ}, أجمع المسلمون على أن الحانث في يمينه بالخيار إن شاء أطعم وإن شاء كسا وإن شاء أعتق أي ذلك فعل أجزأه؛ لأن الله سبحانه عطف هذه الخصال بعضها على بعض بحرف, "أو" وهى للتخيير قال الله سبحانه: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ

تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ}.
ـــــــ
أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}, والواجب في الإطعام إطعام عشرة مساكين لنص الله سبحانه على عددهم ويعتبر فيهم أربعة شروط: الأول: أن يكونوا مساكين وهم الصنف الذي يدفع إليهم في الزكاة, والفقير داخل فيهم لأنه مسكين وزيادة, وأن يكونوا أحرارا واختار الشريف أبو جعفر دفعها إلى المكاتب لأنه ممن يجوز دفع الزكاة إليه ولنا أن الله سبحانه عده صنفا في الزكاة غير صنف المساكين فيدل على أنه ليس بمسكين, والكفارة إنما هي للمساكين بدليل الآية ولأن المسكين يدفع إليه لتتم كفايته والمكاتب إنما يأخذ لفكاك رقبته ما كفايته فإنها حاصلة بكسبه فإن عجز رجع إلى سيده فاستغنى بإنفاقه, ويخالف الزكاة فإنها تدفع إلى الغني والكفارة بخلافها ويشترط أن يكونوا مسلمين فلا يجوز صرفها إلى كافر, وقال أصحاب الرأي: يجوز دفعها إلى أهل الذمة لدخولهم في اسم المساكين, وخرج أبو الخطاب وجها لذلك ولنا أنهم كفار فلم يجز إعطاوهم كمستأمني أهل الحرب, والآية مخصوصة بهذا فنقيس عليه. الشرط الرابع: أن يكونوا قد أكلوا الطعام فإن كان طفلا لم يأكل لم يجز الدفع إليه في ظاهر كلام الخرقي وهي إحدى الروايتين عن أحمد, وعنه لا يشترط ذلك. قال أبو الخطاب: هذا قول أكثر الفقهاء لأنه حر مسلم محتاج فأشبه من يطعم ولنا قوله عز وجل: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}, وهذا يقتضي أكلهم له فإذا لم تعتبر حقيقة الأكل وجب اعتبار مظنته ولا تتحقق مظنة الأكل ممن لم يطعم؛ ولأنه لو كان المقصود دفع حاجته جاز دفع القيمة ولم يتعين الإطعام, وهذا يقيد ما ذكروه فإذا اجتمعت هذه الأوصاف جاز الدفع إليه غير أن المحجور يقبض له وليه.
"فصل": ويطعم لكل مسكين مد من حنطة أو دقيق أو رطلان من خبز أو مدان تمرا أو شعيرا, والمخرج في الكفارة ما يجزئ في الفطرة وهو البر والشعير والتمر والزبيب قياسا لها عليها وفي الخبز روايتان: إحداهما يجزئه لقوله سبحانه: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} 1, ومن أخرج الخبز فقد أطعم, والأخرى لا يجزئه لأنه خرج عن حال الكمال فأشبه الهريسة فإن قلنا يجزئه اعتبر أن يكون من مدبر فصاعدا, وقال الخرقي: لكل مسكين رطل خبز لأن الغالب أنها تكون إلا من مد أو أكثر ولا يجزئ من البر أقل من مد ولا من غيره أقل من مدين؛ لما روى الإمام أحمد بإسناده عن أبي يزيد المدني قال: جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمظاهر: "أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مدبر" 2, وهذا نص.
مسألة: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ}. الآية.
ـــــــ
1 - سورة المجادلة: الآية 4.
2 - رواه أحمد في المسند 4/37, 6/410.

وهو مخير بين تقديم الكفارة على الحنث أو تأخيرها عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير". وروي: "فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه", ويجزئه في الكسوة ما تجوز الصلاة فيه: للرجل ثوب وللمرأة درع وخمار, ويجزئه أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة
ـــــــ
مسألة: "وهو مخير بين تقديم الكفارة على الحنث وتأخيرها عنه" لقوله عليه السلام: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خيرا". وروي: "فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه". متفق عليه1.
مسألة: "ويجزيه في الكسوة ما تجوز الصلاة فيه: للرجل ثوب وللمرأة درع وخمار" وقال الشافعي: يجزيه أول ما يقع عليه الاسم من سراويل أو إزار أو رداء أو مقنعة أو عمامة, وفي القلنسوة وجهان لأن ذلك يقع عليه اسم الكسوة فأشبه ما يجزئ في الصلاة, ولنا أن الكسوة أحد أنواع الكفارة فلم يجزئ فيه ما يقع عليه الاسم كالإطعام والإعتاق؛ ولأن اللابس ما لا يستر عورته يسمى عريانا لا مكتسيا, وكذلك لابس السراويل أو مئزر وحده يسمى عريانا, فوجب أن لا يجزيه؛ ولأنه مصروف إلى المساكين فيقدر كالإطعام, إذا ثبت هذا فإذا كسا امرأة أعطاها درعا وخمارا؛ لأنه أقل ما يجزئها الصلاة فيه وإن كسا الرجل أجزأه قميص أو ثوب يستر عورته به ويجعل على عاتقه منه شيئا أو ثوبين يأتزر بأحدهما ويجعل الآخر على عاتقه ولا يجزيه مئزر وحده ولا سراويل وحده؛ لقوله عليه السلام: "لا يصلي أحدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء" 2.
مسألة: "ويجزئه أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة" وعند الشافعي لا يجزئه لقوله سبحانه: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ}, فوجه الحجة أنه جعل الكفارة أحد هذه الخصال الثلاث ولم يأت بواحدة منها. الثاني: أن اقتصاره على هذه الثلاث يدل على انحصار لتكفير فيها وما ذكرتموه قسم رابع ولأنه نوع من التكفير فلم يجز تبعيضه كالعتق, ولنا أنه أخرج من جنس المنصوص عليه بعدة العدد الواجب فأجزأ كما لو أخرجه من جنس؛ ولأن كل واحد من النوعين يقوم مقام صاحبه في جميع العدد فقام مقامه في بعضه كالتيمم لما جاز أن يقوم مقام الماء في جميع البدن في الجنابة جاز في بعضه في طهارة الحدث وفيما إذا كان بعض بدنه جريحا وبعضه صحيحا؛ ولأن معنى الطعام والكسوة متقارب إذ القصد منها سد الخلة ودفع الحاجة وتنوعهما من حيث كونهما في الإطعام إشباع الجوعة وفي الكسوة ستر العورة ولا يمنع
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - سبق تخريجه.

ولو أعتق نصف رقبة أو أطعم خمسة أو كساهم أو أعتق نصف عبدين لم يجزه, ولا يكفر العبد إلا بالصيام ويكفر بالصوم من لم يجد ما يكفر به فاضلا عن مؤنته ومؤنة
ـــــــ
الإجزاء في الكفارة الملفقة منهما كما لو كان أحد الفقيرين محتاجا إلى ستر العورة والآخر إلى الاستدفاء, وأما الآية فإنها تدل بمعناها على ما ذكرناه ولأنها دلت على أنه مخير في كل فقير من العشرة بين أن يطعمه أو يكسو, وهذا يقتضي ما ذكرناه ويصير كما يتخير في فداء الصيد الحرمي بين أن يفديه بالنظير أو يقوم النظير بدراهم فيشتري بها طعاما فيتصدق به أو يصوم عن كل مد يوما فلو صام عن بعض الأمداد وأطعم بعضا جاز كذا ها هنا.
مسألة: "ولو أعتق نصف رقبة أو أطعم خمسة مساكين أو كساهم" لم يجزئه لأن مقصودهما مختلف متباين إذ كان القصد من العتق تكميل الأحكام أو تخليصه من الرق والقصد من الإطعام والكسوة سد الخلة وإبقاء النفس بدفع المسغبة في الإطعام ودفع ضرر الحر والبرد في الكسوة فلتقارب معناهما جرتا مجرى الجنس الواحد, فكملت الكفارة من أحدهما بالآخر ولذلك سوى بين عددهما ولتباعد مقصد العتق منهما ومباينته لهما لم يجر معهما مجرى الجنس الواحد, ولذلك خالف عدده عددهما فلم يكمل به أحدهما ولو يكمل هو بواحد منهما.
مسألة: وإن "أعتق نصف عبدين لم يجزه" وهو اختيار أبي بكر لأن المقصود من العتق تكميل الأحكام ولا يحصل ذلك من إعتاق نصفين, والمذهب أنه يجزي. قال الشريف: هذا قول أكثرهم, ولأصحاب الشافعي قولان كذلك ومنهم من قال: إن كان نصف الرقبتين حرا أجزأ لأنه يحصل تكميل الأحكام وإن كان رقيقا لم يجز لأنه لم يحصل.
مسألة: "ولا يكفر العبد إلا بالصيام" لا خلاف بين أهل العلم في أن العبد يجزيه الصيام في الكفارة لأن ذلك فرض الحر المعسر وهو أحسن حالا من العبد فإنه يملك في الجملة فلو أذن له سيده في التكفير بالمال لم يلزمه لأنه ليس بمالك لما أذن له فيه وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزيه التكفير بغير الصيام, وقال أصحابنا فيما إذا أذن له سيده في التكفير بالمال روايتان: إحداهما يجوز تكفيره به لأنه بإذن سيده يصير قادرا على التكفير بالمال فجاز له ذلك كالحر, والرواية الأخرى لا يجزيه لأنه لا يملك المال فيكون تكفيره بغير ماله فلم يصح كما لو أعتق الحر عبد غيره عن كفارته وعلى الروايتين لا يلزمه التكفير بالمال, وإن أذن له سيده لأن فرضه الصيام فلم يلزمه غيره كما لو أذن موسر لحر معسر في التكفير من ماله.
مسألة: "ويكفر بالصوم من لم يجد ما يكفر به فاضلا عن مؤنته ومؤنة عياله وقضاء

عياله وقضاء دينه ولا يلزمه أن يبيع في ذلك شيئا يحتاج إليه من مسكن وخادم وأثاث وكتب وآنية وبضاعة يختل ربحها المحتاج إليه, ومن أيسر بعد شروعه في الصوم لم يلزمه الانتقال عنه ومن لم يجد إلا مسكينا واحدا ردد عليه عشرة أيام
ـــــــ
دينه". قال الشافعي: من كان له الأخذ من الزكاة لحاجته فله الصيام لأنه فقير ولنا ظاهر قوله سبحانه: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ}, ومن لم يجد ما يكفر به فاضلا عن مؤنته ومؤنة عياله فليس بواجد ولأنه حق لا يزيد بزيادة المال فاعتبر فيه الفاضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته كصدقة الفطر فإن ملك ما يكفر به وعليه دين مثله وهو مطالب به فلا كفارة عليه؛ لأنه حق آدمي, والكفارة حق الله سبحانه فإذا كان مطالبا به وجب تقديمه كتقديمه على زكاة الفطر, وإن لم يكن مطالبا به فكلام أحمد يقتضي روايتين: إحداهما لا يجب لذلك والأخرى يجب لأنه لا يعتبر فيها قدر من المال فلم تسقط بالدين كزكاة الفطر.
مسألة: "ولا يلزمه أن يبيع في ذلك شيئا من مسكن وخادم وأثاث وكتب وآنية وبضاعة يختل ربحها المحتاج إليه" لأن الكفارة إنما تجب فيما يفضل عن حاجته الأصلية وهذا من حوائجه الأصلية فلا يلزمه بيع شيء من ذلك لأنه يضر به كثيرا, وقد قال عليه السلام: "لا ضرر ولا ضرار" 1.
مسألة: "ومن أيسر بعد شروعه في الصوم لم يلزمه الانتقال عنه" لأنه بدل لا يبطل بالقدرة عن المبدل فلم يلزمه الرجوع إليه كما لو قدر على الهدي في صوم السبعة الأيام فإنه لا يخرج بغير خلاف, والدليل على أن البدل لا يبطل ها هنها أن البدل الصوم والصوم صحيح مع قدرته اتفاقا.
مسألة: "ومن لم يجد إلا مسكينا واحدا ردد عليه عشرة أيام" وعنه لا يجزيه إلا كمال العدد لقوله سبحانه: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}, ومن أطعم واحدا فما أطعم عشرة, ودليل الأولى وأنه يجزي أن ترديد الإطعام على الواحد في عشرة أيام في معنى إطعام عشرة لأنه قد دفع الحاجة في عشرة أيام فأشبه ما لو أطعم كل يوم واحدا والشيء بمعناه يقوم مقام وجوده بصورته في المعنى, ولا يجتزئ بها مع المقدرة على المبدلات كذا ها هنا.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.

كتاب الجنايات
مدخل...
كتاب الجناياتالقتل بغير حق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: العمد وهو أن يقتله بجرح
ـــــــ
كتاب الجنايات
مسألة: "القتل بغير حق ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها العمد" المحض وهو نوعان: أحدهما أن يضربه بمحدد وهو ما يقطع به ويدخل في البدن كالسيف والسكين والنشاب وما يجرح بحده وإن كان زجاجا أو خشبا أو قصبا فهذا كله إذا جرح به جرحا كبيرا فمات فهو قتل عمد لا خلاف فيه بين أهل العلم فيما علمناه. فأما الجرح الصغير كشرطة حجام أو غرزة بإبرة أو شوكة نظرت: فإن كان ذلك في مقتل كالعين والفؤاد والصدغ فمات فهو عمد لأن الإصابة بذلك في المقتل كالإصابة بالسكين في غير, مقتل وإن كان في غير مقتل نظرت: فإن كان قد بالغ في إدخالها في البدن فهو كالجرح الكبير وإن غرزه بها غرزا يسيرا أو جرحه بالكبير جرحا لطيفا كشرطة الحجام فما دونها في غير مقتل فقال أصحابنا: إن بقي فيها حتى مات ففيه القود لأن الظاهر أنه مات منه, وإن مات في الحال ففيه وجهان: أحدهما لا قصاص. قال ابن حامد: لأن الظاهر أنه لم يمت منه. والثاني: فيه القصاص لأن المحدد لا يعتبر فيه غلبة ظن القتل به بدليل ما لو قطع أنملته؛ ولأن في البدن مقاتل خفية وهذا له سراية ومور فأشبه الجرح الكبير. الثاني: أن يقتله بما ليس بمحدد بما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله فهذا عمد موجب للقصاص أيضا. وقال أبو حنيفة: لا قود في هذا إلا أن يكون قتله بالنار, وعنه في مثقل الحلائل روايتان واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل" 1. فسماه "عمد الخطأ" وأوجب فيه الدية دون القصاص؛ ولأن العمد لا يمكن اعتباره بنفسه فيجب ضبطه بمظنته ولا يمكن ضبطه بما يقتل غالبا لأن ذلك يختلف وهو
ـــــــ
1 - رواه النسائي في القسامة: 31- باب كم دية شبه العمد: حديث رقم 1. و: 32- باب ذكر الاختلاف على خالد: حديث رقم 1. وابن ماجه في الديات: حديث رقم 2627. وأحمد في المسند 2/11 و 36 و46.

أو فعل يغلب على الظن أنه يقتله كضربه بمثقل كبير أو تكريره بصغير أو إلقائه من شاهق أو خنقه أو تحريقه أو تغريقه أو سقيه سما أو الشهادة عليه زورا بما يوجب قتله أو الحكم عليه به أو نحو هذا قاصدا عالما بكون المقتول آدميا معصوما فهذا
ـــــــ
مستقصى بما لو جرحه جرحا صغيرا لا يقتل مثله غالبا كقطع شحمة أذنه وأنملة وغرزة بإبرة فوجب ضبطه بالجارح, ولنا قوله سبحانه: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً} 1, وروى أنس بن مالك رضي الله عنه: أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين. متفق عليه2. وروى أبو هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يود وإما أن يقاد". متفق عليه3؛ ولأنه يقتل غالبا فوجب به القصاص كالمحدد, وأما الحديث فمحمول على المثقل الصغير لأنه ذكر العصا والسوط وقرن به الحجر فدل على أنه أراد الصغير, وقولهم لا يمكن ضبطه ممنوع وصغير المحدد قد تقدم الكلام فيه. إذا ثبت هذا فمن صور المسألة أن يضربه بمثقل كبير سواء كان من حديد كاللت والسندان والمطرقة أو حجر ثقيل أو خشبة كبيرة أو يلقي عليه حائطا أو صخرة عظيمة أو ما أشبهه فيموت بذلك ففيه القود؛ لأنه يقتل غالبا ومنها أن يضربه بمثقل صغير أو يلكزه بيده فإن كان في مقتل أو في حال ضعف من المضروب بحيث تقتله تلك الضربة غالبا أو كرر الضرب حتى قتله أو عصر خصيتيه عصرا شديدا فمات منه ففيه القود لذلك, ومنها أن يلقيه من شاهق كرأس جبل أو حائط عال فهو عمد أيضا, ومنها أن يمنع خروج نفسه إما أن يجعل في عنقه خراطة ثم يعلقه في خشبة بحيث يرتفع عن الأرض فيختنق أو يخنقه وهو على الأرض بيده أو بمنديل أو حبل أو يغمه بوسادة أو شيء يضعه على فمه وأنفه مدة فيموت, فإن فعله مدة يموت فيها غالبا فمات فهو عمد وفيه القصاص, ومنها أن يلقيه في نار أو ماء لا يمكنه التخلص من ذلك لكثرة الماء والنار أو لمنعه إياه من الخروج أو لضعفه عن الخروج فهو عمد يقتل غالبا, ومنها أن يسقيه سما أو يطعمه قاتلا فيموت به فهو عمد إذا كان مثله يقتل غالبا, ومنها أن يشهد رجلان على رجل بما يوجب قتله فيقتل بشهادتهما ثم رجعا واعترفا بتعمد القتل وجب عليهما القتل قصاصا؛ لأن رجلين شهدا عند علي رضي الله عنه على رجل أنه سرق فقطعه ثم رجعا عن شهادتهما فقال علي: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما وغرمهما دية يده؛ ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبا فأشبه المكره, ومنها إذا حكم الحاكم على رجل بالقتل ظلما عالما بذلك متعمدا قتله فقتل واعترف بذلك وجب القصاص عليه, والخلاف
ـــــــ
1 - سورة الإسراء: الآية 33.
2 - رواه البخاري في الديات: حديث رقم 6879. ومسلم في القسامة: حديث رقم 15.
3 - رواه البخاري في: 183 الديات: حديث رقم 6880.

يخير الولي فيه بين القود والدية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل له قتيل فهو يخير النظيرين: إما أن يقتل وإما أن يفديه" وإن صالح القاتل عن القود بأكثر من دية جاز
ـــــــ
فيه كالشاهدين. وفي هذه الصور جميعها يتخير الولي بين القود والدية؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يود وإما يقاد". متفق عليه1. وروى أبو شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرين: إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية". رواه أبو داود وغيره2, وروي عن أحمد رحمه الله أن موجب العمد القصاص عينا لقوله صلى الله عليه وسلم: "من قتل عمدا فهو قود" 3؛ ولأنه بدل متلف فكان معينا كسائر المتلفات والأول أولى لما سبق من الأحاديث لقوله سبحانه: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ}, أوجب الاتباع بمجرد العفو عن القصاص وأما الخبر فالمراد به وجوب القصاص ونحن نقول به ويخالف القتل سائر المتلفات لأن بدلها لا يختلف بالقصد وعدمه والقتل بخلافه, وللشافعي رضي الله عنه كهاتين الروايتين فإن قلنا موجبة للقصاص عنها فله العفو مطلقا وله العفو على مال فإن عفا بشرط المال وجبت الدية وإن عفا مطلقا لم يجب شيء وإن قلنا الواجب أحد الأمرين لا بعينه فعفا عن القصاص مطلقا أو إلى الدية وجبت الدية لأن الواجب غير متعين فإذا ترك أحدهما تعين الآخر وإن اختار الدية سقط القصاص وإن اختار القصاص تعين, وهل له بعد ذلك العفو على الدية؟ قال القاضي: له ذلك لأن القصاص أعلى فكان له الانتقال إلى الأدنى ويكون بدلا عن القصاص وليس الذي وجب بالقتل ويحتمل أنه ليس ذلك لأنه أسقطها باختياره فلم يعد إليها.
مسألة: "وإن صالح القاتل عن القود بأكثر من" الـ "دية جاز". قال شيخنا: لا أعلم فيه خلافا لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد القتل". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب4. وروي أن هدبة بن خشرم قتل قتيلا فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول سبع ديات ليعفو عنه فأبى ذلك وقتله؛ ولأنه عوض عن غير مال فجاز الصلح عنه بما اتفقوا عليه كالصداق وعوض الخلع ولأنه صلح
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4505.
3 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4539.
4 - رواه الترمذي في الديات: حديث رقم 1387.

الثاني: شبه العمد وهو أن يتعمد الجناية عليه بما لا يقتله غالبا فلا قود فيه والدية على العاقلة.
الثالث: الخطأ وهو نوعان: أحدهما: أن يفعل ما لا يريد به المقتول فيفضي إلى قتله أو يتسبب إلى قتله بحفر بئر أو نحوه وقتل النائم والصبي والمجنون فحكمه حكم شبه العمد.
النوع الثاني: أن يقتل مسلما في دار الحرب يظنه حربيا أو يقصد رمي صف
ـــــــ
عن ما لا يجري فيه الربا فأشبه الصلح عن العروض.
"الثاني: شبه العمد وهو أن يتعمد الجناية عليه بما لا يقتله غالبا فلا قود فيه والدية على العاقلة" وسمي شبه العمد لأنه قصد الضرب وأخطأ في القتل ويسمى خطأ العمد وعمد الخطأ وقال أبو بكر: تجب به الدية في مال القاتل لأنه موجب فعل عمد فكان في مال الفاعل كسائر الجنايات, ولنا ما روى أبو هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها". متفق عليه1. وقال عليه الصلاة والسلام: "ألا إن في قتيل خطأ العمد وقتيل السوط والعصا مائة من الإبل" 2. فسماه خطأ العمد وأوجب فيه الدية لا القصاص وفي لفظ رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه" 3.
"الثالث: الخطأ, وهو نوعان: أحدهما: أن يفعل" فعلا "لا يريد به المقتول فيفضي إلى قتله" قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القتل الخطأ أن يرمي الرامي شيئا فيصيب غيره ولا أعلمهم يختلفون فيه فهذا الضرب من الخطأ تجب به الدية على العاقلة والكفارة في مال القاتل بغير خلاف علمناه بينهم بدليل قوله سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} 4.
مسألة: "أو يتسبب إلى" القتل "بحفر بئر وقتل النائم والمجنون والصبي فحكمه حكم شبه العمد" يعني أنه لا يوجب القصاص وإنما يوجب الدية ودليله ما سبق.
"النوع الثاني: أن يقتل مسلما في دار الحرب يظنه حربيا أو يقصد رمي صف الكفار
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الديات: حديث رقم 6904. ومسلم في القسامة: حديث رقم 34.
2 - سبق تخريجه.
3 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4565.
4 - سورة النساء: الآية 92.

الكفار فيصيب سهمه مسلما ففيه كفارة بلا دية لقول الله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ},
ـــــــ
فيصيب سهمه مسلما ففيه كفارة بلا دية لقوله سبحانه: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}, وعنه تجب فيه الدية والكفارة لقوله سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} , ولنا ما سبق من الآية ولم يذكر دية وتركه لذكرها في هذا النوع مع ذكرها في الذي قبله دليل ظاهر أنها لا تجب وذكره لهذا قسما مفردا دليل على أنه لم يدخل في عموم الآية.
باب شروط وجوب القصاص و استيفائه...
باب شروط وجوب القصاص واستيفائه
ويشترط لوجوبه أربعة شروط: أحدها: كون القاتل مكلفا فأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما, الثاني: كون المقتول معصوما فإن كان حربيا أو مرتدا
ـــــــ
باب شروط وجوب القصاص واستيفائه
"ويشترط لوجوب" القصاص "أربعة شروط: أحدها" أن يكون "القاتل مكلفا فأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما" لقوله عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ" 1. وحكم قتلهما حكم قتل الخطأ لأن عمدهما خطأ لكونهما لا يصح منهما قصد صحيح بدليل أنه لا يصح إقرارهما ولهذا لما قصد الصيد ولم يقصد آدميا فوقع في الآدمي فقتله فلا قصاص عليه كذا ها هنا. "الثاني: كون المقتول معصوما فإن كان حربيا أو مرتدا أو قاتلا في المحاربة أو زانيا محصنا أو قتله دفعا عن نفسه أو ماله أو حرمته فلا ضمان فيه" لأن دماءهم مهدرة فلا يقتل قاتلهم كما لو كان المقتول حربيا وقد قال عليه الصلاة والسلام: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق" 2. والصائل متعد أهدر دم نفسه فصار كالقاتل في المحاربة؛ ولأن قتل الصائل لدفع شره فلا يجب فيه ضمان كقتل الباغي, والصائل من طلب نفسه أو ماله أو حرمته أو زوجته أو بعض أقاربه من نسائه. "الثالث: كون المقتول مكافئا للقاتل فيقتل الحر المسلم بالحر المسلم" إجماعا "ذكرا كان أو أنثى" وعنه لا يقتل الذكر بالأنثى وتعطى نصف الدية ذكرها أبو الخطاب لأن ديتها على النصف من دية الذكر والأولى أولى لقوله سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} 3.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه البخاري بنحوه في الديات: حديث رقم 6878. ومسلم في القسامة: حديث رقم 25, 26.
3 - سورة المائدة: الآية 45.

أو قاتلا في المحاربة أو زانيا محصنا أو قتله دفعا عن نفسه أو ماله أو حرمته فلا ضمان فيه, الثالث: كون المقتول مكافئا للجاني فيقتل الحر المسلم بالحر المسلم ذكرا كان أو أنثى ولا يقتل حر بعبد ولا مسلم بكافر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل مؤمن بكافر", ويقتل الذمي بالذمي ويقتل الذمي بالمسلم ويقتل العبد بالعبد ويقتل الحر بالحر
ـــــــ
مسألة: "ولا يقتل حر بعبد" روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وزيد وابن الزبير, وقال أصحاب الرأي: يقتل به لعموم النصوص وقوله: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" 1. ولأنه معصوم قتل ظلما فيجب القصاص على قاتله كالحرين والعبدين؛ ولما روي عن علي أنه قال: من السنة أن لا يقتل حر بعبد وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقتل حر بعبد". رواه الدارقطني ولأنهما شخصان لا يجري القصاص بينهما في الأطراف فلا يجري بينهما في النفس كالأب مع ابنه ولأنه منقوص بالرق فلا يقتل به الحر كالمكاتب الذي ملك ما يؤدي عنه والعمومات مخصوصة بما ذكرنا.
مسألة: "ولا" يقتل "مسلم بكافر" روي ذلك عن خمسة من الصحابة. وقال أصحاب الرأي: يقتل بالذمي واحتجوا بقوله سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}, وروى ابن السلماني أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد مسلما بذمي وقال: "أنا أحق من وفى بذمته" ولأنه معصوم قتل ظلما فيجب على قاتله القصاص كالمسلم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل مؤمن بكافر". رواه الإمام أحمد بإسناده وأبو داود وروى البخاري وأبو داود: "لا يقتل مسلم بكافر". وروى الإمام أحمد بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه قال: من السنة لا يقتل مؤمن بكافر, ولأنه منقوص بالكفر فلم يقتل به المسلم كالمستأمن والعمومات مخصوصة بحديثنا وحديثهم. قال أحمد: ليس لنا إسناد وقال: وهو مرسل. قال الدارقطني: ابن السلماني ضعيف إذا أسند فكيف إذا أرسل والمعنى في المسلم أنه مكان المسلم بخلاف الذمي.
مسألة: "ويقتل الذمي بالذمي" سواء اتفقت أديانهما أو اختلفت نص عليه لأنهما تكافآ في العصمة بالذمة ونقيضه الكفر فجرى القصاص بينهما كما لو تساوى دينهما.
مسألة: "ويقتل الذمي بالمسلم" لأنه إذا قتل بمثله فلأن يقتل بمن هو فوقه أولى.
مسألة: "ويقتل العبد بالحر" لذلك.
مسألة: "ويقتل العبد بالعبد" لأنه مكافئ له وعنه لا يقتل به إلا أن يكون مساويا له
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4530.

الرابع: أن لا يكون أبا للمقتول فلا يقتل والد بولده وإن سفل والأبوان في هذا سواء ولو كان ولي الدم ولدا أو له فيه حق وإن قل لم يجب القود.
فصل
ويشترط لجواز استيفائه شروط ثلاثة: أحدها: أن يكون لمكلف فإن كان
ـــــــ
في القيمة لأن العبيد أموال فأشبهوا البهائم والأول أولى لقوله سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}, الآية. وهذا نفس فيقتل بت, وقال سبحانه: {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى}. "الرابع: أن لا يكون أبا للمقتول فلا يقتل الوالد بولده وإن سفل" لما روى عمر بن الخطاب وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقتل والد بولده" 1. وذكره ابن عبد البر وقال: هو حديث مشهور عند أهل العلم في الحجاز والعراق مستفيض عندهم يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه حتى يكون الإسناد فيه مع شهرته تكلفا؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنت ومالك لأبيك" 2. وقضية هذه الإضافة تمليكه إياه فإذا لم تثبت حقيقة الملك بقيت الإضافة شبهة في درء القصاص لأنه يدرأ بالشبهات. "والأم كالأب" لأنها والدة أشبهت الأب والجد وإن علا كالأب سواء كان من قبل الأب أو الأم لأنه والد فيدخل في عموم الخبر ولأنه حكم يتعلق بالولادة فاستوى فيه القريب والبعيد كالمحرمية والعتق عليه إذا ملكه.
مسألة: "ولو كان ولي الدم ولدا أو له فيه حق وإن قل لم يجب القود" فلو كان رجل له زوجة وله منها ابن فقتل أحد الزوجين الآخر لم يجب القصاص لأنه لو ثبت لثبت للابن والابن لا يجب له القصاص على والده لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه فلأنه لا يجب عليه بجناية على غيره أولى.
"فصل: ويشترط لجواز استيفائه شروط ثلاثة: أحدها أن يكون لمكلف فإن كان لغيره أو له فيه حق -وإن قل- م يجز استيفاؤه". أما إذا ثبت القصاص لمكلف فإن له استيفاءه كما له استيفاء جميع حقوقه وإن ثبت لغير مكلف كقصاص ثبت للصغير كصغير قتلت أمه وليست زوجة لأبيه فالقصاص للصغير ليس لأبيه استيفاؤه وذكر أبو الخطاب فيه رواية أنه يجوز لأنه أحد بدلي النفس فكان للأب استيفاؤه كالدية, ولنا أنه لا يملك إيقاع الطلاق بزوجته فلا يملك استيفاء القصاص كالوصي ولأن القصد التشفي ودرك الغيظ وذلك لا يحصل باستيفاء الولي, ويخالف الدية فإن الغرض يحصل باستيفاء الأب لها فافترقا.
ـــــــ
1 - رواه ابن ماجه في الديات: حديث رقم 2661, 2662.
2 - رواه ابن ماجه في التجارات: حديث رقم 2291, قال في الزوائد: إسناده صحيح, ورجاله ثقات على شرط البخاري.

لغيره أو له فيه حق -وإن قل- لم يجز استيفاؤه وإن استوفى غير المكلف حقه بنفسه أجزأ ذلك.
الثاني: اتفاق جميع المستحقين على استيفائه فإن لم يأذن فيه بعضهم أو كان فيهم غائب لم يجز استيفاؤه فإن استوفاه بعضهم فلا قصاص عليه وعليه بقية ديته
ـــــــ
مسألة: وإن ثبت لمكلف وغيره كصبي أو مجنون فإنه ليس للمكلف استيفاؤه حتى يبلغ الصبي أو يفيق المجنون, وعنه رواية أخرى للمكلف استيفاؤه لأن الحسن بن علي رضي الله عنه قتل ابن ملجم قصاصا وفي الورثة صغار فلم ينكر ذلك ولأن ولاية القصاص عبارة عن استحقاق استيفائه وليس للصغير هذه الولاية ولنا أنه قصاص غير متحتم ثبت لجماعة غير معينين فلم يجز لأحدهم استيفاؤه استقلالا كما لو كان بين حاضر وغائب أو أحد بدلي النفس فلم ينفرد به بعضهم كالدية. فأما ابن ملجم فقد قيل إنه قتله لكفره لأنه قتل عليا مستبيحا دمه معتقدا كفره وقيل لسعيه في الأرض بالفساد وإظهاره السلاح فيكون قتله متحتما إلى الإمام, وكان الحسن رضي الله عنه الإمام ولذلك لم ينتظر الغائبين وبالاتفاق يجب انتظارهم في القصاص وإن فعله قصاصا فقد اتفقنا على تركه فكيف يحتج به.
مسألة: "وإن استوفى غير المكلف حقه نفسه بنفسه أجزأ ذلك" لأنه أتلف حق نفسه بنفسه فأشبه ما لو أكل طعام نفسه وكما لو أتلف الوديعة أو شيئا من بقية أمواله.
الشرط "الثاني: اتفاق جميع المستحقين على استيفائه"؛ لأنه حق لجميعهم فلم يكن لبعضهم الاستقلال به كما لو كان بين حاضر وغائب فإنه لا يجوز للحاضر الاستيفاء حتى يحضر الغائب فيوافقه على الاستيفاء منه.
مسألة: "فإن لم يأذن فيه بعضهم أو كان فيهم غائب لم يجز استيفاؤه" لذلك.
مسألة: "فإن استوفاه بعضهم" بغير إذن شريكه "فلا قصاص عليه" لأنه مشارك في استحقاق القتل فأسقط القصاص كما لو كان مشاركا في ملك الجارية ووطئها إذا ثبت هذا فإن للولي الذي لم يقتل قسطه من الدية لأن حقه من القصاص سقط بغير اختياره فهو كما لو مات القاتل. وأما القتل فقد استوفى حقه وعليه قسط شريكه من الدية لأنه استوفى جميع النفس وليس له إلا بعضها وهل يرجع شريكه عليه بما استحقه أو يرجع إلى مال القاتل؟ فيه وجهان: أحدهما يرجع على شريكه لأنه أتلف حقهما جميعا فكان الرجوع عليه بعوض نصيبه كما لو كانت لهما وديعة فأتلفها. والثاني: يرجع في مال القاتل ثم يرجع ورثة القاتل على قاتله لأن حقه من القصاص سقط بغير اختياره فوجبت له الدية في مال القاتل كما لو قتله أجنبي وفارق الوديعة فإن أجنبيا لو أتلفها كان الرجوع عليه فكذلك شريكه وها هنا بخلافه.

له ولشركائه حقهم في تركة الجاني ويستحق القصاص كل من يرث المال على قدر مواريثهم.
الثالث: الأمن من التعدي في الاستيفاء فلو كان الجاني حاملا لم يجز استيفاء القصاص منها في نفس ولا جرح ولا استيفاء حد منها حتى تضع ولدها ويستغني عنها
ـــــــ
مسألة: "ويستحق القصاص كل من يرث المال على قدر مواريثهم" سواء كانوا من ذوي الأنساب أو ذوي الأسباب, وعن مالك أنه موروث العصبات خاصة وهو وجه لأصحاب الشافعي رضي الله عنه لأنه ثبت لدفع العار فاختص بالعصبات كولاية النكاح, ولهم وجه ثالث أنه لذوي الأنساب خاصة لأن الزوجة تزول بالموت ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا أن يأخذوا العقل أو يقتلوا" 1. وروى زيد بن وهب أن عمر أتى برجل قتل قتيلا فجاء ورثة المقتول ليقتلوه فقالت امرأة المقتول وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي فقال عمر: الله أكبر عتق القتيل, رواه أبو داود2؛ ولأن من ورث الدية ورث القصاص كالعصبات وما ذكروه لا يصح لأنه ثبت للصغار والمجانين بخلاف ولاية النكاح وزوال الزوجية لا يمنع الميراث كما لم يمنع من الدية.
"الثالث: الأمن من التعدي في الاستيفاء فلو كان الجاني حاملا لم يجز استيفاء القصاص منها في نفس ولا جرح حتى تضع ولدها ويستغني عنها" لقول الله سبحانه: {فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ}, وقتل الحامل قتل لغير القاتل فيكون إسرافا, وروى ابن ماجه بإسناده عن جماعة منهم شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا وحتى تكفل ولدها, وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها" 3, وهذا نص وليس في المسألة اختلاف بين أهل العلم فيما نعلم وإذا وضعت لم تقتل حتى تسقي الولد اللبن لأن الولد لا يعيش إلا به في الغالب: ثم إن لم يكن للولد من يرضعه لم يجز قتلها حتى تفطمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للغامدية: "اذهبي حتى ترضعيه". وفي حديث عبد الرحمن بن غنم: "وحتى تكفل ولدها"؛ ولأنه لما أخر القتل لحفظه وهو حمل فلان يؤخر وهو ولد لحفظه أولى. فأما إن وحدت من يرضعه جاز قتلها لأنه يستغني عن الأم وإن وجد من ترضعه مترددة أو جماعة يتناوبنه أو بهيمة يشرب من
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه أبو داود في الديات: الباب 4.
3 - رواه ابن ماجه في الديات: حديث رقم 2694. قال في الزوائد: في إسناده ابن أنعم, ضعيف, وكذلك الراوي عنه عبد الله بن لهيعة.

فصل
ويسقط بعد وجوبه بأمور ثلاثة: أحدها: العفو عنه أو عن بعضه فإن عفا بعض الورثة عن حقه أو عن بعضه سقط كله وللباقين حقهم من الدية وإن كان العفو على
ـــــــ
لبنها جاز قتلها أيضا, ويستحب للولي أن يؤخر قتل الأم لأن على الولد ضررا في اختلاف اللبن عليه وشرب لبن البهيمة.
مسألة: "ويسقط بعد وجوبه بأمور ثلاثة: أحدها العفو عنه أو عن بعضه فلو عفا بعض الورثة عن حقه أو عن بعضه سقط كله وللباقين حقهم من الدية" أجمع أهل العلم على إجازة العفو عن القصاص وأنه أفضل, ودليله قوله سبحانه: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} 1, وقال بعد قوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} 2, وروى أنس قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو, رواه أبو داود3؛ ولأنه حق له تركه فجاز ذلك وكان أفضل من الاستيفاء كسائر الحقوق إذا ثبت هذا فإن القصاص ثبت لجميع الورثة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: أن يأخذوا العقل أو يقتلوا" 4. وروى زيد بن وهب أن عمر أتي برجل قتل قتيلا فقالت امرأة المقتول -وهي أخت القاتل- قد عفوت عن حقي, فقال عمر: الله أكبر عتق القتيل, رواه أبو داود5, وإذا ثبت أن هذا مشترك بين جميعهم سقط بإسقاط بعضهم أيهم كان لأن حقه منه له فينفذ تصرفه فيه فإذا سقط وجب سقوطه جميعه لأنه مما لا يتبعض فهو كالطلاق والعتق, وروى قتادة أن عمر رفع إليه رجل قتل رجلا فجاء أولاد المقتول وقد عفا بعضهم فقال عمر لابن مسعود: ما تقول؟ قال: إنه قد أحرز من القتل فضرب على كتفه. وقال: كنيف مليء علما؛ ولأن القصاص حق مشترك بينهم لا يتبعض ومبناه على الإسقاط فإذا أسقط بعضهم سرى إلى الباقي كالعتق.
مسألة: فإذا عفا بعضهم فللباقين حقوقهم من الدية سواء أسقط مطلقا أو إلى الدية لأن حقه من القصاص سقط بغير رضاه فثبت له البدل كما لو مات القاتل, وكما لو سقط حق أحد الشريكين في العبد بإعتاق شريكه.
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 178.
2 - سورة المائدة: الآية 45.
3 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4497.
4 - سبق تخريجه.
5 - سبق تخريجه.

مال فله حقه من الدية وإلا فليس له الثواب. الثاني: أن يرث القاتل أو بعض ولده شيئا من دمه. الثالث: أن يموت القاتل فيسقط وتجب الدية في تركته ولو قتل واحد اثنين عمدا فاتفق أولياؤهما على قتله بهما قتل بهما
ـــــــ
مسألة: "وإن كان العفو على مال فله حقه من الدية وإلا فليس له إلا الثواب" يعني: إذا عفا بعض الورثة عن القصاص على مال فله حقه من الدية إن كان العفو على الدية وإن كان على أكثر منها جاز وله حقه من ذلك؛ لأنه حقه وله التصرف فيه حسب اختياره. "الثاني: أن يرث القاتل أو بعض ولده شيئا من دمه". كرجل له زوجة وابنان منها فقتل أحد الابنين أباه وقتل الآخر أمه فإنه يجب القصاص على قاتل الأم ويسقط عن قاتل الأب لأنه ورث ثمن دمه عن أمه ويلزم سبعة أثمان دية الأب لقاتل الأم ولو لم يقتل الآخر أمه ولكنها ماتت فإن القصاص يسقط عن قاتل الأب أيضا؛ لأنه يرث من دمه نصف ثمنه والنصف الآخر لأخيه ويجب عليه لأخيه سبعة أثمان الدية ونصف ثمنها, ولو قتل رجل زوجته وله منها ولد سقط عنه القصاص لثبوته لولده لأنه لو قتل ولده لم بجب عليه قصاص فإذا ثبت لولده عليه قصاص سقط بطريق الأولى. "الثالث: أن يموت القاتل فيسقط" القصاص "وتجب الدية في تركته" لفوات محل الحق فيسقط القصاص ضرورة فواته ويراجع إلى الدية كما رجعنا في المتلفات إلى القيمة.
مسألة: "ولو قتل واحد اثنين عمدا فاتفق أولياؤهما على قتله بهما" جاز, وقال أبو حنيفة ومالك: يقتل بالجماعة ليس لهم إلا ذلك وإن طلب بعضهم فليس له وإن بادر أحدهم فقتل سقط حق الباقين؛ لأن الجماعة يقتلون بالواحد فكذلك يقتل بهم كالواحد بالواحد. وقال الشافعي: لا يقتل إلا بواحد سواء اتفقوا على الطلب للقصاص أو لم يتفقوا لأنه إذا كان لكل واحد استيفاء القصاص فاشتراكهم في المطالبة لا يوجب تداخل حقوقهم كسائر الحقوق؛ ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل" 1. وظاهر الخبر أن أهل كل قتيل يستحقون ما يختارونه من القتل أو الدية فإذا اتفقوا على القتل وجب لهم وإن اختار بعضهم الدية وجبت له بظاهر الخبر ولأنهما جنايتان ولو كانتا خطأ أو إحداهما لم يتداخلا فلم يتداخلا في العمد كالأطراف وقد سلموا أن الأطراف لا تتداخل؛ ولأنه حق تعلق بعينه حقان لا يتسع لهما معا فإذا رضيا به عن حقهما جاز ذلك كما لو قتل عبد عبدين لهما خطأ فرضيا بأخذه بدلا عنهما؛ ولأنهما رضيا بدون حقهما فجاز كما لو رضي صاحب اليد الصحيحة بالشلاء وولي الحر بالعبد وولي المسلم بقتل الكافر وما ذكره مالك وأبو حنيفة فليس بصحيح فإن الجماعة قتلوا بالواحد لئلا يؤدي الاشتراك إلى إسقاط القصاص تغليظا
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.

وإن تشاحوا في استيفاء المستوفي قتل بالأول وللثاني الدية فإن سقط قصاص الأول فلأولياء الثاني استيفاؤه ويستوفى القصاص بالسيف في العنق ولا يمثل به إلا أن يفعل شيئا فيفعل به مثله
ـــــــ
للقصاص, وفي مسألتنا ينعكس هذا المعنى فإنه إذا قتل واحدا وعلم أن القصاص واجب عليه وأنه لا يزداد بزيادة القتل لهما فأدى إلى قتل من يريد قتله لزوال الزاجر عنه فافترقا.
مسألة: "فإن تشاحوا في المستوفي" أولا قدم الأول لأن حقه أسبق وصار الآخر إلى الدية لفوات المحل أشبه ما لو مات فإنه يصار إلى الدية فإن كان قتلهم دفعة واحدة أقرع بينهم فيقدم من تقع له القرعة لتساوي حقوقهم وكذلك لو قتلهم متفرقا وأشكل.
مسألة: "فإن سقط قصاص الأول" إما بأن عفا مطلقا أو اختار الدية "فلأولياء الثاني استيفاؤه" لأنه حقهم فكان لهم استيفاؤه كما لو لم يكن قتل غيره.
مسألة: "ويستوفى القصاص بالسيف في العنق ولا يمثل به إلا أن يفعل شيئا فيفعل به مثله". أما إذا قتله فإن القصاص يستوفى بالسيف لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا قود إلا بالسيف". رواه ابن ماجه1. فأما إن كان قد قطع يدي شخص ورجليه ثم ضرب عنقه قبل أن تندمل جراحه ففيه روايتان: إحداهما لا يستوفى منه إلا بالسيف في العنق بدليل الخبر؛ ولأن القصاص أحد بدلي النفس فيدخل الطرف في حكم الجملة كالدية فإنه لو صار الأمر إلى الدية لم تجب إلا دية النفس ولأن القصد من القصاص في النفس تعطيل الكل وإتلاف الجملة وقد أمكن هذا بضرب العنق فلا يجوز تعديته بإتلاف أطرافه كما لو قتله بسيف كال فإنه لا يقتله بمثله, والرواية الأخرى قال: إنه لأهل أن يفعل به كما فعل يعني أن يقطع أطرافه ثم يقتله لقوله سبحانه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} 2, وقوله سبحانه: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} 3؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رضخ رأس يهودي لرضخه رأس جارية بين حجرين4, وقال الله سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعين بالعين} 5, وهذا قد قلع عينه فيجب أن تقلع عينه للآية, وقال عليه السلام: "من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه" ؛ لأن القصاص موضوع على المماثلة ولفظه مشعر به فيجب أن يستوفى منه مثل ما فعل كما لو ضرب العنق آخر غيره فأما حديث: "لا قود إلا بالسيف" 1. فقد قال الإمام أحمد: إسناده ليس بجيد.
ـــــــ
1 - رواه ابن ماجه في الديات: حديث رقم 2667, 2668.
2 - سورة النحل: الآية 126.
3 - سورة البقرة: الآية 194.
4 - سبق تخريجه.
5 - سورة المائدة: الآية 45.

باب الاشتراك في القتل
وتقتل الجماعة بالواحد فإن تعذر قتل أحدهم لأبوته أو عدم مكافأته للقتيل أو
ـــــــ
باب الاشتراك في القتل"وتقتل الجماعة بالواحد" روي ذلك عن عمر وعلي والمغيرة وابن عباس وعن أحمد رواية أخرى لا يقتلون به وتجب عليهم الدية روي ذلك عن ابن عباس. قال ابن المنذر: لا حجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد, ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فروى سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا. وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا, وعن علي رضي الله عنه أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلا وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قتل جماعة بواحد ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف؛ ولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد فوجبت للواحد على الجماعة كحد القذف؛ ولأنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأفضى إلى التسارع إلى القتل وإسقاط حكمة الردع والزجر وإنما يجب القود إذا فعل كل واحد منهم فعلا لو انفرد به وجب عليه القود فإذا اشتركوا وجب عليهم جميعهم.
مسألة: " فإن تعذر قتل أحدهم لأبوته أو عدم مكافأة القتيل" له "أو العفو عنه قتل شركاؤه" أما إذا تعذر قتل أحدهم لأبوته كما إذا اشترك في القتل أب وأجنبي قتل الأجنبي وعنه لا يقتل شريك الأب لأنه مشارك من لا قصاص عليه فلم يجب عليه قصاص كشريك الخاطىء ولنا أنه مشارك في القتل العمد العدوان لمن لم يقتل به لو انفرد فوجب عليه القصاص كشريك الأجنبي وأما شريك الخاطىء ففيه روايتان: إحداهما يجب عليه كمسألتنا وفي الأخرى لا قصاص عليه لأن القتل لم يتمحض عمدا لوجود الخطأ في الفعل الذي حصل به خروج النفس بخلاف شريك الأب فإن قتلهما عمد محض وعدوان وإنما سقط القصاص عن الأب لمعنى فيه مختص به فأشبه ما لو سقط عن أحد الأجنبيين للعفو عنه.
مسألة: وأما إذا تعذر قتل أحدهما لعدم مكافاة القتيل له كما إذا اشترك مسلم وذمي في قتل ذمي أو حر وعبد في قتل عبد عمدا فإن القصاص يجب على العبد والذمي؛ لأن سقوطه عن المسلم لمعنى فيه وهو الإسلام وسقوطه عن الحر لعدم المكافأة وهذا المعنى لا يتعدى إلى شريكه ولا إلى فعله فلم يقتض سقوط القصاص عن شريكه.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه. =========ج5555555555555555555555============



ج5.كتاب : العدة شرح العمدة
المؤلف : عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي

العفو عنه قتل شركاؤه وإن كان بعضهم غير مكلف أو خاطئا لم يجب القود على واحد منهم وإن أكره رجلا على القتل فقتل أو جرح أحدهما جرحا والآخر
ـــــــ
مسألة: وأما إذا تعذر قتل أحد الشريكين للعفو عنه فإن القصاص يجب على شريكه لأن سقوطه عنه للعفو عنه وهو معنى لا يتعدى إلى شريكه فلم يسقط عنه القصاص.
مسألة: "وإن كان بعضهم غير مكلف أو خاطئا لم يجب القود" أما إذا كان الشريك في القتل غير مكلف كالصبي والمجنون والآخر مكلفا لم يجب القود على المكلف في صحيح المذهب, وعنه يجب عليه لأن القصاص يجب عليه جزاء لفعله لا عن فعل غيره فيجب أن يكون الاعتبار بفعله فمتى تمحض عمدا أو عدوانا وجب القود إذا كان المقتول مكافئا له, وإنما يسقط عن الصبي والمجنون لمعنى فيهما وهو عدم التكليف فلم يقتض سقوطه عن شريكهما كشريك الأب, ولنا أنه شارك من لا إثم عليه في فعله فلم يلزمه قصاص كشريك الخاطئ, أو شارك من رفع عنه القلم فأشبه شريك الخاطئ, ودليل ذلك قوله عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثة". الحديث1. ودل على أن الأصل قوله عليه السلام: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" 2. ولأن الصبي والمجنون لا قصد لهما صحيح, ولهذا لا يصح إقرارهما فكان حكم فعلهما حكم الخطأ.
مسألة: وإن كان شريك العامد مخطئا فلا قود على واحد منهما أما المخطئ فلا قصاص عليه لقوله سبحانه: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} 3, وقال عليه السلام: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" 4. وأجمعوا على أنه لا قود عليه, وأما شريكه فكذلك عند أكثرهم وعنه عليه القود لأنه شارك في القتل العمد العدوان فأشبه شريك العامد ولأنه مؤاخذ بفعله وهو عمد عدوان لا عذر له فيه, ولنا أنه قتل غير متمحض عمدا فلم يوجب القود كشبه العمد وكما لو قتله واحد بجرحين عمدا وخطأ.
مسألة: "وإن أكره رجل رجلا على القتل فقتل أو جرح أحدهما جرحا والآخر مائة أو قطع أحدهما يده من الكوع والآخر من المرفق فهما قاتلان وعليهما القصاص وإن وجبت الدية استويا فيها". أما إذا أكره رجل رجلا على القتل فقتل فالقصاص على المكره والمكره جميعا أما المكره فلأنه تسبب إلى القتل العمد العدوان فوجب عليه القصاص كشهود القصاص إذا رجعوا, وأما المكره فإنه قتل من يكافئه ظلما عدوانا فوجب عليه القصاص كما لو لم يكره, والدليل على أنه قتل أنه أخذ السيف وحز الرقبة ولأن القتل عبارة عن جرح يتبعه الزهوق وقد وجد منه ذلك؛ ولأنه أثم بذلك فإن عليه إثم القتل
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - سبق تخريجه.
3 - سورة الأحزاب: الآية 5.
4 - سبق تخريجه.

مائة, أو قطع أحدهما من الكوع والآخر من المرفق فهما قاتلان وعليهما القصاص وإن وجبت الدية استويا فيها وإن ذبحه أحدهما ثم قطع الآخر يده أو قده نصفين فالقاتل الأول وإن قطعه أحدهما ثم ذبحه الثاني قطع القاطع وذبح الذابح
ـــــــ
والدليل على أنه عمد أنه قصد الفعل بآلة محصلة له ولأن الإكراه لم يسلبه اختياره ولا ضعف قصده بل هيج دواعيه وكثرها ولا يقال إنه ينزل بمنزلة الآلة فإن الآلة لا تأثم وهذا يأثم والآلة ليس لها قصد وهذا له قصد صحيح فإنه وقى نفسه واستبقاها بقتل أخيه المسلم فينبغي أن يجب عليه القصاص ويصير كما لو قال له: اقتله وإلا قتلتك غدا فقتله فإنه يجب عليه القصاص.
مسألة: وأما إذا جرح أحدهما جرحا والآخر مائة فإنه يجب عليهما القصاص إذا مات المجروح وإن صار الأمر إلى الدية فهما فيها سواء؛ لأنه يجوز أن يموت من الجرح دون الجراحات فسقط اعتبار عددها ولأن الجراح إذا صارت نفسا أوجبت دية واحدة كما لو قطع يده فمات ولو كانت إحدى الجراحتين أعمق من الأخرى مثل أن تكون إحداهما موضحة والأخرى مأمومة فمات منها فالقود عليهما لأن ذلك لا يمنع من تساويهما كما لا يمنع زيادة عدد الجراحات.
مسألة: "وإن قطع أحدهما من الكوع والآخر من المرفق فمات وجب القود عليهما", وقال أبو حنيفة: لا قصاص على الأول ويجب على الثاني لأنه قطع سراية الأول فمات بعد زوال جنايته فأشبه ما لو اندمل جرحه ثم مات, ولنا أن قطع الثاني لا يمنع جناية بعدها فلا يمنع جناية قبلها كما لو قطع يده الأخرى وما ذكره فغير مسلم فإن الألم الحاصل بقطع الأول لم يزل وإنما زاد ويخالف الاندمال فإنه لا يبقى معه الألم الذي حصل في الأعضاء الشريفة فاختلفا.
مسألة: "وإن ذبحه أحدهما ثم قطع الآخر يده أو قده نصفين فالقاتل الأول وإن قطعه أحدهما ثم ذبحه الثاني قطع القاطع وذبح الذابح" وذلك أنه إذا جنى عليه اثنان جنايتين نظرنا فإن كانت الجناية الأولى أخرجته من حكم الحياة مثل أن أخرج ما في بطنه فأبانه أو قطع حلقومه ومريئه ثم ضرب عنقه. الثاني: أو قطع يده أو قده نصفين فالأول هو القاتل لأنه لا يبقى مع جنايته حياة والقود عليه خاصة, وعلى الثاني التعزير كما لو جنى على ميت وإن عفا الولي إلى الدية فهي على الأول وحده وإن كان جرح الأول يجوز بقاء الحياة معه مثل شق البطن من غير إبانة أو قطع عضو كاليد والإصبع ثم ضرب عنقه آخر فالثاني هو القاتل لأنه لم يخرج بجرح الأول من حكم الحياة فيكون الثاني هو المفوت لها فعليه القصاص في النفس ثم ينظر في جرح الأول فإن كان موجبا للقصاص كقطع الطرف

وإن أمر من يعلم تحريم القتل به فقتل فالقصاص على المباشر ويؤدب الآمر وإن أمر من لا يعلم تحريمه به أو لا يميز فالقصاص على الآمر وإن أمسك إنسانا للقتل فقتل قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت.
ـــــــ
فالولي مخير بين قطع طرفه أو العفو على دية الطرف أو العفو مطلقا, وإن كان لا يوجب القصاص كالجائفة وغيرها فعليه الأرش وإنما جعلنا له القصاص أو الأرش لأن فعل الثاني قطع سراية الأول فصار كالمندمل ولو كان جرح الأول يفضي إلى الموت لا محالة إلا أنه لا يخرج به عن حكم الحياة وتبقى معه الحياة المستقرة مثل جرح يخرق المعاء فضرب عنقه. الثاني: فالقاتل هو الثاني لأن حكم الحياة ثابت فيه ألا ترى أن عمر رضي الله عنه لما دخل عليه الطبيب فسقاه لبنا فخرج نصله فعلم الطبيب أنه ميت فقال له: اعهد إلى الناس فعهد إليهم وأوصى وجعل أمر الخلافة إلى أهل الشورى فقبلت الصحابة عهده وأجمعوا على قبول وصاياه فلما كان حكم الحياة باقيا كان مفوتها هو القاتل كما لو قتل عليلا به علة قاتلة.
مسألة: "فإن أمر من يعلم تحريم القتل به فقتل فالقصاص على المباشر ويؤدب الآمر وإن أمر من لا يعلم تحريمه به أو لا يميز فالقصاص على الآمر" لأنه إذا كان غير عالم تحريم القتل فهو معتقد لإباحته وذلك شبهة تمنع القصاص كما لو اعتقده صيدا فرماه فبان إنسانا؛ ولأن حكمه القصاص الزجر ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة وإذا لم يجب عليه وجب على الآمر لأنه آلة لا يمكن إيجاب القصاص عليه فوجب على المتسبب به كما لو أنهشه حية أو ألقاه في زبية أسد فقتله, ويؤدب المأمور. قال الإمام أحمد: يضرب ويؤدب. قال علي: ويستودع السجن ويفارق هذا ما إذا علم حظر القتل فإن القصاص على المأمور لإمكان إيجابه عليه وهو مباشر له فانقطع حكم الآمر كالدفع مع الحافز ويكون على الآمر الأدب لتعديه بالتسبب إلى القتل وإن أمر بالقتل من لا يميز كصبي أو مجنون فالقصاص على الآمر لأن المأمور ليس له قصد صحيح لكونه غير مميز فهو كالآلة.
مسألة: "فإن أمسك إنسانا للقتل فقتل قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت" أما القاتل فإنه يقتل بغير خلاف, وأما الممسك فإن لم يعلم أن القاتل يقتله فلا شيء عليه وإن أمسكه له ليقتله عالما بذلك مثل أن ضبطه له حتى ذبحه فاختلفت الرواية عن الإمام أحمد: فروي عنه أنه يحبس حتى يموت, وروي ذلك عن علي رضي الله عنه, وعنه يقتل أيضا لأنه لو لم يمسكه لم يقدر على قتله وبإمساكه تمكن من قتله فالقتل حاصل بفعلهما فيكونان شريكين فيه فيجب عليهما القصاص كما لو جرحاه, وقيل يعاقب ويأثم ولا يقتل لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أغنى الناس على الله تعالى من قتل غير قاتله". والممسك غير قاتل ولأن الإمساك سبب غير ملجئ فإذا اجتمعت معه المباشرة كان الضمان على المباشر كالدافع والحافز, ولنا ما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك"؛ ولأنه حبسه إلى الموت فيحبس الآخر إلى الموت ليكون مثلا لما أتى به كما لو حبس رجلا عن الطعام والشراب حتى مات فإننا نفعل به ذلك حتى يموت.

باب القود في الجروح
يجب القود في كل عضو بمثله فتؤخذ العين بالعين والأنف بالأنف وكل واحد من الجفن والشفة واللسان والسن واليد والرجل والذكر والانثيين بمثله وكذلك كل ما أمكن القصاص فيه ويعتبر كون المجني عليه مكافئا للجاني وكون
ـــــــ
باب القود في الجروح"يجب القود في كل عضو بمثله فتؤخذ العين بالعين" أجمع أهل العلم على ذلك لقوله سبحانه: {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ}؛ ولأنها تنتهي إلى مفصل فيجري القصاص فيها كاليد.
مسألة: "وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ" أجمعوا على ذلك لقوله سبحانه: {وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ} والمعنى الذي سبق في العين.
مسألة: ويجب القود في "كل واحد من الجفن" بمثله لقوله سبحانه: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}, ولأنه يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل ولا فرق بين جفن الأعمى والبصير في ذلك لأنهما تساويا في السلامة من النقص وعدم البصر نقص في غيره فلم يمنع القصاص فيه كما أن عدم السمع لم يمنع القصاص في الأذن وتؤخذ "الشفة" بالشفة وهي ما جاوز جلد الذقن والخدين علوا أو سفلا للآية والمعنى الذي سبق.
مسألة: ويؤخذ "اللسان" باللسان للآية والمعنى ولا نعلم فيه خلافا ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرى لأنه أفضل ويؤخذ الأخرس بالناطق لأنه بعض حقه.
مسألة: ويؤخذ "السن" بالسن أجمع أهل العلم على ذلك لقوله سبحانه: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ}؛ ولأن القصاص في السن ممكن لأنها محدودة في نفسها فوجب فيها القصاص كالعين وتؤخذ الصحيحة بالصحيحة والمكسورة تؤخذ بالصحيحة؛ لأنه يأخذ بعض حقه ويأخذ معها من الدية بقدر ما انكسر منها على قول ابن حامد وعلى قياس قول أبي بكر لا ينبغي أن يجب مع القصاص شيء.
مسألة: وتؤخذ "اليد" باليد "والرجل" بالرجل لقوله سبحانه: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} ولأن لهما حدا ينتهيان إليه وهو المفصل فيجري فيهما القصاص كبقية الأعضاء.
مسألة: ويؤخذ "الذكر" بالذكر لا نعلم بين أهل العلم خلافا في ذلك لقوله سبحانه:

الجناية عمدا والأمن من التعدي بأن يقطع من مفصل أو حد ينتهي إليه كالموضحة التي تنتهي إلى العظم فأما كسر العظام والقطع من الساعد والساق فلا قود فيه ولا في الجائفة ولا في شئ من شجاج الرأس إلا الموضحة إلا أن يرضى مما فوق الموضحة بموضحة ولا قود في الأنف إلا من المارن وهو ما لان منه
ـــــــ
{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}؛ ولأنه له حد ينتهي إليه ويمكن القصاص فيه من غير حيف فوجب القصاص فيه كاليد ولا فرق بين ذكر الصغير والكبير والشاب والشيخ والذكر الكبير والصغير؛ لأن كل ما وجب القصاص فيه من الأطراف لم يفرق فيه بين هذه المعاني كاليد والرجل.
مسألة: وتقطع الأنثيان بالأنثيين للآية والمعنى.
مسألة: "وكذلك كل ما أمكن القصاص فيه" للنص والمعنى.
مسألة: "ويعتبر كون المجني عليه مكافئا للجاني" وذلك أن القصاص فيما دون النفس معتبر له ثلاثة شروط: أحدها كون المجني عليه مكافئا للجاني فإن لم يكن مكافئا كالعبد إذا قطع الحر طرفه أو الذمي إذا قطعه المسلم لا يقطع طرفه بطرفه؛ لأنه إذا لم تؤخذ نفسه بنفسه لعدم المكافأة فوجب أن لا يؤخذ طرفه بطرفه لعدم المكافأة. الثاني: أن تكون "الجناية عمدا" فإن كانت خطأ لم يجب القصاص بغير خلاف, وإن كانت عمدا خطأ مثل أن يضربه بحجر صغير لا يوضح مثله فأوضحه لم يجب القصاص لأنه شبه عمد ولا يجب القصاص إلا بالعمد المحض, وقال أبو بكر: يجب القصاص ولا يراعى فيه ذلك لعموم الآية. الثالث: "والأمن من التعدي" بحيث يمكن الاستيفاء بغير حيف فإن كان قطع طرف, "بأن" يكون "من مفصل" وإن كان جرحا فبأن ينتهي إلى عظم "كالموضحة" وما عدا هذا كالجائفة وما دون الموضحة من الشجاج أو فوقها أو قطع الطرف من غير مفصل كقطع اليد من الساعد أو العضد أو الرجل من الساق أو الفخذ فلا قصاص فيه غير أكثرهم لأنه لا يمكن المماثلة فيها ولا تؤمن الزيادة عليها ولا يمكن أن يستوفى أكثر من الحق فسقط القصاص كما لو قتل من لا يكافئه أو قطع صحيح اليد بشلاء أو ناقصة الأصابع. "فأما كسر العظام والقطع من الساعد والساق فلا قود فيه" لما ذكرنا.
مسألة: "ولا" قود "في الجائفة" ولا المأمومة لذلك.
مسألة: "ولا" قود "في شيء من شجاج الرأس" لذلك إلا الموضحة" لأنها تنتهي إلى العظم "إلا أن يرضى بما فوق الموضحة" بموضحة لأنه يأخذ دون حقه كمن يأخذ الشلاء بالصحيحة وقد أمن الضرر.
مسألة: "ولا قود في الأنف إلا من المارن وهو ما لان منه" دون قصبة الأنف؛ لأن ذلك

ويشترط التساوي في الاسم والموضع فلا تؤخذ واحدة من اليمنى واليسرى والعليا والسفلى إلا بمثلها
ولا تؤخذ إصبع ولا أنملة ولا سن إلا بمثلها ولا تؤخذ كاملة الأصابع بناقصة ولا صحيحة بشلاء وتؤخذ الناقصة بالكاملة والشلاء بالصحيحة إذا أمن التلف
ـــــــ
حد ينتهي إليه فهو كاليد يجب القصاص فيها إلى الكوع وإن قطع القصبة كان له القصاص في المارن وحكومة في القصبة على قول ابن حامد, وعلى قياس قول أبي بكر ليس له قصاص لأنه لا يجيز الاقتصاص من غير محل الجناية ولا يجمع في عضو واحد بين دية وقصاص.
مسألة: "ويشترط التساوي في الاسم والموضع فلا يؤخذ واحد من اليمنى واليسرى والعليا والسفلى إلا بمثلها", وقيل تؤخذ إحداهما بالأخرى لأنهما تستويان في الخلقة والمنفعة ولنا أن كل واحدة منهما تختص باسم فلا تؤخذ إحداهما بالأخرى لأنهما تستويان في الخلقة والمنفعة, ولنا أن كل واحدة منهما تختص باسم فلا تؤخذ إحداهما بالأخرى كاليد مع الرجل: فعلى هذا كل ما ينقسم إلى يمين ويسار كاليدين والرجلين والأذنين والمنخرين لا يؤخذ أحدهما بالآخر؛ لما ذكرناه, وما انقسم إلى أعلى وأسفل كالجفنين والشفتين والأسنان لا يؤخذ الأعلى بالأسفل ولا الأسفل بالأعلى لما ذكرنا.
مسألة: "ولا تؤخذ إصبع بإصبع" إلا أن يتفقا في الاسم والموضع "ولا" تؤخذ "أنملة" بأنملة إلا أن يتفقا في ذلك, ولا تؤخذ عليا بسفلى ولا وسطى وكذلك الوسطى والسفلى لا يؤخذان بغيرهما, "ولا" يؤخذ السن بالسن إلا أن يتفق موضعهما واسمهما ولا يؤخذ سن ولا إصبع أصلية بزائدة ولا زائدة بأصلية ولا زائدة بزائدة في غير محلها لما ذكرناه.
مسألة: "ولا تؤخذ كاملة الأصابع بناقصة" لأنها فوق حقه والقصاص يعتمد المماثلة.
مسألة: "ولا تؤخذ صحيحة بشلاء" لأنه يأخذ كاملا بناقص وذلك فوق حقه.
مسألة: "وتؤخذ الناقصة بالكاملة" فإذا كانت يد القاطع ناقصة إصبعا أو أكثر فالمجني عليه مخير بين أخذ دية يده وبين قطع الناقصة لأنها دون حقه ويأخذ أرش الأصابع المقطوعة على قول ابن حامد وقياس قول أبي بكر ليس له مع القطع أرش لئلا يجمع بين قصاص ودية في عضو.
مسألة: "و" تؤخذ "الشلاء بالصحيحة إذا أمن التلف" فإن كان القاطع أشل والمقطوعة سالمة فاختار المجني عليه دية يده فله ذلك لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه عجز عن استيفاء حقه على الكمال بالقصاص فكانت له الدية كما لو لم يكن للقاطع يد وإن اختار القصاص فله ذلك لأنه رضي بدون حقه اللهم إلا أن يخاف من القصاص التلف لقول أهل الخبرة إنه إذا

فصل
إذا قطع بعض لسانه أو مارنه أو شفته أو حشفته أو أذنه أخذ مثله يقدر بالأجزاء كالنصف والثلث ونحوهما وإن أخذت ديته أخذ بالقسط منها وإن كسرت بعض سنه برد من سن الجاني إذا أمن انقلاعها ولا يقتص من السن حتى ييأس من
ـــــــ
قطع لم تنسد العروق ودخل الهواء إلى البدن فأفسده فإنه يسقط القصاص ولأنه لا يجوز أخذ نفس بطرف وإن أمن هذا كله فله القصاص, وليس له أرش معه لأن الشلاء كالصحيحة في الخلقة وإنما نقصت عنها في الصفة فلم يكن له أرش كما لا يأخذ ولي المسلم مع القصاص من الذمي أرشا لنقص الكفر. وقال أبو الخطاب: عندي أنه يأخذ أرش الشلاء مع القصاص على قياس قوله في عين الأعور إذا قلعت والأول أصح؛ لأن إلحاق الفرع بالأصول المتفق عليها أولى من إلحاقه بفرع مختلف فيه خارج عن الأصول.
"فصل: وإذا قطع بعض لسانه أو مارنه أو شفته أو حشفته أو أذنه أخذ مثله بقدر الأجزاء" لأنه أمكن القصاص في جميعه فأمكن في بعضه كما في السن يقدر ذلك في الأجزاء أو يؤخذ منه بالحساب فإذا قطع ربع لسانه أخذ من لسان الجاني ربعه وإن قطع نصفه أخذ نصفه أو ثلثه أخذ ثلثه وكذلك سائرها ولا يؤخذ شيء من ذلك بالمساحة لما يأتي.
مسألة: "وإن أخذت ديته أخذ بالقسط منها" يعني إن قطع الجاني نصف اللسان أخذ منه نصف ديته وإن كان أكثر أو أقل فبالحساب وكذلك سائرها.
مسألة: "وإن كسر بعض سنه برد من سن الجاني مثله إذا أمن انقلاعها" وذلك لأن القصاص جاز في بعض السن لأن الربيع كسر سن جارية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص وما جرى القصاص في جملته جرى في بعضه إذا أمكن كالأذن فيقدر ذلك بالأجزاء فيؤخذ النصف بالنصف والثلث بالثلث, وكل جزء بمثله ولا يؤخذ ذلك بالمساحة كي لا يفضي إلى أخذ جميع سن الجاني ببعض سن المجني عليه ويكون القصاص بالبرد ليؤمن أخذ الزيادة فإنا لو أخذناها بالكسر لم يؤمن أن يتصدع أو ينقلع أو ينكسر من غير موضع القصاص ولا يؤخذ بعضها قصاصا حتى يقول أهل الخبرة إنه يؤمن انقلاعها أو السداد فيها لأن توهم الزيادة يمنع القصاص في الأعضاء كما لو قطعت يده من غير مفصل.
مسألة: "ولا يقتص من السن حتى ييأس من عودها" بأن يكون قد أثغر أي سقطت رواضعه ثم نبتت فإذا سقطت قيل ثغر فإذا نبتت قيل أثغر فإن قلع سن من لم يثغر لم يقلع سن الجاني في الحال؛ لأنها تعود بحكم العادة وما يعود لا يجب ضمانه كالشعر وينظر فإن عاد بدل السن في محلها على صفتها فلا شيء على الجاني وإن عادت مائلة عن

عودها, ولا من الجرح حتى يبرأ وسراية القود مهدرة وسراية الجناية مضمونة بالقصاص والدية
ـــــــ
محلها أو متغيرة عن صفتها كان عليه حكومة لأنها لو لم تعد ضمن السن فإذا عادت ناقصة ضمن ما نقص وإن عادت قصيرة ضمنه بالحساب: ففي نصفها نصف ديتها وفي ربعها ربع ديتها وكذلك على هذا, وإن مضى زمان عودها ولم تعد سئل أهل العلم بالطب فإن قالوا قد يئس من عودها فالمجني عليه بالخيار بين القصاص أو دية السن. فإما إن قلع سن من قد أثغر فقال القاضي: سئل أهل العلم والخبرة فإن قالوا لا تعود أبدا فله القصاص في الحال وإن قالوا يرجى عودها إلى وقت ذكروه لم يقتص حتى يأتي ذلك الوقت فإن لم تعد وجب القصاص وإن عادت لم يجب قصاص ولا دية لأنها سن عادت فسقط أرشها كسن من لم يثغر فإن كان الأرش رده وإن كان استوى القصاص فقد بان أنه كان غير مستحق له لأن القصاص لم يجب عليه لأنه لم يقصد التعدي وعليه الدية لأنه أخذ ما لا حق له فيه.
مسألة: "ولا" يقتص "من الجرح حتى يبرأ" لما روى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح, والنهي يقتضي التحريم لأن الجرح لا يدرى أقتل هو أم ليس بقتل فينبغي أن ينتظر ليعلم ما حكمه وما الواجب فيه.
مسألة: "وسراية القود مهدرة" ومعناه أنه إذا قطع طرفا يجب القود فيه فاستوفى منه المجني عليه ثم مات الجاني بسراية الجرح لم يلزم المستوفي شيء روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم ولما روي أن عمر وعليا رضي الله عنهما قالا: من مات من حد أو قصاص لا دية له الحق قتله, وروى سعيد نحوه ولأنه قطع مستحق مقدر فلا يضمن سرايته كقطع السارق.
مسألة: "وسراية الجناية مضمونة" بغير خلاف لأنها أثر الجناية والجناية مضمونة فكذلك أثرها ثم إن سرت إلى النفس وجب القصاص فيه ولا خلاف في ذلك وإن قطع إصبعا فشلت يدها أو إصبع إلى جانبها وجب القصاص في المقطوعة ووجب الأرش فيما شل إذا ثبت هذا فيجب الأرش في ماله ولا يجب على العاقلة لأنه سراية جناية عمد وإنما لم يجب القصاص لعدم التماثل في القطع والشل وإذا شل جميع كفه فعفى عن القصاص استحق نصف الدية في اليد وإن استوفى من الإصبع كان له أربعون من الإبل في الأصابع الأربع ويتبعها أربعة أخماس الكف فأما خمسة الكف الذي يختص الإصبع التي اقتص منها ففيه وجهان: أحدهما يتبعها في الأرش لاستوائهما في الحكم فأما إذا اقتص فحكمها مختلف وتجب فيه الحكومة.

إلا أن يستوفي قصاصها قبل برئها فيسقط ضمانها
ـــــــ
مسألة: "إلا أن يستوفي قصاصها قبل برئها فيسقط ضمانها" لما روى جابر أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فقال: يا رسول الله أقدني قال: "حتى تبرأ". فعجل فاستقاد له رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعيبت رجل المستقيد وبرأت رجل المستقاد منه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس لك شيء إنك عجلت". رواه سعيد مرسلا ورواه الدارقطني بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, وفيه ثم جاء الثالثة فقال: يا رسول الله عرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله ومعطل عرجك". ثم نهى أن يقتص من عرج حتى يبرأ صاحبه وهو دليل على سقوط حقه.
مسألة: عجيبة: إذا قلع سن إنسان فقلع الإنسان سن الجاني ثم عادت سن المجني عليه فقلعها الجاني ثانيا فلا شئ على واحد منهما لأن سن المجني عليه لما عادت وجب عليه دية سن الجاني فإذا قلعها الجاني وجب عليه ديتها فيصير لكل واحد منهما دية سن على الآخر فيقاصان.

كتاب الديات
مدخل...
كتاب الدياتدية الحر المسلم ألف مثقال من الذهب أو اثنا عشر ألف درهم أو مائة من الإبل فإن كانت دية عمد فهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وهن
ـــــــ
كتاب الديات
والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والإجمإع أما الكتاب فقوله سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} 1. وأما السنة فما روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات وقال فيه: "إن في النفس الدية مائة من الإبل". رواه النسائي ومالك في الموطأ2.
مسألة: "دية الحر المسلم ألف مثقال أو اثنا عشر ألف درهم أو مائة من الإبل" لما روى ابن عباس: أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا, رواه أبو داود وابن ماجه3, وفي كتاب عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن: "وإن في النفس المؤمنة مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار" , رواه النسائي4.
مسألة: "فإن كانت دية عمد فهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وهي الحوامل"؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد القتل". رواه
ـــــــ
1 - سورة النساء: الآية 92.
2 - رواه النسائي في القسامة: 45- باب ذكر حديث عمرو بن حزم: حديث رقم 1. ومالك في العقول: حديث رقم 1.
3 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4546. وابن ماجه في الديات: حديث رقم 2632.
4 - رواه النسائي في القسامة: 45- باب ذكر حديث عمرو بن حزم: حديث رقم 1.

الحوامل، وتكون حالة في مال القاتل وإن كان شبه عمد فكذلك في أسنانها: وهي
ـــــــ
الترمذي وقال: حديث غريب1, وعنه أنها أرباع رواها الجماعة عنه واختارها الخرقي لما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال: كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباعا: خمسا وعشرين جذعة وخمسا وعشرين حقة وخمسا وعشرين بنت لبون وخمسا وعشرين بنت مخاض؛ ولأنه قول ابن مسعود والخلفة الحوامل لأن في حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها" 2. والخلفة: هي الحوامل وقوله: "في بطونها أولادها" تأكيد.
مسألة: "وتكون حالة في مال القاتل" أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة. قال ابن المنذر: وهذه قضية الأصل أن بدل المتلف يجب على المتلف وأرش الجناية يختص بالجاني وإنما خولف هذا الأصل في الخطأ وشبه العمد تخفيفا عن الجاني والعامد لا يليق بحاله التخفيف فيبقى على الأصل, ولهذا قال عليه السلام: "لا يجني جان إلا على نفسه" 3. وإذا ثبت هذا فإنها تجب حالة لأن ما وجب بالعمد المحض كان حالا كالقصاص وأرش [الجناية في] أطراف العبد.
مسألة: "وإن كان شبه عمد فكذلك في أسنانها" لما روى عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل فيها أربعون خلفة في بطونها أولادها" . رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما4, وعنه أنها تجب أرباعا ودليلها حديث السائب بن يزيد وقد سبق.
مسألة: "وهي على العاقلة" في ظاهر المذهب واختار أبو بكر بن عبد العزيز أنها على القاتل في ماله؛ لأنها موجب فعل قصده فلم تحمله العاقلة كالعمد المحض ولأنها دية مغلظة أشبهت دية العمد, ولنا ما روى أبو هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها, متفق عليه5. ولأنه نوع قتل لا يوجب قصاصا فوجبت ديته على العاقلة كالخطأ ويخالف العمد المحض لأنه مغلظ من كل وجه لقصده الفعل وأراد به القتل وعمد الخطأ مغلظ من وجه وهو قصده الفعل ومخفف من وجه وهو كونه لم يرد القتل
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - سبق تخريجه.
3 - رواه الترمذي في الفتن: حديث رقم 2159. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
4 - سبق تخريجه.
5 - سبق تخريجه.

على العاقلة في ثلاث سنين, في رأس كل سنة ثلثها: وإن كانت دية خطأ فهي على العاقلة كذلك إلا أنها عشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض وعشرون بنت لبون
ـــــــ
فاقتضى تغليظا من وجه وهو الأسنان وتخفيفا من وجه وهو حمل العاقلة لها وتأجيلها.
مسألة: وهي تجب "في ثلاث سنين" على العاقلة لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا, وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس لم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا, وحكي عن قوم من الخوارج أنهم قالوا: إن الدية حالة لأنها بدل متلف وليس بشيء لأن الدية تخالف سائر المتلفات لأنها تجب على غير المتلف ولا تختلف باختلاف صفات المتلف.
مسألة: وتجب "في رأس كل حول ثلثها" وابتداء المدة من حين وجوب الدية لأن هذا مال يحصل بانقضاء أجل فكان ابتداؤه من وجوبه كسائر الديون فإن كان الواجب دية نفس فابتداء مدتها من حين الموت سواء كان قتلا موجبا أو عن سراية جرح [وإن كان الواجب ديةيد أو جرح فابتداء المدة من حين الاندمال لأن الأرش لا يستقر إلا بالاندمال].
مسألة: "وإن كان" القتل خطأ "فهي على العاقلة كذلك" يعني في ثلاث سنين لما سبق "إلا أنها عشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة" لا يختلف المذهب في أن دية الخطأ أخماسا كما ذكر, وقيل هي أخماس إلا أن مكان بني مخاض بني لبون. قال الخطابي: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض1. وفيها اختلاف كثير, ولنا ما روى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون بني مخاض". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه2؛ ولأن ابن لبون يجب على طريق البدل عن ابنة مخاض في الزكاة إذا لم يجدها فلا يجمع بين البدل والمبدل في واجب؛ ولأنهما موجبهما واحد فيصير كأنه أوجب أربعين ابنة مخاض ولأن ما قلناه الأقل فالزيادة عليه لا تثبت إلا بتوقيف يجب الدليل على من ادعاه فأما دية قتيل خيبر فلا حجة فيه لأنهم لم يدعو على أهل خيبر قتل صاحبهم إلا عمدا فتكون ديته دية العمد وهي من أسنان الصدقة إن قلنا تجب أرباعا. أما وجوبها على العاقلة فقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في ذلك, وقد ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الديات: حديث رقم 6898. ومسلم في القسامة: حديث رقم 2, 6.
2 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4545. والنسائي في القسامة: 33- باب ذكر أسنان دية الخطأ: حديث رقم 1, وابن ماجه في الديات: حديث رقم 2631.

وعشرون حقة وعشرون جذعة, ودية الحرة المسلمة نصف دية الرجل وتساوي جراحها جراحه إلى ثلث الدية فإذا زادت صارت على النصف ودية الكتابي نصف دية المسلم, ونساؤهم على النصف من ذلك ودية المجوسي ثمانمائة درهم
ـــــــ
قضى بدية الخطأ على العاقلة وأجمع عليه أهل العلم وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم دية عمد الخطأ على العاقلة بما قد روينا من الحديث فيما سبق وفيه تنبيه على أن العاقلة تحمل دية الخطأ والمعنى في ذلك أن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كثيرة فإيجابها على الجاني يجحف بماله فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له تخفيفا عنهما إذ كان معذورا في فعله, ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين فإن عمر وعليا رضي الله عنهما جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة, واتبعهم على ذلك أهل العلم؛ ولأنه مال يجب على سبيل المواساة فلم يجب حالا كالزكاة.
مسألة: "ودية الحرة المسلمة نصف دية الرجل". قال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة على نصف دية الرجل, وحكي عن ابن علية والأصم أنهما قالا: ديتها دية الرجل لقوله عليه السلام: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" 1, وهو قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإن في كتاب عمرو بن حزم: "ودية المرأة على النصف من دية الرجل" 2. وهو أخص مما ذكروه وهما في كتاب واحد فيكون ما ذكرناه مفسرا لما ذكروه ومخصصا.
مسألة: "وتسوى جراحها جراحه إلى ثلث الدية فإذا زادت صارت على النصف" روي هذا عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها". أخرجه النسائي3. وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر, قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون, قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون, قلت: ففي أربع أصابع؟ قال: عشرون قلت: لما عظمت مصيبتها قل عقلها. قال: هكذا السنة يا ابن أخي, وهذا يقتضي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, رواه سعيد بن منصور.
مسألة: "ودية الكتابي نصف دية المسلم" وروي عنه أنها ثلث الدية لكنه رجع عنها وروى عنه ابنه صالح قال: كنت أذهب إلى أن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف فأنا
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - سبق تخريجه.
3 - رواه النسائي في القسامة: 35-باب عقل المرأة: حديث رقم 1.

ونساؤهم على النصف, ودية العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغت ومن بعضه حر
ـــــــ
اليوم أذهب إلى نصف دية المسلم لحديث عمرو بن شعيب وحديث عثمان الذي يرويه الزهري عن سالم عن أبيه وهذا صريح في الرجوع إلى أن ديته نصف دية المسلم وذلك لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "دية المعاهد نصف دية المسلم". وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين, رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ولفظه قال: "دية المعاهد نصف دية الحر" 1. قال الخطابي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا ولا بأس بإسناده وقد قال به الإمام أحمد وقول النبي صلى الله عليه وسلم أولى.
مسألة: "ونساؤهم على النصف من ذلك" يعني على النصف من دياتهم لا نعلم في هذا خلافا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل؛ ولأنه لما كان دية نساء المسلمين على النصف من ديات رجالهم كذلك نساء أهل الذمة على النصف من دياتهم.
مسألة: "ودية المجوسي ثماني مائة درهم" وهو قول أكثر أهل العلم وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم, وقال عمر بن عبد العزيز: ديته كدية الكتابي نصف دية مسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"؛ ولأنهم يقرون بالجزية فأشبهوا أهل الكتاب, وقال أصحاب الرأي: ديته كدية المسلم لأنه محقون الدم فأشبه المسلم ولنا قول عمر وعثمان وابن مسعود: دية المجوسي ثماني مائة درهم ولا مخالف لهم وأما قولهم سنوا بهم سنة أهل الكتاب فالمراد به في أخذ جزيتهم وحقن دمائهم بدليل أن ذبائحهم لا تباح ولا تنكح نساؤهم ولا يجوز اعتباره بالمسلم ولا الكتابي لنقص أحكامه عنهما وذلك مما يوجب نقصان ديته كما نقصت دية المرأة عن دية الرجل.
مسألة: "ونساؤهم على النصف" من دياتهم بالإجماع وجراح كل أحد معتبرة من ديته وجراح كل امرأة منهم تساوي جراح رجالهم إلى الثلث.
مسألة: "ودية العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغت" فإذا قتلهما قاتل وجبت قيمتهما لأنهما أموال لسيدهما والمال يضمن بقيمته مهما بلغت ويصير كما لو أتلف عليه حيوان أو متاع فإنه تجب قيمة ذلك وكذلك في العبد والأمة.
مسألة: "ومن بعضه حر ففيه بالحساب من دية حر وقيمة عبد" فإذا كان نصفه حرا
ـــــــ
1 - رواه أحمد في المسند 2/180, 183 و 215 و 244. وأبو داود في الديات: حديث رقم 4583. والنسائي في القسامة: 36- باب كم دية الكافر: حديث رقم 1, 2. وابن ماجه في الديات: حديث رقم 2644.

ففيه بالحساب من دية حر وقيمة عبد ودية الجنين إذا سقط ميتا غرة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه ولو شربت الحامل دواء فأسقطت به جنينها
ـــــــ
ونصفه قنا كان فيه نصف دية حر ونصف قيمة عبد لأنه لو كان جميعه حرا لوجب دية حر فيجب في نصفه نصف ديته ولو كان كله عبدا لوجب فيه كمال قيمته فيجب في نصفه نصف قيمته.
مسألة: "ودية الجنين" الحر "إذا سقط" من الضربة "ميتا غرة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه" فيجب في جنين الحرة المسلمة غرة وهو قول أكثرهم روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه استشار الناس في إملاص المرأة فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة. قال: لتأتين بمن يشهد معك فشهد له محمد بن مسلمة1, وعن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة عبد أو أمة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها2, واشترط كون الجنين حرا لأن الخبر ورد فيه وإن كان مملوكا ففيه عشر قيمة أمه كما قلنا في جنين الحرة يجب فيه عشر دية أمه وإنما تجب الغرة إذا سقط من الضربة ويعلم ذلك بأن يسقط عقيبها أو يبقى بها سالما إلى أن يسقط لأنه إذا سقط من الضربة كان قاتلا له فوجبت ديته كما لو ضربه بعد الولادة فقتله, ويجب أن تكون الغرة قيمتها نصف عشر الدية وهي خمس من الإبل وإذا لم يجد الغرة انتقل إلى خمس من الإبل على ظاهر كلام الخرقي وعلى قول غيره من أصحابنا ينتقل إلى خمسين دينارا أو ستمائة درهم. إذا ثبت هذا فإن الغرة موروثة عن الجنين كأنه سقط حيا لأنها دية له وبدل عنه فيرثها ورثته كما لو قتل بعد الولادة وكدية الكبير.
مسألة: "ولو شربت الحامل دواء فأسقطت به جنينها فعليها غرة لا ترث منها شيئا" أجمعوا على ذلك ولأنها إذا أسقطت بالدواء جنينا فهي القاتلة للجنين الجانية عليه فلزمها ضمانه بالغرة كما لو جنى عليه غيرها ولا ترث من الغرة شيئا؛ لأن القاتل لا يرث وتكون الغرة لبقية الورثة من كانوا وعليها عتق رقبة وكذلك كل من ضرب عليه عتق رقبة في ماله لأن الله سبحانه قال: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}, وقد ثبت للجنين الإيمان تبعا لأبويه ولأنها نفس مضمونة بالدية فوجب فيها الكفارة كالكبير.
مسألة: "وإن كان الجنين كتابيا ففيه عشر دية أمه" لأن الجنين المسلم فيه عشر دية
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة: حديث رقم 7317.
2 - سبق تخريجه.

فعليها غرة لا ترث منها شيئا وإن كان الجنين كتابيا ففيه عشر دية أمه وإن كان عبدا ففيه عشر قيمة أمه وإن سقط الجنين حيا ثم مات من الضربة ففيه دية كاملة إذا كان سقوطه لوقت يعيش في مثله.
ـــــــ
أمه فكذلك الجنين الكتابي فيه عشر دية أمه.
مسألة: "وإن كان عبدا ففيه عشر قيمة أمه" وقال أبو حنيفة: يعتبر الجنين بنفسه إن كان ذكرا ففيه نصف عشر قيمته وإن كان أنثى ففيه عشر قيمتها لأنه متلفة فكان بدله معتبرا بنفسه كسائر المتلفات ولنا أنه جنين مات بالجناية في بطن أمه فلم يختلف بالذكورة ولا بالأنوثة كجنين الحرة ويفارق سائر المتلفات فإنه لا يضمن بجميع قيمته ولأنه يتعذر تقويمه وتمييز الذكر من الأنثى.
مسألة: "وإن سقط الجنين حيا ثم مات من الضربة ففيه دية كاملة". قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن في الجنين يسقط حيا من الضرب الدية كاملة؛ ولأنه مات من جناية بعد ولادته فكانت فيه دية كاملة كما لو قتله بعد وضعه وإنما تجب ديته إذا سقط حيا وتعلم حياته بالاستهلال أو التنفس أو شرب اللبن أو العطاس وإنما يجب ضمانه إذا سقط من الضربة ومات ويعلم بها ذلك بأن يموت في الحال أو يبقى متألما إلى أن يموت فيعلم أنه مات من الجناية كما إذا ضرب رجلا فمات عقيب ضربه أو بقي متألما حتى مات إذا ثبت هذا فإن الدية كاملة إنما تجب فيه "إذا كان سقوطه لوقت يعيش في مثله" وهو أن يكون لستة أشهر فصاعدا فإن كان لدون ذلك ففيه غرة كما لو سقط ميتا, وقال الشافعي رضي الله عنه: فيه دية كاملة لأننا علمنا حياته وقد تلف من جنايته ولنا أنه لم يعلم فيه حياة يتصور بقاؤه بها فلم تجب فيه دية كما لو ألقته ميتا وكالمذبوح وقولهم إننا علمنا بحياته إذا سقط ميتا وله ستة أشهر فقد علمنا حياته .
باب العاقلة و ما تحمله...
باب العاقلة وما تحمله
وهي عصبة القاتل كلهم قريبهم وبعيدهم من النسب والموالي إلا الصبي
ـــــــ
باب العاقلة وما تحمله
"و" العاقلة "عصبة القاتل كلهم قريبهم وبعيدهم من النسب والموالي" لا خلاف بين أهل العلم أن العاقلة هم العصبات وأن غيرهم من الإخوة للأم وسائر ذوي الأرحام والزوج ليس من العاقلة واختلفت الرواية في الأبناء والآباء هل هم من العاقلة؟ ففيه روايتان عن أحمد رحمه الله: إحداهما أن كل العصبات من العاقلة يدخل فيه آباء الرجل وأبناؤه وإخوته وعمومته وأبناؤهم وهو اختيار أبي بكر والشريف أبي جعفر لما روى أبو داود بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عقل

والمجنون والفقير ومن يخالف دينه دين القاتل, ويرجع في تقدير ما يحمله كل واحد
ـــــــ
المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئا إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ورثتها1؛ ولأنهم عصبة أشبهوا الإخوة يحققه أن العقل موضوع على التناصر وهم من أهله والرواية الثانية ليس هم من العاقلة؛ لما روى أبو هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم, متفق عليه2. وفي رواية: ثم ماتت القاتلة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ميراثها لبنتها والعقل على العصبة, رواه أبو داود والترمذي, وفي رواية عن جابر بن عبد الله قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلتها وعصبتها وبرأ زوجها وولدها. قال: فقال: عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ميراثها لزوجها وولدها". رواه أبو داود3. إذا ثبت هذا في الأولاد قسنا عليه الوالد لأنه في معناه؛ ولأن مال والده وولده كماله ولهذا لم تقبل شهادتهما له فلا تجب فيه دية كما لا تجب في ماله وظاهر كلام الخرقي أن الإخوة كالوالد في أن فيه روايتين وغيره من أصحابنا يخصون الروايتين بالولد والوالد ويجعلون الإخوة من العصبة بكل حال وهو الصحيح.
مسألة: "وسائر العصبة من العاقلة -بعدوا أو قربوا- من النسب والموالي" لأنهم عصبة فيدخلون في تحمل العقل كالقريب ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال بل متى كانوا بحال يرثون لولا الحجب عقلوا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية بين عصبة المرأة من كانوا والمولى من عصبته يعقل عنه إلا أنه لا يعقل إلا ما يفضل عن المناسبين فيقسم أولا على الإخوة ثم بنيهم ثم الأعمام ثم بنيهم فإن فضل بعد جميع المناسبين فضلة من الدية قسم على المولى وعصبته فإن لم يكن له عصبات أو كانوا وفضل عنهم شيء من الدية قسم على مولى المولى ثم على عصبة مولى المولى ثم على هذا التريب بحسب ما ذكرنا في الميراث فإن فضل عن جميعهم شيء كان في بيت المال.
مسألة: "إلا الصبي والمجنون والفقير ومن يخالف دينه دين القاتل" وذلك لأن تحمل العقل على سبيل المواساة فلا يلزم الفقير كالزكاة؛ ولأن حمل الدية وجب على سبيل النصرة والصبي والمجنون ليسا من أهلها فلا يلزمهم العقل, وكذلك المرأة, وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان مع العاقلة, وأجمعوا على أن الفقير لا يلزمه شيء لما سبق ومن يخالف دينه فليس من أهل نصرته وموالاته فلا يعقل عنه كالصبي.
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4564.
2 - سبق تخريجه.
3 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4575.

منهم إلى اجتهاد الإمام فيفرض عليه قدرا يسهل ولا يشق وما فضل فعلى القاتل وكذلك الدية في حق من لا عاقلة له ولا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا
ـــــــ
مسألة: "ويرجع في تقدير ما يحمله كل واحد منهم إلى اجتهاد الإمام فيفرض عليه قدرا يسهل" عليه "ولا يشق" لأنه لم يرد فيه تقدير من الشرع فيرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد فأشبه النفقات وتقدير المتعة للمتزوجة بغير صداق إذا طلقها قبل الدخول.
مسألة: "وما فضل" عن العاقلة "فـ" هو "على القاتل وكذلك الدية في حق من لا عاقلة له" حكم من لم يكن له عاقلة تحمل الجميع كحكم من لا عاقلة له, وقد ذكر الخرقي فيمن لا عاقلة له روايتين: إحداهما يؤدي عنه من بيت المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودى الأنصاري المقتول في خيبر من إبل الصدقة؛ ولأن بيت المال للمسلمين وهم يرثون كما ترثه عصباته, والرواية الأخرى لا يجب ذلك لأن بيت المال فيه حق النساء والصبيان والمعتوهين والفقراء ولا عقل عليهم؛ ولأن العقل بالتعصيب لا بالميراث ولم يثبت أن مال بيت المال لعصبات هذا. فأما تحمل النبي صلى الله عليه وسلم دية الأنصاري فلا يلزم لأنه قتيل أهل الذمة وبيت المال لا يعقل عنهم, فإن قلنا بالرواية الأولى فلم يكن له عاقلة أصلا أخذ من بيت المال وإن كان له من عاقلته من يحمل بعض الدية فرض عليهم على قدر الواجب عليهم والباقي من بيت المال, فإذا لم يمكن الأخذ من بيت المال فقال الشافعي: ليس على القاتل شيء في أحد قوليه وفي الآخر تكون الدية على القاتل لأن الدية تجب عليه ابتداء ثم تحملها العاقلة عنه فإذا لم يكن متحمل بقيت عليه؛ ولعموم قوله تعالى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ}؛ ولأنه يتعذر حمل الدية عن القاتل فلزمته كما لو ثبت القتل باعترافه. قال شيخنا: ويتخرج في المذهب مثل ذلك ولأن أصحابنا قالوا في المرتد إذا قتل رجلا خطأ فالدية في ماله مؤجلة؛ لأنه لا عاقلة له فينبغي أن يثبت هذا الحكم في كل من لا عاقلة له لوجود العلة فيه. وقالوا في نصراني رمى بسهم ثم أسلم ثم قتل السهم رجلا: الدية في ماله لأنه تعذر حمل العاقلة فكذا هذا.
مسألة: "ولا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون الثلث"؛ لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا". وروى عن ابن عباس موقوفا عليه وفي هذه المسألة خمس مسائل: الأولى أنها لا تحمل العمد وقد أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل العمد الموجب للقصاص في نفس ولا طرف وعن مالك أن الجنايات التي لا قصاص فيها تحملها العاقلة كالجائفة والمأمومة لأنها جناية لا قصاص فيها فأشبهت الخطأ, ولنا حديث ابن عباس ولأنها جناية عمد فلا تحملها العاقلة كقتل الأب ابنه والموضحة وأما سقوط القصاص

صلحا ولا اعترافا ولا ما دون الثلث
ـــــــ
في الجائفة والمأمومة بخلاف الخطأ فإن انتفاء القصاص فيه لكونه معذورا فيه فيقتضي أن تواسيه العاقلة فيه. والمسألة الثانية: أنها لا تحمل العبد فإذا قتله قاتل وجبت قيمته في مال القاتل ولا شيء على عاقلته خطأ كان أو عمدا, وقال أبو حنيفة: تحمله العاقلة لأنه آدمي يجب لقتله القصاص والكفارة فحملت العاقلة بدله كالحر, ولنا حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ ولأن الواجب في العبد القيمة وهي تختلف باختلاف صفاته فلا تحملها العاقلة كسائر القيمة وكضمان أطرافه وبهذا فارق الحر. والمسألة الثالثة: أنها لا تحمل الصلح قال القاضي: معناه إن صالح الأولياء عن دم العمد إلى الدية فلا تحمله العاقلة لكونه حصل على جناية العمد ويحتمل أنه إذا ادعى عليه قتل عمد فينكر ثم يصالح الأولياء على الإنكار على مال فلا تحمله العاقلة؛ لأنه مال ثبت بمصالحته واختياره فجرى مجرى اعترافه وقد سبق فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والمسألة الرابعة: أن العاقلة لا تحمل الاعتراف وهو أن يعترف إنسان بقتل خطأ أو شبه عمد فلا تحمله العاقلة ولا نعلم فيه مخالفا. وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ولأنا لو أوجبنا الدية عليهم لأوجبنا عليهم حقا بإقرار غيرهم ولا يقبل إقرار شخص على غيره؛ ولأنه متهم في أن يواطئ على ذلك ليأخذ الدية من عاقلته إذا تقرر هذا فإنه إذا اعترف وجبت الدية عليه حالة ولا يصح إقراره ولا يلزمه شيء لكونه إقرارا على غيره, ولنا قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} ؛ ولأنه مقر بجناية على غير لا يصح إقراره كجناية العمد ولأنه محل مضمون بالدية لو ثبت بالبينة فيضمن إذا اعترف كسائر المحال وإنما سقطت عنه الدية في محل الوفاق لتحمل العاقلة له فإذا لم تتحملها العاقلة بقي وجوبها عليه كسائر الديون.
المسألة الخامسة: أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث, والصحيح عن الشافعي رضي الله عنه أن العاقلة تحمل القليل والكثير؛ لأن من وجب عليه الكثير لزمه القليل كالجاني. وقال أبو حنيفة: تحمل العاقلة السن والموضحة وما فوقها وهو نصف عشر الدية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الغرة التي في الجنين على العاقلة وقيمتها نصف عشر الدية ولا تحمل ما دونه؛ لأنه ليس فيه أرش مقدر يجري مجرى ضمان الأموال, ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قضى في الدية أن لا تحمل منها العاقلة شيئا حتى تبلغ الدية عقل المأمومة؛ ولأن الأصل وجوب الضمان على الجاني على مقتضى قاعدة سائر الجنايات لكن خولف الأصل في ما زاد على الثلث لكونه كثيرا يجحف بالجاني ففيما عداه يبقى على قضية القياس لقلته وعدم إجحافه به, والدليل على كثرة الثلث وقلة ما دونه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الثلث كثير". وبهذا يفارق الثلث ما دونه, وأما الغرة فلا نسلمها إلا أن يقتل الجنين مع الأم فتحملها العاقلة؛ لأن موجب الجناية يزيد على الثلث وإن سلمنا فإنما تحملها العاقلة لأنها دية آدمي على سبيل الكلام.

ويتعاقل أهل الذمة, ولا عاقلة لمرتد ولا لمن أسلم بعد جنايته أو انجر ولاؤه بعدها.
فصل
وجناية العبد في رقبته إلا أن يفديه السيد بأقل الأمرين من أرشها أو قيمته
ـــــــ
مسألة: "ويتعاقل أهل الذمة" فإذا كان القاتل ذميا فعقله على عصبته من أهل دينه المعاهدين, وعنه لا يتعاقلون ولنا أنهم عصبة يرثونه فيعقلون عنه كعصبة المسلم من المسلمين ولا يعقل عنه مناسبوه من المسلمين؛ لأنهم لا يرثونه ولا عصبته الذين بدار الحرب لأن الموالاة والنصرة منهم منقطعة وهل يعقل اليهودي عن النصراني أو النصراني عن اليهودي؟ على وجهين بناء على الروايتين في توارثهما فإن لم يكن للذمي عصبة لم يعقل عنه بيت المال؛ لأن المسلمين لا يرثونه وإنما ينقل ماله إلى بيت المال إذا لم يكن له وارث فيأخذه بخلاف مال المسلمين.
مسألة: "ولا عاقلة لمرتد" لأن عصبته من المسلمين لا يرثونه فلا يعقلون عنه, ولا يقر على الكفر فيعقل عنه الكفار ولو رماه وهو مسلم ثم ارتد ثم أصابه السهم لم يعقل عنه المسلمون؛ لأنه قتل وهو مرتد ولا عصبته الكفار لأنه رمى وهو مسلم ولأنهم لا يرثونه فتكون الدية في ماله.
مسألة: "ولا" عاقلة "لمن أسلم بعد جنايته" فلو قتل وهو كافر ثم أسلم لم تعقل عنه عصبته الكفار لأنه مسلم والكفار لا يرثونه فلا يعقلون عنه ولا يعقل عنه المسلمون لأنه جنى وهو كافر ولو رمى يهودي طائرا بسهم ثم أسلم ووقع السهم في مسلم فقتله لم تعقل عنه عصبته المسلمون؛ لأن إرسال السهم كان قبل إسلامه ولا عصبته الذميون لأنه قتله وهو مسلم فيكون في مال الجاني.
مسألة: ولا عاقلة لمن "انجر ولاؤه بعدها" يعني بعد جنايته, وصورة ذلك إذا تزوج عبد معتقة قوم فأولدها فولاء الوالد لمولاه فإن جنى الولد فعقله على مولى أمه فإن أعتق أبوه انتقل الولاء إلى موالي الأب وانقطع عن موالي الأم؛ لأن الولاء انجر عنهم فلا يعقلونهم لأنهم لا يرثونه ولا يعقل عنه موالي الأب لأنه جنى وهو مولى غيرهم ولو جرح ابن المعتقة رجلا ثم انجر ولاؤه إلى موالي أبيه ثم سرت الجناية فالحكم كذلك؛ لأن موالي الأم لا يعقلون لانقطاع الولاء عنهم وموالي الأب لا يعقلون لأن سبب السراية كان قبل حصول الولاء لهم
فصل
مسألة: "وجناية العبد في رقبته إلا أن يفديه السيد بأقل الأمرين من أرشها أو قيمته" هذا في الجناية التي تودي بالمال إما لكونها موجبة للقصاص فعفى عنه إلى المال وإما

ودية الجناية عليه ما نقص من قيمته في مال الجاني
ـــــــ
لكونها لا توجب إلا المال كسائر جناياته فإن أرش جميع ذلك يتعلق برقبته لأنه لا يخلو إما أن يتعلق برقبته أو بذمته أو بذمة سيده أو لا يجب شيء ولا يمكن إلغاؤها لأنها جناية آدمي فيجب اعتبارها كجناية الحر ولا يمكن تعلقها بذمته لإفضاء ذلك إلى فوات حق المجني عليه أو تأخيره, ولا بذمة السيد لأنه لم يجن والجاني هو العبد وله يد وقصد فثبت أنها تتعلق برقبته؛ ولأن الضمان موجب جنايته فيتعلق برقبته كالقصاص ثم لا يخلو أرش الجناية من أن يكون بقدر قيمة العبد فما دون أو أكثر فإن كان بقدرها فما دون فالسيد مخير بين أن يفديه بأرش جنايته أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه لأنه إن دفع أرش الجناية فهو الذي وجب للمجني عليه فلم يملك المطالبة بأكثر منه وإن سلم العبد فقد أدى المحل الذي تعلق الحق بت؛ ولأن حق المجني عليه لا يتعلق بأكثر من الرقبة وقد أداها فإن طالب بتسليمه إليه وأبى ذلك سيده لم يجبر عليه لما ذكرنا, وإن دفع السيد عبده فأبى قبوله وقال بعه وادفع إلي ثمنه فهل يلزم السيد ذلك؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه بيعه لأن الحق لم يثبت في ذمته ولم يتعلق بغير الجاني فلم يلزمه أكثر من تسليمه كما لو أصدق المرأة عبدا بعينه. والثانية: يلزم السيد الأقل من قيمته أو أرش جنايته ولا يلزم الجاني أخذ العبد لأن الدين تعلق به على وجه لم يملكه ولا يجب مثله فأشبه الرهن, وأما إن كانت الجناية أكثر من قيمته ففيه روايتان: إحداهما أن سيده مخير بين أن يفديه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته وبين أن يسلمه لما ذكرنا في القسم الذي قبله. والثانية: أنه مخير بين تسليمه وبين فدائه بأرش جنايته بالغة ما بلغت؛ لأنه إذا عرض للبيع ربما رغب فيه راغب بأكثر من قيمته فإذا أمسكه فقد فوت تلك الزيادة على المجني عليه, ووجه الأولى أن الشارع قد جعل للسيد فداءه فكان الواجب عليه قيمته كسائر المتلفات.
مسألة: "ودية الجناية عليه" -يعني على العبد- "ما نقص من قيمته" ؛ لأن ضمانه ضمان الأموال فيجب فيه ما نقص كالبهائم؛ ولأن ما ضمن بالقيمة بالغا ما بلغ ضمن بعضه بما نقص كسائر الأموال, وعنه إن كانت الجناية عليه في شيء مثله مؤقت في الحر كاليد والعين فهو في العبد مقدر من قيمته لأن ديته قيمته ففي يده نصف قيمته وفي موضحته نصف عشر قيمته وما أوجب الدية من الحر كاليدين والرجلين, والأنف والذكر والأنثيين أوجب قيمة العبد, وهذا يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولم يعرف له مخالف من الصحابة؛ ولأنه آدمي يضمن في القصاص والكفارة فكان في أطرافه مقدرا كالحر ولأن أطرافه منها مقدر من الحر فكان فيها مقدرا من العبد كالشجاج الأربع؛ ولأن ما وجب في شجاجه مقدرا وجب في أطرافه مقدرا كالحر إذا ثبت هذا فإنها تجب. "في مال الجاني" لأن العاقلة لا تحمل العبد كما سبق.

وجناية البهائم هدر إلا أن تكون في يد إنسان كالراكب والقائد والسائق فعليه ضمان ما جنت بيدها أو فمها دون ما جنت برجلها أو ذنبها، وإن تعدى بربطها في ملك غيره أو طريق ضمن جنايتها كلها وما أتلفت من الزرع نهارا لم يضمنه إلا أن
ـــــــ
مسألة: "وجناية البهائم هدر" لقوله عليه السلام: " العجماء جبار" 1, والعجماء البهيمة وقوله جبار أي هدر كقوله: "البئر جبار والمعدن جبار" 2. أي هدر يعني إذا استأجر من يحفر له في بئر أو معدن فوقع عليه فقتله فهو هدر.
مسألة: "إلا أن تكون" البهيمة "في يد إنسان كالراكب والقائد والسائق فعليه ضمان ما جنت يدها أو فمها دون ما جنت رجلها أو ذنبها"؛ لأن اليد والفم يمكنه التحفظ منهما وليس كذلك الرجل فإنه لا يمكنه التحفظ منها كما لو لم تكن يده عليها, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الرجل جبار" 3. في حديث أبي هريرة وروى سعيد بإسناده عن هذيل بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وذنبها كرجلها", وعنه رواية أخرى يضمن جناية الرجل. قال القاضي: وهي أصح لأنه يشاهدها فهي كاليد أو الفم.
مسألة: "وإن تعدى بربطها في ملك غيره أو طريق ضمن جنايتها كلها" لأنه متعد بذلك وإن كان الطريق واسعا ففيه روايتان: إحداهما يضمن أيضا لأن انتفاعه بالطريق مشروط بالسلامة وكذلك لو ترك في الطريق طينا أو ما أشبهه فزلق فيه إنسان ضمن. والثانية: لا يضمن لأن له أن يقفها في طريق لا يضيق بها على الناس فلم يكن متعديا فلم يضمن كما لو جلس فعثر به إنسان.
مسألة: "وما" أفسدت البهيمة "من الزرع نهارا لم يضمنه إلا أن تكون في يده وما أتلفت ليلا فعليه ضمانه" ؛ لما روى مالك عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم. قال ابن عبد البر: إن كان هذا مرسلا فهو مشهور حدث به الأئمة الثقات واستعمله فقهاء الحجاز بالقبول؛ ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها في النهار للرعي وحفظها ليلا وعادة أهل الحوائط حفظها نهارا دون الليل فإذا رعت ليلا كان التفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ, وإن أتلفت نهارا كان التفريط من أهل الزرع فكان عليهم, وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى على كل إنسان بالحفظ في وقت عادته, وأما غير الزرع فلا يضمن لأن البهيمة لا تتلف
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الديات: حديث رقم 6912, ومسلم في المساقاة: حديث رقم 3.
2 - انظر تخريج الحديث عاليه.
3 - نفس التخريج.

تكون في يده وما أتلفت ليلا فعليه ضمانه.
ـــــــ
ذلك عادة فلا يحتاج إلى حفظها عنه بخلاف الزرع وهذا إذا لم تكن يد أحد عليها فإن كان صاحبها معها أو غيره فعلى من يده عليها ضمان ما أتلفته من نفس أو مال على ما سبق في المسألة قبلها.

باب ديات الجراح
كل ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه دية كلسانه وأنفه وذكره وسمعه وبصره وشمه وعقله وكلامه وبطشه ومشيه, وكذلك في كل واحد من صعره -وهو أن يجعل وجهه في جانبه- وتسويد وجهه وخديه واستطلاق بوله أو غائطه وقرع رأسه ولحيته دية, وما فيه منه شيئان ففيهما الدية وفي أحدهما نصفها كالعين والحاجبين والشفتين والأذنين واللحيين واليدين والثديين والاليتين والأنثيين والأسكتين والرجلين وفي الأجفان الأربعة الدية وفي أهدابها الدية وفي كل واحد ربعها, فإن
ـــــــ
باب ديات الجراح"كل ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه دية كلسانه وأنفه وذكره وسمعه وبصره وشمه وعقله وكلامه وبطشه ومشيه وكذلك في كل واحد من صغره وهو أن يجعل وجهه في جانبه وتسويد وجهه وخديه واستطلاق بوله أو غائطه وقرع رأسه ولحيته دية", وذلك أن كل عضو لم يخلق الله سبحانه في الإنسان منه إلا واحدا كاللسان والأنف وجميع ما ذكرنا ففيه دية كاملة؛ لأن في إتلافه إذهاب منفعة الجنس وإذهاب منفعة الجنس كإتلاف النفس.
مسألة: "وما فيه منه شيئان ففيهما الدية وفي أحدهما نصفها كالعينين والحاجبين والشفتين والأذنين واللحيين واليدين والثديين والإليتين والأنثيين والأسكتين والرجلين"؛ لأن منفعة الجنس تذهب بذهابهما فكان فيهما الدية وفي إتلاف أحدهما إذهاب نصف منفعة الجنس فكان فيه نصف الدية لا نعلم في هذا خلافا, وقد روى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه وكان في كتابه: "وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية", رواه النسائي وغيره1. ورواه ابن عبد البر وقال: كتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء وما فيه متفق عليه إلا قليلا.
مسألة: "وفي الأجفان الأربعة الدية" لأن بإذهابها تفوت منفعة الجنس جميعا, "وفي
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.

قلعها بأهدابها وجبت دية واحدة وفي أصابع اليدين الدية وفي أصابع الرجلين الدية وفي كل إصبع عشرها وفي كل أنملة ثلث عقلها إلا الإبهام في كل أنملة نصف عقلها وفي كل سن خمس من الإبل إذا لم تعد
ـــــــ
كل واحد" منها "ربع" الدية لأن كل ذي عدد تجب الدية في جميعه تجب في كل واحد بحصته من الدية كالعينين والأصابع ولأن فيها جمالا ظاهرا ومنفعة كاملة فإنها تكن العين وتحفظها وتقيها الحر والبرد وتكون كالغلق عليها يطبقه إذا شاء ويفتحه إذا شاء ولولاها لقبح منظره فوجب أن يكون فيها الدية كاليدين.
مسألة: وتجب الدية في أهداب العينين بمفردها وهو الشعر الذي على الأجفان لأن فيها جمالا ومنفعة فوجب فيها الدية كالأجفان.
مسألة: "فإن" قطع الأجفان "بأهدابها" لم يجب أكثر من "دية واحدة" لأن الشعر يزول تبعا لزوال الأجفان فلم يجب فيها شيء كالأصابع إذا قطع الكف وهي عليه.
مسألة: "وفي أصابع اليدين الدية وفي أصابع الرجلين الدية وفي كل إصبع عشرها" ولا نعلم فيه مخالفا إلا عن عمر ثم رجع عنه إلى ما في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لآل حزم فأخذ به وترك قوله الأول وبهذه الجملة قال عمر وعلي وزيد وابن عباس وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل إصبع". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح, ورواه أبو داود عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم1. وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: "وفي كل إصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل" 2؛ ولأنه جنس ذو عدد تجب فيه الدية فكانت سواء في الدية كالأسنان والأجفان.
مسألة: "وفي كل أنملة ثلث عقلها" فديتها مقسومة على عدد أناملها لكل إصبع ثلاث أنامل "إلا الإبهام" فإنها أنملتان ففي كل أنملة من غير الإبهام ثلث عقلها ثلاثة أبعر وثلث ثلث دية الإصبع وفي كل أنملة من الإبهام خمس من الإبل نصف ديتها والحكم في أصابع اليدين والرجلين سواء لعموم الخبر فيهما وحصول الاتفاق عليهما.
مسألة: "وفي كل سن خمس من الإبل إذا لم تعد" لا نعلم خلافا بينهم في أن دية الأسنان من الإبل خمس في كل سن روي ذلك عن عمر وابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم, وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي السن خمس من الإبل". رواه النسائي وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الأسنان خمس
ـــــــ
1 - رواه الترمذي في الديات: حديث رقم 1391. وأبو داود في الديات: حديث رقم 4556.
2 - سبق تخريجه.

وفي مارن الأنف وحلمة الثدي والكف والقدم
ـــــــ
خمس", رواه أبو داود1, والأضراس والأنياب كالأسنان روي ذلك عن ابن عباس ومعاوية رواه مسلم ولأن قوله في الخبر "في كل سن خمس من الإبل" ولم يفصل فدخل في عمومها الأضراس والأنياب لأنها أسنان, وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأصابع سواء والأسنان سواء الشفة والضرس سواء هذه وهذه سواء" 2, وهذا نص وإذا ثبت هذا فإن ديتها تجب إذا لم تعد فإن عادت لم تجب ديتها كما لو نتف شعره فعاد مثله.
مسألة: "وفي مارن الأنف" الدية بغير خلاف بينهم حكاه ابن عبد البر وابن المنذر عن من يحفظ عنه من أهل العلم وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في الأنف إذا أوعب مارنه جدعا الدية" 3؛ ولأنه عضو فيه جمال ومنفعة ليس في البدن منها إلا شيء واحد فكانت فيه دية كاللسان, وإنما الدية في مارنه وهو ما لان منه هكذا قال الخليل وغيره؛ ولأن الذي يقطع منه ذلك فانصرف الخبر إليه.
مسألة: "و" في "حلمتي الثدي" الدية نص عليه لأن المنفعة بها تتعلق بالحلمتين بهما يشرب اللبن فهما كالأصابع مع الكف وحكم ثدي الرجل كحكم ثدي المرأة؛ لأن ما وجب فيه من المرأة وجب فيه من الرجل كسائر الأعضاء؛ ولأنه أذهب الجمال على الكمال فوجبت الدية كأذني الأصم وأنف الأخشم.
مسألة: "و" في "الكف" الدية "و" كذلك "القدم" يعني الكف بأصابعه والقدم بأصابعه إذا قطعه وجبت ديته كاملة؛ لأنه قطع يده أو رجله فوجبت ديتها لذهاب نفعها وخص ذلك بالقدم والكف لأن فيه زيادة بيان وتعريف أن قطع ذلك يوجب الدية كما لو قطع اليد من المرفق فإنه يجب دية اليد لا غير, ولو قطع الرجل مع الركبة وجبت ديتها لأن ذلك يسمى يدا وتسمى رجلا فهو داخل في مسمى اليد والرجل فلم يكن فيه أكثر من دية. هذا ظاهر المذهب, وقال القاضي: في الزائد حكومة يعني إذا قطع من المرفق أو من الركبة وجبت عليه دية اليد والرجل وفي الزائد عن الكوع والكعب حكومة لأن اليد اسم لها إلى الكوع بدليل الآية وهي قوله سبحانه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} 4, ولا تقطع إلا من الكوع ولنا أن اليد اسم للجميع إلى المنكب بدليل قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}, ولما نزلت آية التيمم مسح الصحابة إلى المناكب وقال ثعلب: اليد إلى
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4563.
2 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4559.
3 - سبق تخريجه.
4 - سورة المائدة: الآية 38.

وحشفة الذكر وما ظهر من السن وتسويدها دية العضو كله وفي بعض ذلك بالحساب من ديته وفي الأشل من اليد, والرجل والذكر وذكر الخصي والعنين
ـــــــ
المنكب فإذا قطعها من فوق الكوع فما قطع إلا اليد فلا يكون فيها إلا دية اليد ولا يمنع أن يجب في الكل مثل ما يجب في البعض كما لو قطع الذكر من أصله لم يجب إلا دية ولو قطع الحشفة وجبت الدية ولو قطع الأصابع وجبت الدية ولو قطعها مع الكوع لم يجب إلا دية.
مسألة: "و" في "حشفة الذكر" الدية ولا نعلم مخالفا فيه لأن منفعة الذكر تكمل بالحشفة كما تكمل منافع اليد بالأصابع فكملت الدية بقطعها كالأصابع.
مسألة: ويجب في "ما ظهر من السن ديتها" لأن السن اسم لما ظهر من اللثة فإذا كسره من ذلك الحد وجبت الدية وما في اللثة يسمى سنخا فإن قلعه بسنخه لم يزد الأرش كما أن أصل الأصابع في الكف فإذا قطعها وجبت الدية وإذا قطع معها الكف لم يزد الأرش.
مسألة: "وإن جنى على السن فسودها وجبت عليه ديتها" روي ذلك عن زيد ابن ثابت وحكي عن الإمام أحمد فيها روايتان أن في تسويدها كمال ديتها؛ لأنه أذهب الجمال على الكمال فكملت ديتها كما لو قطع أذن الأصم وأنف الأخشم ولأنه قول زيد ولم يعرف له مخالف من الصحابة.
مسألة: "وفي بعض ذلك بالحساب من ديته" فإذا قطع شيئا من مارن الأنف أو الثدي أو الحشفة أو الذكر أو كسر بعض السن إن النصف وجب نصف ديته وإن كان أقل من ذلك أو أكثر وجب بحسابه.
مسألة: "وفي الأشل من اليد والرجل والذكر وذكر الخصي والعنين ولسان الأخرس والعين الغائمة والسن السوداء والذكر دون حشفته والثدي دون حلمته والأنف دون أرنبته والزائد من الأصابع وغيرها حكومة". اليد الشلاء اليابسة التي قد ذهبت منها منفعة البطش واختلفت الرواية عن أحمد فيها وفي السن السوداء والعين الغائمة وهي التي ذهب بصرها وصورتها باقية: فعنه فيهن حكومة لأنه لا يمكن إيجاب دية كاملة لكونها قد ذهبت منفعتها ولا مقدر فيها فتجب فيها الحكومة كاليد الزائدة وعنه يجب في كل واحدة ثلث ديتها؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العين الغائمة السادة لمكانها بثلث الدية وفي اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها وفي السن السوداء إذا قلعت ثلث ديتها. رواه النسائي وأخرجه أبو داود مختصرا في العين وحدها, وروي ذلك عن عمر ولأنها كاملة الصورة فكان فيها مقدر كالصحيحة.

ولسان الأخرس والعين الغائمة والسن السوداء والذكر دون حشفته والثدي دون حلمته والأنف دون أرنبته والزائد من الأصابع وغيرها حكومة وفي الأشل من الأنف وأنف الأخشم وأذن الأصم ديتها كاملة.
ـــــــ
مسألة: وكذلك الرجل الشلاء والذكر الأشل وذكر الخصي وذكر العنين وكذلك كل عضو ذهب نفعه وبقيت صورته فذلك على روايتين: إحداهما تجب حكومة كما سبق والثانية ثلث الدية بالقياس على ما مضى.
مسألة: "وفي لسان الأخرس روايتان أيضا كالروايتين في اليد الشلاء". قال القاضي: في معنى ذلك الإصبع الزائدة ونحوها. قال شيخنا -رحمه الله-: والصحيح أن الواجب في الزائد حكومة لأن الأصلي الباقية صورته بقي جماله بعد ذهاب نفعه والزائد لا جمال فيه بل هو يشين في الخلقة فلا يصح قياسه على ما بقي جماله.
مسألة: "وأما الذكر دون حشفته ففيه وجهان:" أحدهما حكومة, والثاني: ثلث ديته كما لو قطع الكف بعد ذهاب الأصابع والحكم في الثدي دون حلمته كالذكر دون حشفته وعلى قياسه الأنف دون أرنبته لأنه يشبه الذكر دون حشفته فيكون حكمه حكمه.
مسألة: "وفي الأشل من الأذن والأنف وأنف الأخشم وأذن الأصم ديتها كاملة" لأن نفعها وجمالها باق بعد شللها فإن منفعة الأذن جمع الصوت ومنع دخول الماء والهوام في صماخه فإذا قطعها وجبت ديتها ولأنه قطع أذنا فيها الجمال والنفع فأشبه ما لو قطعها قبل الشلل, والأنف الأشل كذلك لأنه قطع أنفا فيه الجمال والنفع فوجبت ديته كغير الأشل وأنف الأخشم -يعني الذي لا يشم- تجب ديته كما لو قطع أذن الأصم فإنه يجب ديتها كاملة لما ذكرناه.
باب الشجاج و غيرها...
باب الشجاج وغيرها
الشجاج هي جروح الرأس والوجه وهي تسع: أولها الحارصة وهي التي تشق الجلد شقا لا يظهر منه دم ثم البازلة التي ينزل منها دم يسير ثم الباضعة التي تبضع اللحم بعد الجلد ثم المتلاحمة التي أخذت في اللحم ثم السمحاق التي بينها وبين
ـــــــ
باب الشجاج وغيرها
"والشجاج هي جراح الرأس والوجه" فإنه يسمى شجاجا خاصة دون جراح سائر البدن والشجاج المساة "تسعة": منها خمس لا توقيت فيها وباقيها مقدر فأما التي لا توقيت فيها فقال الأصمعي: "أولها الحارصة وهي التي تشق" اللحم قليلا, ومنه حرص القصار للثوب "ثم البازلة" وهي "التي يبزل منها" الـ "دم" أي يسيل وتسمى الدامية أيضا "ثم

العظم قشرة رقيقة فهذه الخمس لا توقيت فيها ولا قصاص بحال ثم الموضحة وهي التي وصلت إلى العظم وفيها خمس من الإبل, والقصاص إذا كانت عمدا ثم
ـــــــ
الباضعة" وهي "التي" تشق "اللحم بعد الجلد ثم المتلاحمة" وهي "التي أخذت في اللحم" ولم تبلغ السمحاق "ثم السمحاق وهي التي" تصل إلى "قشرة رقيقة" أو جلدة بين اللحم والعظم تسمى الجراح الموصلة إلى تلك الجلدة سمحاقا باسمها ويسميها أهل المدينة الملطاء وهي التي تأخذ اللحم كله حتى تخلص منه. "فهذه خمس لا توقيت فيها ولا قصاص" أي لم نجد عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيها حكما ولا توقيتا وأكثر الفقهاء لا يرون فيها توقيتا وهو الصحيح عن أحمد رحمه الله, وعنه رواية أخرى في الدامية بعير وفي الباضعة بعيران وفي الملاحمة ثلاثة أبعرة وفي السمحاق أربعة أبعرة وهذا يروي عن زيد بن ثابت صار أحمد إلى ذلك اتباعا لزيد؛ لأن مثل هذا لا يكاد يصدر إلا عن توقيت ووجه الأول أنها جراحات لم يرد فيها توقيت في الشرع فكان الواجب فيها حكومة كجراحات البدن أو كالحارصة وروى مكحول قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموضحة بخمس من الإبل ولم يقض فيما دونها.
مسألة: "ثم الموضحة" وهي من الشجاج "وهي التي وصلت إلى العظم" سميت موضحة لأنها أبدت وضح العظم أي بياضه أجمع أهل العلم على أن أرشها مقدر قاله ابن المنذر, وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي الموضحة خمس من الإبل". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في المواضح خمس خمس" . رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن1, والموضحة في الوجه والرأس سواء وعنه رواية أخرى: يجب في موضحة الوجه عشر من الإبل وهو قول سعيد بن المسيب لأن تشيينها أكثر والأول ظاهر المذهب وهو الصحيح الذي يوافق عموم الخبر ويشهد له النظر فإن التقدير لا يصار إليه بالرأي والاختيار أما كثرة الشين فلا عبرة به بدليل التسوية بين الصغير والكبير.
مسألة: "و" فيها "القصاص إذا كانت عمدا" لقوله سبحانه: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} ؛ ولأن لها حدا تنتهي إليه فأشبهت اليد وقوله في الشجاج وهي جروح الرأس والوجه يعني أنها تختص بالرأس والوجه فلو أوضحه في غيرهما لم يكن فيه مقدر هذا قول أكثرهم وقال بعضهم: إن أوضحه في غير الرأس والوجه كانت موضحة مقدرة ولنا أن اسم الموضحة إنما يطلق على الجراحة المخصوصة بالرأس والوجه وقول الخليفتين الراشدين
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الديات: حديث رقم 4566. والنسائي في القسامة: 44- باب المواضح حديث رقم 1. والترمذي في الديات: حديث رقم 1390.

الهاشمة وهي التي توضح العظم وتهشمه وفيها عشر من الإبل ثم المنقلة وهي التي توضح وتهشم وتنقل عظامها وفيها خمسة عشر من الإبل, ثم المأمومة وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ وفيها ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية وهي التي تصل إلى الجوف فإن خرجت من جانب آخر فهي جائفتان وفي الضلع بعير وفي الترقوتين
ـــــــ
الموضحة في الرأس والوجه سواء يدل على أن باقي البدن بخلافه ولأن الشين فيهما أكثر منه في سائر البدن فلا يلحق به ثم إن إيجاب ذلك في سائر البدن يفضي إلى أن يجب في موضحة العضو أكثر من ديته مثل أن يوضح عن عظم أنملة فيجب فيها خمس من الإبل وديتها ثلاث وثلث.
مسألة: "ثم الهاشمة وهي التي توضح العظم وتهشمه" سميت هاشمة لهشمها العظم "وفيها عشر من الإبل" روي ذلك عن زيد بن ثابت ومثل ذلك الظاهر أنه توقيف ولأنه لم يعرف له مخالف في عصره فكان إجماعا؛ ولأنها شجة فوق الموضحة تختص باسم فكان فيها مقدر كالمأمومة وهي في الوجه والرأس سواء على ما ذكرناه في الموضحة.
مسألة: "ثم المنقلة وهي التي توضح وتهشم وتنقل عظامها وفيها خمس عشر من الإبل" بإجماع أهل العلم حكاه ابن المنذر في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم قال: "وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل".
مسألة: "ثم المأمومة وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ" وهي الآمة أيضا وهي الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ وهي جلدة فيها الدماغ سميت أم الدماغ لأنها تحوطه وتجمعه فإذا وصلت الجراحة إليها سميت آمة ومأمومة يقال أم الرجل آمة ومأمومة "و" أرشها "ثلث الدية" لقوله عليه السلام [في كتاب عمرو: "و في المأمومة ثلث الدية" و عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم] مثل ذلك ونحوه عن علي.
مسألة: "وفي الجائفة ثلث الدية وهي التي تصل إلى الجوف" لقول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو ابن حزم: "وفي الجائفة ثلث الدية", وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.
مسألة: "فإن" جرحه في جوفه "فخرجت من" الـ "جانب" الـ "آخر فهي جائفتان"؛ لما روى سعيد بن المسيب: أن رجلا رمى رجلا بسهم فأنفذه فقضى أبو بكر رضي الله عنه بثلثي الدية ولا مخالف له أخرجه سعيد. قال أصحابنا: وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر رضي الله عنه قضى في الجائفة إذا نفذت في الجوف بأرش جائفتين ولأنه أنفذه في موضعين فأشبه ما إذا كان من الظاهر إلى الباطن.
مسألة: "وفي الضلع بعير وفي الترقوتين بعيران" هكذا ذكره الخرقي وقال القاضي: إن المراد بقوله الترقوة الترقوتان معا وإنما اكتفى بلفظ الواحد لإدخال الألف.

بعيران وفي الزندين أربعة أبعرة, وما عدا هذا مما لا يقدر فيه ولا هو في معناه ففيه حكومة وهي أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقص من قيمته فله بقسطه من الدية إلا أن تكون الجناية على عضو فيه مقدر فلا
ـــــــ
واللام المقتضية للاستغراق والترقوة العظم الممدود من النحر إلى الكتف ولكل واحد ترقوتان ففي كل ترقوة بعير وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولما كانت الترقوة عظمين في كل واحد بعير كان في الضلع بعير أيضا.
مسألة: "وفي الزندين أربعة أبعرة" لأن فيهما أربعة عظام ففي كل عظم بعير يروى ذلك عن عمر رضي الله عنه وقيل في ذلك حكومة وما روى سعيد حدثنا هشيم حدثنا يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن عمرو ابن العاص كتب إلى عمر في أحد الزندين إذا كسر فكتب إليه عمر: إن فيه بعيرين وإذا كسر الزندان ففيهما أربعة من الإبل.
مسألة: "وما عدا هذا مما لا يقدر فيه ولا هو في معناه ففيه حكومة" وذلك أن لنا مقدرا وما هو في معناه وغيره فالمقدر ما نص النبي صلى الله عليه وسلم على أرشه وبين قدره كقوله: "في الأنف الدية وفي اللسان الدية" وقد سبق ذكره وما هو في معناه كالإليتين والثديين والحاجبين فذلك ملحق بالمقدر وقد سبق أيضا, وأما غير المقدر والذي ليس في معناه فكالشجاج التي دون الموضحة وجراحات البدن سوى الجائفة وقطع الأعضاء وكسر العظام المذكورة فيجب فيها حكومة لأنها ليست في معنى المقدر.
مسألة: "و" الحكومة "أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقص من قيمته فله نقصه من ديته". قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن معنى قولهم "حكومة" أن يقال إذا أصيب الإنسان بجرح لا عقل له معلوم كم قيمة هذا المجروح لو كان عبدا لم يجرح هذا الجرح فإن قيل مائة دينار قيل وكم قيمته وقد أصابه هذا الجرح وانتهى برؤه قيل خمسة وتسعون فالذي يجب له على الجاني نصف عشر الدية, وإن قالوا تسعون فعشر الدية وإن زاد أو نقص فعلى هذا المثال وإنما كان كذلك لأن جملته مضمونة بالدية فأجزاؤه مضمونة فيها كما أن المبيع لما كان مضمونا على البائع بالثمن كان أرش المعيب الموجود فيه مقدرا من الثمن فيقال: كم قيمته لا عيب فيه؟. قالوا: عشرة فيقال: وكم قيمته والعيب فيه؟ فإذا قيل تسعة علم أنه نقص عشر قيمته فيجب أن يرد من الثمن عشرة أي قدر كان وتقديره عبدا ليمكن تقويمه ويجعل العبد أصلا للحر فيما لا توقيت فيه والحر أصلا للعبد فيما فيه توقيت.
مسألة: "إلا أن تكون الجناية على عضو فيه مقدر فلا يجاوز به أرش المقدر مثل أن يشجه دون الموضحة فلا يجب أكثر من أرشها أو يجرح أنملة فلا يجب أكثر من ديتها" وذلك

يجاوز به أرش المقدر مثل أن يشجه دون الموضحة فلا يجب أكثر من أرشها أو يجرح أنملة فلا يجب أكثر من ديتها.
ـــــــ
مثل أن يشجه سمحاقا في وجهه فينقص عشر قيمته فتقتضي الحكومة أن يجب فيه عشر من الإبل ودية الموضحة خمس فها هنا يعلم غلط المقوم لأن الجراحة لو كانت موضحة لم تزد على خمس من الإبل مع زيادتها على السمحاق قليلا فلأنه لا يجب في بعضها زيادة على خمس أولى وكذلك لو جرح أنملة فبلغ أرشها بالحكومة خمسا من الإبل فإنه يرد إلى دية الأنملة المجروحة وينقص عنها شيئا ذكره القاضي وفي التي قبلها وقال: من المحال أن يجب في الجناية على العضو أكثر من ديته فما زاد علمنا غلط المقوم وإن كانت الجناية في محل لا مقدر فيه وجب فيه ما أخرجته الحكومة بالغا ما بلغ.

باب كفارة القتل
ومن قتل مؤمنا أو ذميا بغير حق أو شارك فيه أو في إسقاط جنين فعليه كفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله سواء كان مكلفا أو غير مكلف حرا أو عبدا
ـــــــ
باب كفارة القتل"ومن قتل مؤمنا" غير متعمد "أو ذميا بغير حق أو شارك فيه أو في إسقاط جنين فعليه كفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله سبحانه سواء كان مكلفا أو غير مكلف حرا أو عبدا" والأصل في كفارة القتل قوله سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}, وأجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة للآية وتجب في قتل الصغير والكبير لعموم الآية وتجب بقتل العبد كما تجب بقتل الحر لعموم الآية وتجب بقتل الذمي والمستأمن وهو قول أكثرهم لقوله سبحانه: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}, والذمي والمستأمن لهما ميثاق ولأنه مقتول ظلما فأشبه المسلم.
مسألة: وإن قتل صبي أو مجنون وجبت الكفارة في مالهما لعموم قوله سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}, وهما قد قتلا مؤمنا وكذلك الكافر إذا قتل تجب عليه الكفارة لأنه حق مال يتعلق بالقتل فتعلقت به كالدية.
مسألة: والمشهور في المذهب أنه لا كفارة في قتل العمد وعنه تجب فيه وهو قول الشافعي لما روى واثلة بن الأسقع قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب بالقتل فقال: "أعتقوا عنه رقبة يعتق الله تعالى بكل عضو منها عضوا منه من النار"؛ ولأنها إذا

ولو تصادم نفسين فماتا فعلى كل واحد منهما كفارة ودية صاحبه على عاقلته،
ـــــــ
وجبت في الخطأ ففي العمد أولى لأنه أعظم إثما وأكبر جرما ولنا مفهوم قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}, ثم ذكر قتل العمد فلم يوجب فيه كفارة فمفهومه أنه لا كفارة فيه وروي أن سويد ابن الصامت قتل رجلا فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم القود ولم يوجب كفارة؛ ولأنه فعل يوجب القتل فلا يوجب كفارة كالزنى من المحصن وخبر واثلة يحتمل أنه أمرهم بالإعتاق عنه تبرعا وكذلك أمر به غير القاتل وما ذكره من المعنى لا يصح لأنه يحتمل أنها وجبت في الخطأ لقلة إثمه لتمحو أثر التفريط فلا يلزم إيجابها في موضع كبر إثمه وتعاظم جرمه بحيث لا يمكنها رفعه.
مسألة: ومن شارك في قتل يوجب الكفارة لزمته الكفارة ويلزم كل واحد من شركائه كفارة وهو قول أكثرهم وحكى أبو الخطاب عن الإمام أحمد رواية أن عليهم كفارة واحدة؛ لعموم قوله: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}, و "من" تتناول الواحد والجماعة ولأنه لم يوجب إلا دية وكفارة والدية لا تتعدد بالفاعلين كذلك الكفارة ولأنها كفارة تتعلق بالقتل فإذا اشترك في سببها الجماعة وجبت كفارة واحدة ككفارة الصيد ولنا أنها كفارة لا تتبعض بدليل أنها لا تنقسم على الأطراف وما لا يتبعض إذا اشترك في سببه الجماعة وجب تكميله كالقصاص ويخالف كفارة الصيد؛ لأنها تجب بدلا ولهذا تجب في أبعاضه وكذلك الدية.
مسألة: وإن شارك في ضرب بطن امرأة فألقت جنينا سواء كان ميتا أو حيا ثم مات فعليه الكفارة وعلى كل واحد من شركائه كفارة كما إذا قتل جماعة رجلا ودليلها ما سبق في المسألة قبلها, وقال أبو حنيفة: لا كفارة على من ضرب بطن امرأة فألقت جنينا سواء كان حيا أو ميتا جماعة أو واحدا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب فيه الغرة ولم يوجب الكفارة, ولنا قول الله سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}, وقد ثبت للجنين الإيمان تبعا لأبويه ولأنها نفس مضمونة بالدية فوجبت فيها الكفارة كالكبير وما ذكره من الحديث فلا يدل على نفي الكفارة كما قال: "في نفس المؤمن مائة من الإبل" ولم يذكر الكفارة فيحتمل أن يكون ترك ذكرها اعتمادا على عموم الآية.
مسألة: "ولو تصادم نفسان فماتا فعلى كل واحد منهما كفارة ودية صاحبه على عاقلته" وإنما لزم كل واحد منهما كفارة لأنه قتل صاحبه بصدمته له فوجبت عليه كفارة كما لو لكمه فقتله ويجب على الآخر كفارة لذلك, وأما الدية في المتصادمين فتجب دية كل واحد منهما على عاقلة صاحبه لأنه قاتل خطأ أو شبه عمد وفيه الدية على العاقلة على ما سبق فإن كان المتصادمان امرأتين حاملتين فأسقطت كل واحدة منهما جنينا فعلى كل واحدة منهما نصف ضمان جنينها ونصف ضمان جنين صاحبتها لأنهما اشتركتا في قتله.

وإن كانا فارسين فمات فرساهما فعلى كل واحد منهما ضمان فرس الآخر وإن كان أحدهما واقفا والآخر سائرا فعلى السائر ضمان دابة الواقف وعلى عاقلته ديته إلا أن يكون الواقف متعديا بوقوفه كالقاعد في طريق ضيق أو ملك السائر فعليه الكفارة وضمان السائر ودابته ولا شيء على السائر ولا عاقلته وإذا رمى ثلاثة بالمنجنيق
ـــــــ
وعلى كل واحدة منهما عتق ثلاث رقاب: واحدة لقتلها صاحبتها والثانية لمشاركتها في قتل جنينها والثالثة لمشاركتها في قتل جنين صاحبتها.
مسألة: "وإن كانا فارسين فمات فرساهما فعلى كل واحد منهما ضمان فرس الآخر" لأن التلف حصل بفعليهما فيستويان في الضمان سواء استوى فعلاهما أو اختلف كما لو جرح أحد الشريكين جرحا والآخر مائة جرح, وقال الشافعي: يجب على كل واحد منهما نصف قيمة دابة الآخر لأنهما استويا في الاصطدام فكل منهما مات في الفعلين فوجب على كل واحد نصف قيمة دابة الآخر كما لو جرح كل واحد منهما نفسه وجرح صاحبه ولنا أن كل واحد منهما ماتت دابته من صدمة صاحبه وإنما هو قربها إلى محل الجناية فلزم الآخر ضمانها كما لو كانت واقفة بخلاف الجراحة فإذا ثبت هذا فإن كانتا سواء تقاصا وان كانت قيمة إحداهما أكثر من الأخرى فله فضل قيمة دابته.
مسألة: "وإن كان أحدهما واقفا والآخر سائرا فعلى السائر ضمان دابة الواقف" نص عليه الإمام أحمد لأنه قتلها بصدمته وإن ماتت دابة السائر فهي هدر لأنه هو الذي قتلها بصدمته "وعلى عاقلته ديته".
مسألة: "إلا أن يكون الواقف متعديا بوقوفه كالقاعد في طريق ضيق أو ملك السائر فعليه الكفارة"؛ لأنه خطأ "و" يلزمه "ضمان السائر" إن مات من الصدمة "و" ضمان "دابته" لأنه متعد في وقوفه في موضع ليس له الوقوف فيه فأشبه ما لو وضع في الطريق حجرا أو جلس في طريق فعثر به إنسان.
مسألة: "ولا شيء على السائر ولا" على "عاقلته" لأن الواقف اختص بالتعدي فكان مهدرا أو فاختص بالضمان كالصائل.
مسألة: "وإذا رمى ثلاثة بالمنجنيق فقتل الحجر معصوما فعلى كل واحد منهم كفارة" لأن الله سبحانه قال: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}, وليس في ذلك خلاف علمناه لأن كل واحد منهم مشارك في إتلاف آدمي معصوم "وتجب ديتهم على عواقلهم أثلاثا" وإن كانوا لم يقصدوا الرمي كان خطأ تجب ديته على عواقلهم مخففة وإن عمدوا واحدا بعينه فهو شبه عمد لأنه لا يمكن قصد رجل بعينه بالمنجنيق وإنما يتفق وقوعه بمن يقع فتجب الدية مغلظة على العاقلة وعند أبي بكر أن دية شبه العمد على الجاني في ماله.

فقتل الحجر معصوما فعلى كل واحد منهم كفارة وعلى عاقلته ثلث الدية وإن قتل أحدهم فكذلك إلا أنه يسقط ثلث ديته في مقابلة فعله, وإن كانوا أكثر من ثلاثة سقطت حصة القتيل وباقي الدية في أموال الباقين.
ـــــــ
مسألة: والكفارة لا تتبعض فكملت في حق كل واحد فإن كان القتيل منهم لم تسقط الكفارة عنه؛ لأنه شارك في قتل نفسه والكفارة تجب بحق الله تعالى فوجبت عليه بالمشاركة في قتل نفسه كما تجب بالمشاركة في قتل غيره. وأما الدية ففيها ثلاثة أوجه: أحدها أن على عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية ويجب ثلثها على عاقلة المقتول لورثته وهذا ينبني على إحدى الروايتين في أن جناية المرء على نفسه خطأ تحملها عاقلته. والوجه الثاني: أن ما قابل فعل المقتول هدر لا تضمنه العاقلة ولا غيرها ويجب الثلثان الباقيان على عاقلة شريكيه وهذا ينبني على الرواية الأخرى في أن جناية الإنسان على نفسه هدر والثالث أن يلغي فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين.
مسألة: "وإن كانوا أكثر من ثلاثة" فالدية حالة في أموالهم هذا صحيح في المذهب سواء كان المقتول منهم أو من غيرهم إلا أنه إذا كان منهم يكون فعل المقتول في نفسه هدرا لأنه لا تجب عليه لنفسه ويكون باقي الدية في أموال شركائه حالا لأن التأجيل في الديات إنما يكون فيما تحمله العاقلة تخفيفا عنهم كيف لا يشق عليهم؛ لأنهم يتحملونه مواساة وهذا لا تحمله العاقلة لأنها لا تحمل ما دون الثلث والقدر اللازم لكل واحد منهم دون الثلث وذكر أبو بكر رواية أخرى أن العاقلة تحملها لأن الجناية فعل واحد وجبت دية تزيد على الثلث والصحيح الأول؛ لأن كل واحد منهم يختص بموجب فعله دون فعل شركائه وتحمل العاقلة إنما شرع للتخفيف عن الجاني فيما يشق ويثقل وما دون الثلث يسير على ما أسلفناه والذي يلزم كل واحد دون الثلث, وقوله أنه فعل واحد قلنا: بل هي أفعال فإن فعل كل واحد منهم غير فعل الآخر وإنما موجب الجميع واحد فأشبه ما لو جرحه كل واحد جرحا فماتت النفس بجميعها.

باب القسامة
روى سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أن محيصة وعبد الله بن سهل انطلقا
ـــــــ
باب القسامةقال القاضي: القسامة هي الأيمان إذا كثرت يقال قسامة على وجه المبالغة والأصل فيها ما "روى" يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن "سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أن محيصة" بن مسعود "وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر فتفرقا في النخل فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود به" فجاء أخوه عبد الرحمن وابنا عمه حويصة ومحيصة للنبي صلى الله عليه وسلم

قبل خيبر فتفرقا في النخل فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته", فقالوا: أمر لم نشهده فكيف نحلف؟ قال: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم", قالوا: قوم كفار فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من قبله. فمتى وجد قتيل فادعى أولياؤه على رجل قتله وكانت بينهم عداوة ولوث -كما كان بين الأنصار وأهل خيبر- أقسم الأولياء على واحد منهم خمسين يمينا واستحقوا دمه فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه خمسين وبرئ فإن نكلوا فعليهم الدية
ـــــــ
فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه -وهو أصغرهم- "فقال" النبي "صلى الله عليه وسلم: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته", فقالوا: أمر لم نشهده فكيف نحلف؟ . قال: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم". قالوا:" يا رسول الله "قوم كفار" ضلال. قال: "فوداه" رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قبله", قال سهل: فدخلت مربدا لهم فركضتني ناقة من تلك الإبل. متفق عليه.
مسألة: "فمتى وجد قتيل فادعى أولياؤه على رجل قتله وكانت بينهم عداوة ولوث -كما كان الأنصار وأهل خيبر- أقسم الأولياء على واحد منهم خمسين يمينا واستحقوا دمه" إذا كانت الدعوى عمدا "فإن لم يحلفوا" له "حلف المدعى عليه خمسين" يمينا "وبرئ" ودليل هذه المسألة جميعها حديث سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج ولا بد من اللوث -وهو العداوة- ولأن اليهود كانوا أعداء الأنصار فإنهم قالوا ليس لنا عدو بخيبر غير اليهود فقضى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وينبغي أن تكون الدعوى عمدا لأنه قال: "تحلفون خمسين يمينا على رجل منهم فيدفع برمته". والرمة الحبل الذي يربط به من عليه القود يقاد به, وفي لفظ: "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم" وإنما أراد دم القاتل ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد فيثبت بها القود كالبينة هذا إذا حلف المدعون فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم". أي يتبرأون منكم وفي لفظ: "فيحلفون خمسين يمينا ويبرؤون من دمه" وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أنهم يحلفون ويغرمون الدية كقول أصحاب الرأي ووجهه قول عمر وحديث سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها على اليهود لأنه وجد بين أظهرهم, والأولى أولى لأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغرم اليهود الدية وأنه أداها من عنده ولأنها أيمان مشروعة في حق المدعى عليه فيبرأ منها كسائر الحقوق.
مسألة: "فإن نكل المدعى عليهم عن اليمين فعليهم الدية", وعنه رواية أخرى أنهم يحبسون حتى يحلفوا والأولى أنهم لا يحبسون لأنها يمين مشروعة في حق المدعى عليه فلم يحبس عليها كسائر الأيمان ولا يجب القصاص؛ لأن النكول حجة ضعيفة فلا يتغلظ بها الدم كالشاهد واليمين. قال القاضي: ويديه الإمام من بيت المال لأنه مال وجب لامتناع

فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال ولا يقسمون على أكثر من واحد وإن لم يكن بينهم عداوة ولا لوث حلف المدعى عليه يمينا واحدة وبرئ
ـــــــ
الأيمان في القسامة فكانت الدية في بيت المال كما لو امتنع المدعون منها نص عليه أحمد وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى أن الدية تجب عليهم لأنه حكم ثبت بالنكول فيثبت في حقهم ها هنا بالنكول كسائر الدعاوى.
مسألة: "فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه وداه الإمام من بيت المال" بدليل حديث سهل حين أبى أهله أن يحلفوا ولم يقبلوا أيمان اليهود فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده كراهة أن يطل دمه.
مسألة: "ولا يقسمون على أكثر من واحد" لا يختلف المذهب في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته", فخص بها الواحد ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فيقتصر عليه بقاء على الأصل فيما عداه ولا تخفى مخالفة الأصل فإنها تثبت باللوث واللوث شبهة تغلب على الظن صدق المدعي والقود يسقط بالشبهات ولا يثبت بها.
مسألة: "وإن لم يكن بينهم عداوة حلف المدعى عليه يمينا واحدة وبرئ" فمتى لم يكن لوث لم يحلف المدعون ابتداء بغير خلاف علمناه بين أهل العلم, وهل يحلف المدعى عليه؟ على روايتبن: إحداهما يحلف لعموم قوله عليه السلام: "واليمين على المدعى عليه" ولأنها دعوى في حق آدمي فيستحلف فيها كالدعوى في المال والرواية الأخرى لا يحلف ويخلى سبيله سواء كانت الدعوى خطأ أو عمدا لأن النكول بدل وبدل هذه الأشياء لا يصح فلا تكون اليمين حقا وإذا قلنا بمشروعية اليمين فهي يمين واحدة؛ لأنها يمين يعضدها الظاهر والأصل فلم تغلظ كما في سائر الدعاوى وفي قول الشافعي يحلفون خمسين يمينا فإن ادعى على جماعة فهل يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا أو تقسم بينهم؟ على قولين:

كتاب الحدود
مدخل...
كتاب الحدودولا يجب الحد إلا على مكلف عالم بالتحريم ولا يقيمه إلا الإمام أو نائبه إلا السيد فإن له إقامته بالجلد خاصة على رقيقه القن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا زنت
ـــــــ
كتاب الحدود
مسألة: "ولا يجب الحد إلا على مكلف عالم بالتحريم" فأما الصبي والمجنون فلا حد عليهما إذا زنيا؛ لما روى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل". رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن1, وفي حديث ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أقر له: "أبك جنون"؟ قال: لا, وروي عنه أنه سأل عنه "أمجنون هو؟" قالوا: ليس به بأس2, إذا ثبت هذا فينبغي أن يكون عالما بالتحريم, وقال عمر وعلي: لا حد إلا على من علمه فإن ادعى الزاني الجهل بالتحريم وكان يحتمل أن يجهله كحديث عهد بالإسلام أو الناشئ ببادية قبل قوله, وإلا فلا يقبل لأن تحريم الزنى لا يخفى على ناشئ ببلاد الإسلام.
مسألة: "ولا يقيمه إلا الإمام أو نائبه" لأنه حق لله سبحانه والإمام نائب عن الله عز وجل فاختص باستيفائه كالجزية والخراج.
مسألة: "إلا السيد فإن له إقامته بالجلد خاصة على رقيقه القن" في قول أكثرهم وقد روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وقال ابن أبي ليلى: أدركت بقايا الأنصار يجلدون ولائدهم في مجالسهم فيقيمون الحدود إذا زنوا, وروى سعيد أن فاطمة حدت جارية لها, وقال أصحاب الرأي: ليس له ذلك لأن الحدود إلى السلطان؛ ولأن من لا يملك إقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد كالصبي, ولنا قول النبي "صلى الله عليه وسلم: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها", وقوله: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم", رواه الدارقطني؛ ولأنه يملك تأديبه وتزويجه إذا كانت أمته فملك إقامة الحد عليه كالسلطان وفارق الصبي إذا ثبت هذا
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه البخاري في الأحكام: حديث رقم 7167. ومسلم في الحدود: حديث رقم 16, 22.

أمة أحدكم فليجلدها, وليس له قطعه في السرقة ولا قتله في الردة ولا جلد مكاتبه ولا أمته المزوجة وحد الرقيق في الجلد نصف حد الحر
ـــــــ
فإنه إنما يجوز له إقامته بالجلد خاصة مثل حد الزنى وحد القذف والشرب فإن كان قطعا في السرقة لم يقمه السيد لأنه يحتاج إلى مزيد احتياط ففوض إلى الإمام, وإنما ملك السيد الجلد لأنه تأديب وهو يملك تأديبه وفي تفويضه إليه ستر عليه لئلا يقيمه الإمام فيظهر وتنقص قيمته, ولا يملك إقامته إلا إذا ثبت ببينة أو إقرار فإن ثبت بإقرار فللسيد سماعه وإقامة الحد به وإن ثبت بشهادة اعتبر ثبوتها عند الحاكم لأنها تحتاج إلى البحث عن العدالة ولا يقوم بذلك إلا الحاكم, وقال القاضي يعقوب: إن كان السيد يحسن سماع البينة ويعرف شروط العدالة جاز أن يسمعها ويقيم الحد كما يقيمه بالإقرار, فأما إقامته عليه بعلمه فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما لا يقيمه بعلمه كالإمام والثانية يقيمه لأنه قد ثبت عنده فجاز له إقامته كما لو أقر ويختص ذلك بالمملوك القن فإن كان بعضه حرا لم يملك إقامة الحد عليه؛ لأن الحر إنما يقيم الحد عليه الإمام وهذا بعضه حر فلا يقيم السيد عليه الحد كما لو كان كله حرا.
مسألة: "وليس له قطعه في السرقة" لأن ذلك حق الله تعالى وهو مفوض إلى نائب الله سبحانه وهو الإمام.
مسألة: "و" ليس له "قتله في الردة" لذلك "ولا جلد مكاتبه" لأنه قد انعقد في حقه سبب الحرية.
مسألة: "ولا أمته المزوجة" لما روي عن ابن عمر أنه قال: إذا كانت الأمة ذات زوج فزنت دفعت إلى السلطان فإن لم يكن لها زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصن ولا يعرف له مخالف وقد احتج به أحمد رحمه الله.
مسألة: "وحد الرقيق في الجلد نصف حد الحر" فمتى زنى العبد أو الأمة جلد خمسين جلدة سواء كانا بكرين أو ثيبين لقوله سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} 1, ثم قال سبحانه: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} 2؛ ولأن عدتها على النصف من عدة الحرة فيكون جلدها على النصف ولا فرق بين العبد والأمة بدليل سراية العتق فالتنصيص على أحدهما تنصيص على الآخر.
ـــــــ
1 - سورة النساء: الآية 25.
2 - سورة النساء: الآية 25.

ومن أقر بحد ثم رجع عنه سقط.
فصل
ويضرب في الجلد بسوط لا جديد ولا خلق ولا يمد ولا يربط ولا يجرد
ـــــــ
مسألة: "ومن أقر بحد ثم رجع عنه سقط" وذلك أن من شرط إقامة الحد الإقرار والبقاء على الإقرار إلى تمام الحد فإن رجع عن إقراره أو هرب كف عنه, ولم يتبع لما روي أن ماعزا هرب فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه". قال ابن عبد البر: ثبت من حديث أبي هريرة وجابر ونعيم بن هزال ونصر بن دهر وغيرهم أن ماعزا لما هرب فقال لهم ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فهلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه", ففي هذا أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه ولأن رجوعه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
"فصل: ويضرب في الجلد بسوط لا جديد ولا خلق" لما روي أن رجلا اعترف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط فأتي بسوط مكسور فقال: "فوق هذا", فأتي بسوط جديد لم تكسر غرته فقال: "بين هذين", رواه مالك عن زيد بن أسلم مرسلا1, وروي عن أبي هريرة مسندا وقد روى علي رضي الله عنه أنه قال: ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين, فيكون وسطا لا جديدا فيجرح ولا خلقا فلا يؤلم, وهكذا العذاب يكون وسطا لا شديدا فيقتل ولا ضعيفا فلا يردع ولا يرفع باعه كل الرفع ولا يحطه فلا يؤلم. قال أحمد: لا يبدي إبطه في شيء من الحدود يعني لا يبالغ في رفع يده فإن المقصود أدبه لا قتله.
مسألة: "ولا يمد ولا يربط ولا يجرد". قال ابن مسعود: ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد وجلد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عن أحد مد ولا قيد ولا تجريد ولا تنزع ثيابه بل يكون عليه الثوب والثوبان وإن كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب.
مسألة: "ويتقي وجهه ورأسه وفرجه" لأنها مقاتل وليس القصد قتله وقال علي رضي الله عنه: لكل موضع من الحد حظ إلا الوجه والفرج وقال للجلاد: اضرب وأوجع واتق الرأس والوجه وينبغي أن يفرق الضرب على جميع الجسد ويكثر منه في مواضع اللحم كالإليتين والفخذين والمرأة كالرجل في ذلك.
ـــــــ
1 - رواه مالك في الحدود: حديث رقم 12.

ويتقي وجهه ورأسه وفرجه, ويضرب الرجل قائما والمرأة جالسة وتشد عليها ثيابها وتمسك يداها, ومن كان مريضا يرجى برؤه أخر حتى يبرأ لما روي عن علي رضي الله عنه: أن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أحسنت", فإن لم يرج برؤه وخشي عليه من السوط جلد بضغث فيه عيدان بعدد ما يجب عليه مرة واحدة
ـــــــ
مسألة: "ويضرب الرجل قائما" لأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو من الجسد حظه من الضرب, وقال مالك: يضرب جالسا لأن الله سبحانه لم يأمر بالقيام ولأنه مجلود في حد أشبه المرأة, قلنا: ولم يأمر بالجلوس أيضا ولم يذكر الكيفية فعلمناها من دليل آخر وأما المرأة فتضرب جالسة ليكون أستر لها.
مسألة: "و" تضرب "المرأة جالسة وتشد عليها ثيابها وتمسك يداها" لئلا تنكشف لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: تضرب المرأة جالسة والرجل قائما لأن المرأة عورة وجلوسها أستر لها ويفارق اللعان فإنه لا يؤدي إلى كشف العورة وتشد عليها ثيابها لئلا ينكشف شيء من عورتها عند الضرب, وفي حديث عمران ابن حصين قال: فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت. قال الأوزاعي: يعني فشدت عليها.
مسألة: "ومن كان مريضا يرجى برؤه أخر حتى يبرأ لما روى" أبو داود بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: فجرت جارية لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا علي انطلق فأقم عليها الحد", فانطلقت فإذا بها دم يسيل, فأتيته فقال: "يا علي أفرغت؟", فقلت: أتيتها و دمها يسيل, فقال: "دعها حتى ينقطع عنها الدم ثم أقم عليها الحد", رواه مسلم بنحو من هذا المعنى.
مسألة: "فإن لم يرج برؤه وخشي عليه من السوط جلد بضغث فيه عيدان بعدد ما يجب عليه مرة واحدة"؛ لما روى أبو أمامة بن سهل عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه اشتكى رجل منهم حتى ضنى فعاد جلدا على عظم فدخلت عليه جارية لبعضهم فوقع عليها فلما دخل عليه رجال من قومه يعودونه أخبرهم بذلك, وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني قد وقعت على جارية دخلت علي فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما رأينا بأحد من الضر مثل الذي هو به لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلا جلد على عظم, فأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة. قال ابن المنذر: هذا الحديث في إسناده مقال ولأنه لما كانت الصلاة تختلف باختلاف حال المصلي فالحد بذلك أولى.

فصل
وإن اجتمعت حدود لله تعالى فيها قتل, قتل وسقط سائرهم, ولو زنى أو سرق مرارا ولم يحد فحد واحد وإن اجتمعت حدود من أجناس لا قتل فيها استوفيت كلها, ويبدأ بالأخف فالأخف منها وتدرأ الحدود بالشبهات فلو زنى بجارية له فيها شرك -وإن قل- أو لولده أو وطئ في نكاح مختلف فيه أو مكرها أو سرق من مال
ـــــــ
"فصل: وإذا اجتمعت حدود لله" عز وجل "فيها قتل, قتل وسقط سائرها" وهو قول عبد الله بن مسعود, وقال الشافعي: تستوفى جميعها لأن ما وجب مع غير القتل وجب مع القتل كالقصاص في الأطراف ولنا قول ابن مسعود رضي الله عنه ولا مخالف له من الصحابة ولأن أسباب الحدود إذا كان فيها موجب للقتل سقط ما دونه كالمحارب إذا أخذ المال وقتل فإنه يقتل ولا يقطع ولأن هذه الحدود تراد للزجر ومن يقتل فلا فائدة في زجره ويخالف حق الأدمي فإنه آكد.
مسألة: "و" من "زنى" مرارا "أو سرق مرارا ولم يحد فحد واحد" لأن الحد كفارة لمن يحد فإذا فعل موجبه مرارا أجزأ حد واحد كالأيمان بالله سبحانه فإنه تجزئه كفارة واحدة, وكما لو وطئ في رمضان في يوم مرتين فإنه يجزئه كفارة واحدة كذا ها هنا. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
مسألة: "وإن اجتمعت حدود من أجناس لا قتل فيها استوفيت كلها" لوجود أسبابها.
مسألة: "ويبدأ بالأخف فالأخف منها" فلو شرب وزنى وسرق بدئ بحد الشرب ثم بحد الزنى لأن حد الشرب أخف من حد الزنى فإنه إما أربعون وإما ثمانون وحد الزنى مائة ثم يقطع في السرقة.
مسألة: "وتدرأ الحدود بالشبهات" لقوله عليه السلام: "إدرأوا الحدود بالشبهات". قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحدود تدرأ بالشبهات. "فلو زنى بجارية له فيها شرك وإن قل أو لولده" لم يحد لأن ملكه فيها وإن قل شبهة في درء الحد عنه وكذلك إذا كانت لابنه لقوله عليه السلام: "أنت ومالك لأبيك" 1. ولأنه فرج له فيه ملك فلم يحد بوطئه كوطء المكاتبة والمرهونة.
مسألة: "وإن وطئ في نكاح مختلف فيه" كالنكاح بلا ولي ونكاح المتعة والشغار والتحليل وبلا شهود ونكاح الأخت في عدة أختها البائن ونكاح المجوسية "لم يحد" في
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.

له فيه حق أو لولده وإن سفل من مال غريمه الذي يعجز عن تخليصه منه بقدر حقه لم يحد.
فصل
ومن أتى حدا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم أو لجأ إليه من عليه قصاص لم يستوف منه حتى يخرج لكن لا يبايع ولا يشارى
ـــــــ
قول أكثر أهل العلم لأن الاختلاف شبهة والحد يدرأ بالشبهات. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحدود تدرأ بالشبهة.
مسألة: وإن وطئ "مكرها" لم يحد لقوله عليه السلام: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". ولأن الحدود تدرأ بالشبهات والإكراه شبهة فيمنع الحد كما لو كانت المكرهة امرأة.
مسألة: ومن "سرق من مال له فيه حق أو لولده وإن سفل لم يحد" لأن ذلك شبهة في درء الحد عنه لأنه أخذ مالا له أخذه ولما كانت الجارية المشتركة لا يجب الحد بوطئها فكذلك المال المشترك لا يجب الحد بالأخذ منه ومال ولده كماله لقوله عليه السلام: "أنت ومالك لأبيك". وكذلك إذا أخذ "من مال غريمه الذي يعجز عن تخليصه منه بقدر حقه فإنه لا يحد" لأن العلماء اختلفوا في حل ذلك واختلاف العلماء في حل الشيء شبهة في درء الحد كما لو وطئ في نكاح فاسد مختلف فيه.
"فصل: ومن أتى حدا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم أو لجأ إليه من عليه قصاص لم يستوف منه حتى يخرج" من الحرم فيستوفى منه, روى ذلك عن ابن عباس وعن الإمام أحمد رواية أخرى أن الجناية إذا كانت فيما دون النفس لم تستوف في الحرم؛ ولأن حرمة النفس أعظم. قال أبو بكر: هذه مسألة وجدتها مفردة لحنبل عن عمه أن الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم حد جنايته حتى يخرج منه, وإن هتك حرمة الحرم بالجناية هتكت حرمته بإقامة الحد عليه, ودليل الأولى قول الله سبحانه: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}, قيل المراد بهذا الخبر الأمر وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وإنما حلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها فلا يسفك فيها دم". وروى أبو شريح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد فيها شجرة فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب". متفق عليه ووجه الحجة أنه حرم سفك الدم بها

وإن فعل ذلك في الحرم استوفي منه فيه وإن أتى حدا في الغزو لم يستوف حتى يخرج من دار الحرب
ـــــــ
على الإطلاق, وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه أراد العموم فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم تختص به مكة فلا يكون التخصيص مفيدا, ومن وجه آخر وهو أنه قال عليه السلام: "إنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها", ومعلوم أنه إنما أحل له سفك دماء كانت حلالا في غير الحرم فحرمها الحرم ثم أحلت له ساعة ثم عادت الحرمة ثم أكد هذا بمنعه قياس غيره عليه والاقتداء به بقوله: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم". وهذا ظاهر إذا ثبت هذا فإنه "لا يبايع ولا يشارى" ولا يطعم ولا يؤوى ويقال له: اتق الله واخرج إلى الحل ليستوفى منك الحق الذي قبلك فإذا خرج استوفى حق الله عز وجل منه, وإنما كان كذلك لأنه إذا أطعم وأوى تمكن من الإقامة أبدا فيضيع الحق الذي عليه وإذا منع ذلك كان وسيلة إلى خروجه فيقام فيه حق الله عز وجل.
مسألة: "وإن فعل ذلك في الحرم استوفى منه فيه" لا نعلم في ذلك خلافا, وقد روى الأثرم بإسناده عن ابن عباس قال: من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء وقال الله سبحانه: {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} , فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم؛ ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عند ارتكاب المعاصي حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم كما يحتاج إليه غيرهم فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكبه في الحرم لتعطلت حدود الله في حقهم وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها ولا يجوز الإخلال بها؛ ولأن الجاني في الحرم هاتك لحرمته فلا ينتهض الحرم لتحريم دمه وصيانته بمنزلة الجاني في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك بخلاف الملتجئ إليها بجناية صدرت منه في غيرها.
مسألة: "وإن أتى حدا في الغزو لم يستوف منه حتى يخرج من دار الحرب"؛ لما روي عن بسر بن أرطاة أنه أتي برجل في الغزاة قد سرق بختية فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقطع في الغزاة" لقطعتك وفي لفظ: "لا تقطع الأيدي في الغزاة". رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي1؛ ولأنه إجماع الصحابة وروى سعيد في سننه أن عمر كتب إلى الناس: لا تجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تحمله حمية الشيطان فيلحق بالكفار, وعن أبي الدرداء مثل ذلك, وعن علقمة قال: كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان وعلينا
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الحدود: حديث رقم 4408. والنسائي في قطع السارق: 16- باب القطع في السفر: حديث رقم1. والترمذي في الحدود: حديث رقم 1450. وقال: حديث غريب.

.......................................................................
ـــــــ
الوليد بن عقبة فشرب الخمر فأردنا أن نجلده فقال حذيفة: أتجلدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم, وأتي سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد فلما التقى الناس قال أبو محجن:
كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا على وثاقيا
فقال لابنة حفصة امرأة سعد: أطلقيني ولله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد وإن قتلت استرحتم مني, قال فخلته حين التقى الناس وكانت بسعد جراحة فصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس فوثب أبو محجن على فرس لسعد يقال لها البلقاء, ثم أخذ رمحا فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم الله, وجعل الناس يقولون هذا ملك لما يرونه يصنع وجعل سعد يقول: الصبر صبر البلقاء, والطعن طعن أبي محجن, وأبو محجن في القيد فلما هزم الله العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد فأخبرت ابنة حفصة سعدا بما كان من أمره فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى الله به المسلمين ما أبلاهم فخلى سبيله, فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها فأما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها أبدا وهذا اتفاق لم يظهر خلافه. فأما إذا خرج من دار الحرب فإنه يقام عليه الحد لعموم الآيات والأخبار وإنما أخر لعارض كما يؤخر لمرض أو نحوه, فإذا زال العارض أقيم, ولهذا قال عمر: حتى يقطع الدرب قافلا.

باب حد الزنا
من أتى الفاحشة في قبل أو دبر من امرأة لا يملكها أو من غلام أو من فعل
ـــــــ
باب حد الزناالزاني "من أتى الفاحشة في قبل أو دبر من امرأة لا يملكها أو من غلام أو من فعل ذلك به" لا خلاف بين أهل العلم في أن من وطئ امرأة في قبلها لا شبهة له في وطئها أنه زان. فأما إن وطئها في دبرها فهو أيضا زان لأنه وطئ امرأة في فرجها ولا ملك له فيها ولا شبهة, فكان زانيا كما لو وطئ في القبل ولأن الله سبحانه قال: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} 1, الآية ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد جعل لهن سبيلا: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" 2, والوطء الحرام في الدبر فاحشة لقوله سبحانه في قوم لوط: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} 3, يعني الوطء في أدبار الرجال.
ـــــــ
1 - سورة النساء: الآية 15.
2 - رواه ابن ماجه في الحدود: حديث رقم 2550.
3 - سورة الأعراف: الآية 80.

ذلك به فحده الرجم إن كان محصنا أو جلد مائة وتغريب عام إن لم يكن محصنا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة
ـــــــ
مسألة: من تلوط بغلام فحكمه حكم الزاني في إحدى الروايتين وفي الأخرى يقتل بالرجم بكرا كان أو ثيبا وهو قول علي وابن عباس وجابر بن زيد ووجه ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به". رواه أبو داود1 وفي لفظ: "فاقتلوا الأعلى والأسفل", واحتج الإمام أحمد بعلي أنه كان يرى رجمه ولأن الله تعالى عذب قوم لوط بالرجم فينبغي أن يعاقب بمثل ذلك ودليل الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان"؛ ولأنه إيلاج في فرج آدمي أشبه الإيلاج في فرج المرأة وإذا ثبت أنه زان فيدخل في عموم قوله سبحانه: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 2, وعموم الأخبار فيه.
مسألة: "ومن فعل ذلك به" يعني أن يكون زانيا إذا وطئ في الدبر رجلا كان أو امرأة لقوله عليه السلام: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان", وأما إذا وطئ الرجل المرأة في دبرها فهو زان أيضا لأنه وطئها في فرجها فأشبه وطأها في قبلها.
مسألة: "فحده الرجم إن كان محصنا أو جلد مائة وتغريب عام إن لم يكن محصنا" فالزاني المحصن يجب عليه الرجم بالأحجار حتى يموت لم يخالف في الرجم إلا الخوارج, قالوا: الجلد للبكر والثيب لعموم آية الحد. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى يموت, وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين وماعزا حتى ماتوا, وعنه يجلد ثم يرجم فعله علي وروي عن ابن عباس وأبي ذر وأبي وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز ونص على الأولى الأثرم في سننه واختاره؛ لأن جابرا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده. وقال: "أغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". ولم يأمره بجلدها ورجم الغامدية ولم يجلدها, ورجم عمر وعثمان ولم يجلدا وهذا كان آخرا فيجب تقديمه في العمل به ولأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سواه. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة: إنه أول حد نزل وإن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجلده؛[ورجم عمر و لم يجلده] ولأنه حد يوجب القتل فلم يجب معه جلد كالردة, ونحو هذا نقل إسماعيل بن سعيد ووجه الرواية الأخرى قوله سبحانه: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}, وهذا عام ثم جاءت السنة بالرجم فوجب الجمع بينهما, فروى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خذوا عني قد
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الحدود: حديث رقم 4462.
2 - سورة النور: الآية 2.

وتغريب عام والثيب بالثيب الرجم", والمحصن هو الحر البالغ العاقل الذي وطئ زوجة مثله في هذه الصفات في قبلها في نكاح صحيح, ولا يثبت الزنا إلا بأحد أمرين: إقرار به أربع مرات مصرحا بذكر حقيقته أو شهادة أربعة رجال أحرار عدول يصفون
ـــــــ
جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر مائة جلدة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم". رواه مسلم وأبو داود1. وهذا صريح ثابت بيقين لا يترك إلا بيقين مثله, والأحاديث الباقية ليست صريحة فإنه ذكر الرجم ولم يذكر الجلد فلا يعارض به الصريح فعلى هذا يبدأ بالجلد أولا ثم يرجم.
مسألة: "والمحصن هو الحر البالغ العاقل الذي قد وطئ زوجة مثله في هذه الصفات في قبلها في نكاح صحيح", وذلك أن الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم وللإحصان شروط سبعة: الأول: الحرية في قول أكثرهم فأما العبد والأمة فلا يجب عليهما الرجم؛ لأن الله سبحانه قال: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}, والرجم لا يتنصف وحكم العبد حكم الأمة في ذلك. الشرط الثاني والثالث: البلوغ والعقل؛ لقوله عليه السلام: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" 2. فاعتبر الثيوبة خاصة ولو كانت تحصل قبل ذلك لكان يؤدي إيجاب الرجم على الصبي والمجنون, وهذا أولى من القياس وقال بعض أصحاب الشافعي: الإحصان الوطء في النكاح الصحيح وسائر الشروط معتبرة للرجم لا للإحصان, ومعناه أنه لو وطئ من هو صبي أو مجنون في نكاح صحيح ثم عقل المجنون وبلغ الصبي وزنيا رجما؛ لأنه وطء محل للزوج الأول فأشبه الوطء في حال الكمال ولنا ما سبق. الشرط الرابع: أن يوجد الكمال فيهما جميعا حال الوطء فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة؛ لأنه إذا كان أحدهما ناقصا لم يكمل الوطء ولا يحصل به الإحصان, كما لو كانا غير كاملين. الخامس: أن يكون الوطء في القبل فلو وطئ في الدبر أو فيما دون الفرج لم يحصل الإحصان؛ لأنه ليس بمحل الوطء. السادس: أن يكون في نكاح ولا خلاف بين أهل العلم في أن الزنا ووطء الشبهة لا يصير به أحدهما محصنا, ولا نعلم بينهم خلافا في أن التسري لا يحصل به الإحصان لواحد منهما لكونه ليس بنكاح, ولا تثبت فيه أحكامه. السابع: أن يكون النكاح صحيحا فإن كان فاسدا لم يحصل به الإحصان لأن وطء في غير ملك فأشبه وطء الشبهة.
مسألة: "ولا يثبت الزنا إلا بأحد أمرين: إقراره به أربع مرات مصرحا بذكر حقيقته أو شهادة أربعة رجال أحرار عدول يصفون الزنا ويجيئون في مجلس واحد ويتفقون على الشهادة
ـــــــ
1 - رواه مسلم في الحدود: حديث رقم 25, وأبو داود في الحدود: حديث رقم 4462.
2 - رواه مسلم في الحدود: حديث رقم 12, 14.

الزنا, ويجيئون في مجلس واحد
ـــــــ
بزنا واحد" وذلك أن الزنا إنما يثبت بأحد شيئين: إقرار أو بينة فإن ثبت بإقرار اعتبر إقرار أربع مرات, وقال الشافعي وغيره: يحد بإقراره مرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها", وفي حديث الجهنية أنه رجمها وإنما اعترفت مرة ولأنه حق فأشبه سائر الحقوق ولنا ما روى أبو هريرة قال: أتى رجل من الأسلميين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أبك جنون"؟ قال: لا. قال: "فهل أحصنت"؟ قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارجموه". متفق عليه. ولو وجب الحد بمرة لم يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله سبحانه, وروى نعيم بن هزال حديثه وفيه حتى قالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك قد قلتها أربع مرات فبمن"؟ قال: بفلانة. رواه أبو داود وهذا تعليل منه يدل على أن إقرار الأربع هي الموجبة وقد روى أبو بردة الأسلمي أن أبا بكر الصديق قال له عند النبي صلى الله عليه وسلم: إن أقررت أربعا رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم ينكره فكان بمنزلة قوله؛ لأنه لا يقر على الخطأ ولأن أبا بكر قد علم هذا من حكم النبي صلى الله عليه وسلم, ولولا ذلك لما تجاسر على قوله بين يديه. فأما أحاديثهم فإن الاعتراف لفظ المصدر يقع على القليل والكثير وحديثنا يفسره ويبين أن الاعتراف الذي ثبت به كان أربعا.
مسألة: ويعتبر أن يصرح بحقيقة الزنا لتزول الشبهة لأن الزنا يعبر به عما لا يوجب الحد, وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت". قال: لا. قال: "أفنكتها" -لا يكنى- قال: نعم. فعند ذلك أمر برجمه, رواه البخاري وفي رواية عن أبي هريرة قال: "أنكتها" ؟ قال: نعم. قال: "حتى غاب ذلك منك في ذلك منها"؟. قال: نعم. قال: "كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر"؟ قال: نعم. قال: "هل تدري ما الزنا"؟ قال: نعم. أتيت منها حراما كما يأتي الرجل من امرأته حلالا وذكر الحديث رواه أبو داود1.
مسألة: قد سبق أن الزنا إنما يثبت بأحد شيئين: إقرار أو بينة وقد مضى الإقرار وأما البينة, فـ "شهادة أربعة رجال أحرار عدول يصفون الزنا" فيعتبر لشهود الزنا شروط: الأول: أن يكونوا أربعة وهذا إجماع لقوله سبحانه: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}, وقال: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ}, الشرط الثاني: أن يكونوا رجالا كلهم فلا تقبل فيه
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الحدود: حديث رقم 4428.

ويتفقون على الشهادة بزنا واحد
ـــــــ
شهادة النساء لأن في شهادتهن شبهة والحدود تدرأ بالشبهات. الثالث: الحرية فلا تقبل فيه شهادة عبيد لا نعلم في ذلك خلافا إلا عن أبي ثور فإن شهادتهم عنده مقبولة, ولنا أنه مختلف في قبول شهادتهم في جميع الحقوق فيكون ذلك شبهة في درء ما يدرأ بالشبهات. الرابع: أن يكونوا عدولا ولا خلاف في اشتراطها فإن العدالة مشترطة في سائر الشهادات وها هنا مع مزيد الاحتياط أولى ويكونوا مسلمين ولا نعلم في هذا خلافا, فلو شهد أربعة من أهل الذمة على ذمي أنه زنا بمسلمة فعليهم الحد ولا حد على المشهود عليه. الخامس: أن يصفوا الزنا فيقولوا: رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة والرشا في البئر؛ لما روى في قصة ماعز لما أقر عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا قال: "حتى غاب ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر"؟. قال: نعم. وإذا اعتبر التصريح في الإقرار كان اعتباره في الشهادة أولى ولأنهم إذا لم يصفوا الزنا احتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد فاعتبر كشفه.
مسألة: "ويجيئون في مجلس واحد" وهو شرط سادس في الشهود أن يأتوا الحاكم في مجلس واحد وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم فعليهم الحد, وقيل لا يشترط لقوله سبحانه: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} 1 ولم يذكر المجلس؛ ولأن كل شهادة مقبولة إذا اتفقت تقبل وإن افترقت في مجالس كسائر الشهادات, ولنا أن عمر رضي الله عنه شهد عنده أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بالزنا ولم يشهد زياد فحد الثلاثة, ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر؛ ولأنه لو شهد الثلاثة فحدهم ثم جاء الرابع فشهد لم تقبل شهادته ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم به ويفارق هذا سائر الشهادات. وأما الآية فإنها لم تتعرض للشروط ولهذا لم تذكر العدالة وصفة الزنا.
مسألة: ويشترط أن يتفقوا "على الشهادة بزنا واحد" فلو شهد اثنان أنه زنا بها في هذا البيت واثنان أنه زنا بها في بيت آخر أو شهد كل اثنين عليه بالزنا في بلد غير البلد الذي شهد به صاحباهما واختلفوا في اليوم فالجميع قذفة وعليهم الحد؛ لأنهم لم تكمل شهادة أربعة على فعل واحد فوجب عليهم الحد كما لو انفرد بالشهادة اثنان وحدهما, وحكي عن الإمام أحمد رواية ثانية أنه يجب الحد على المشهود عليه لأن الشهادة قد كملت عليه, وهو اختيار أبي بكر قال أبو الخطاب: ظاهر هذه الرواية أنه لا يعتبر كمال الشهادة
ـــــــ
1 - سورة النور: الآية 13.

...................................................................................
ـــــــ
على فعل واحد. قال القاضي: قال أبو بكر: لو شهد اثنان أنه زنا بها بيضاء وشهد اثنان أنه زنا بها سوداء فهم قذفة, وهذا ينقض عليه قوله: ولو شهد اثنان أنه زنا بها في زاوية من هذا البيت وشهد اثنان أنه زنا بها في زاوية أخرى منه فإن كانت الزاويتان متباعدتين بحيث لا يمكن أن يوجد الفعل الواحد فيهما فالقول فيهما كالقول فيما إذا اختلفا في البيتين وإن كانتا متقاربتين كملت شهادتهم وحد المشهود عليه, وقال الشافعي: لا حد عليه لأن شهادتهم لم تكمل فأشبه ما لو اختلفا في البيتين, ولنا أنه أمكن صدق الشهود عليه بأن يكون ابتداء الفعل في إحدى الزاويتن وتمامه في الأخرى فيجب قبول شهادتهم كما لو اتفقوا على موضع واحد, فإن قيل قد يمكن أن تكون الشهادة ها هنا على فعلين فلم أوجبتم الحد والحدود تدرأ بالشبهات؟ قلنا: يبطل هذا فيما إذا اتفقوا على موضع واحد فإنه يمكن أن تكون الشهادة على فعلين بأن يكون قد فعل ذلك في ذلك الموضع مرتين ومع هذا لا يمتنع وجوب الحد فكذا ها هنا.

باب حد القذف
ومن رمى محصنا بالزنا أو شهد عليه به فلم تكمل الشهادة عليه جلد ثمانين جلدة إذا طالب المقذوف
ـــــــ
باب حد القذفمسألة: "ومن رمى محصنا بالزنا أو شهد به عليه فلم تكمل الشهادة عليه جلد ثمانين جلدة إذا طالب المقذوف" أجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف المحصن, وذلك لقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} 1, والمحصن من وجدت فيه خمس شرائط: أن يكون حرا مسلما عاقلا بالغا عفيفا, وهذا إجماع وبه يقول جملة العلماء قديما وحديثا سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد, وعن ابن المسيب وابن أبي ليلى قالا: إذا قذف ذمية لها ولد مسلم يحد والأول أولى؛ لأن من لم يحد قاذفه إذا لم يكن له ولد لا يحد له ولد كالمجنونة, وروي عن الإمام أحمد في اشتراط البلوغ روايتان: إحداهما يشترط لأنه أحد شرطي التكليف فأشبه العقل؛ ولأن زنا الصبي لا يوجب الحد فلا يجب الحد بالقذف كزنا المجنون, والثانية: لا يشترط لأنه حر بالغ عاقل عفيف يعتبر بهذا القول الممكن صدقه أشبه الكبير فعلى هذا لا بد أن يكون كبيرا يجامع مثله وأدناه أن يكون الغلام ابن عشر سنين والجاريه تسع.
مسألة: "وإذا لم تكمل الشهادة عليه بالزنا فعلى القاذف والشهود الحد" لقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}؛ ولأنه إجماع.
ـــــــ
1 - سورة النور: الآية 4.

والمحصن هو الحر البالغ المسلم العاقل العفيف ويحد من قذف الملاعنة أو ولدها, ومن قذف جماعة بكلمة واحدة فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم فإن عفا بعضهم لم يسقط حق غيره.
ـــــــ
الصحابة فإن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل. الرابع: بمحضر من الصحابة فلم ينكروه ولأنه رام بالزنا لم يأت بأربعة شهود فيجب عليه الحد كما لو لم يأت بأحد.
مسألة: وإنما يجب الحد على القاذف إذا طالب المقذوف لأنه حق له فلا يستوفى قبل طلبه كسائر حقوقه.
مسألة: "والمحصن هو الحر المسلم البالغ العفيف" عن الزنا وقد سبق.
مسألة: "ويحد من قذف الملاعنة أو ولدها" نص أحمد رحمه الله على من قذف الملاعنة وهو قول ابن عمر وابن عباس والجمهور لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: قضى في الملاعنة أن لا ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد. رواه أبو داود؛ ولأن حصانتها لم تسقط باللعان ولا يثبت الزنا به ولذلك لا يلزمها به حد, وكذا من قذف ابنها فقال: هو من الذي رميت بت. فأما إن قال: ليس هو ابن فلان وأراد أنه منفي عنه شرعا فلا حد عليه لأنه صادق.
مسألة: "ومن قذف جماعة بكلمة واحدة فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم", وقال ابن المنذر: لكل واحد حد, وعن أحمد مثله لأنه قذف كل واحد منهم فلزمه له حد كامل كما لو قذفهم بكلمات, ولنا قول الله سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}, ولم يفرق بين قذفهم واحدة أو جماعة ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوه بامرأة فلم يحدهم عمر إلا حدا واحدا؛ ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد كما لو قذف واحدا؛ ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فوجب أن يكتفى به بخلاف ما إذا قذف كل واحد بكلمة فإن ظهور كذبه في قذف واحد لا يزيل المعرة عن الآخر ولا يتحقق كذبه فيه.
مسألة: وإذا طالبوا أو واحد منهم وقد سبقت في قذف الواحد وإن طلب واحد منهم فله إقامة الحد على قاذفه؛ لأنه مقذوف لم يشهد عليه أربعة فوجب الحد على قاذفه كما لو أقر بالقذف وطلب حقه.
مسألة: "فإن عفا بعضهم لم يسقط حق غيره" كما لو قتله جماعة عمدا وعفي عن بعضهم لا يسقط حق الباقين فكذلك ها هنا.

باب حد المسكر
ومن شرب مسكرا قل أو كثر مختارا عالما أن كثيره يسكر جلد الحد أربعين جلدة لأن عليا رضي الله عنه جلد الوليد بن عقبة في الخمر أربعين وقال: جلد النبي
ـــــــ
باب حد المسكر"ومن شرب مسكرا قل أو كثر مختارا عالما أن كثيره يسكر جلد الحد أربعين جلدة". في هذه المسألة فصول: الأول أن كل مسكر حرام وهو خمر حكمه حكم عصير العنب في تحريمه ووجوب الحد على شاربه روي ذلك عن جماعة من الصحابة لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام", وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". رواهما أبو داود والأثرم وغيرهما, وقال عمر: نزل تحريم الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل؛ ولأنه مسكر فأشبه عصير العنب. وقال الإمام أحمد: ليس في الرخصة في المسكر حديث صحيح. قال ابن المنذر: جاء أهل الكوفة بأحاديث معلولة وأما حديث ابن عباس: حرمت الخمرة لعينها والمسكر من كل شراب, فهو عمدتهم وهو موقوف عليه مع أنه يحتمل أنه أراد المسكر من كل شراب فإنه يروي هو وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مسكر حرام".
الفصل الثاني: أن الحد يجب على من شرب القليل من المسكر والكثير ولا نعلم بينهم خلافا في ذلك وفي عصير العنب غير المطبوخ, واختلفوا في سائرها: فذهب إمامنا إلى التسوية بين عصير العنب وكل مسكر وقال قوم لا يجلد إلا أن يسكر ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من شرب الخمر فاجلدوه". رواه أبو داود1 وغيره وقد ثبت أن كل مسكر خمر فيتناول الحديث قليلها وكثيرها؛ ولأنه شراب فيه شدة مطربة فوجب الحد بقليله كالخمر.
الفصل الثالث: أن يشربها مختارا لشربها فإن شربها مكرها فلا حد عليه لقوله عليه السلام: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
الفصل الرابع: أن الحد إنما يلزم من شربها عالما أن كثيرها يسكر فأما غيره فلا حد عليه؛ لأنه غير عالم ولا قاصد لارتكاب المعصية فأشبه من وطئ امرأة يظنها زوجته, وثبت أن عمر قال: لا حد إلا على من علمه وبه قال عامة أهل العلم.
الفصل الخامس: أن حد شارب الخمر أربعون وهو اختيار أبي بكر, وعنه أن حده ثمانون لإجماع الصحابة فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر فقال عبد الرحمن: أجعله كأخف الحدود فضرب عمر ثمانين وروي أن عليا قال في المشورة: إنه إذا سكر هذى
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الحدود: حديث رقم 4482.

أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي وسواء كان عصير العنب أو غيره ومن أتى من المحرمات ما لا حد فيه لم يزد على عشر جلدات لما روى أبو بردة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجلد أحد أكثر من عشر
ـــــــ
وإذا هذا افترى فحده حد المفتري روى ذلك الجوزاني والدارقطني وغيرهما, "ودليل الرواية الأولى أن عليا جلد الوليد بن عقبة أربعين ثم قال: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي", رواه مسلم وعن أنس قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر فضربه بالنعال نحوا من أربعين, ثم أتي به أبو بكر فصنع به مثل ذلك ثم أتي به عمر فاستشار الناس في الحد فقال ابن عوف: أقل الحدود ثمانون فضرب به عمر. متفق عليه1. وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أولى من فعل غيره ولا ينعقد الإجماع على شيء قد خالفه فيه أبو بكر وعلي فتحمل زيادة عمر على أنها تعزير ويجوز فعلها إذا رآه الإمام.
مسألة: "وسواء كان" من "عصير العنب أو غيره" روي ذلك عن تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: كل مسكر حرام وهو خمر حكمه حكم عصير العنب في تحريمه ووجوب الحد على شاربه. قال عمر رضي الله عنه: نزل تحريم الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير, والخمر ما خامر العقل ولأنه مسكر فأشبه عصير العنب.
مسألة: "ومن أتى من المحرمات ما لا حد فيه لم يزد على عشر جلدات" وذلك أن الجنايات التي لا حد فيها كوطء الشريك جاريته المشتركة أو أمته المزوجة أو امرأته في دبرها أو حيضها أو وطء أجنبية دون الفرج أو سرق دون النصاب أو من غير حرز أو شتم إنسانا بما ليس بقذف ونحوه, فإن ذلك يوجب التعزير, واختلف عن أحمد في مقداره: فروي عنه أنه لا يزاد على عشر جلدات نص عليه في مواضع؛ "لما روى أبو بردة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله". متفق عليه2. وروى عن الإمام أحمد ما يدل على أنه لا يبلغ بكل جناية حدا مشروعا في جنس تلك الجناية وتحمله كلام الخرقي لأنه قال: لا يبلغ بالتعزير الحد فعلى هذا ما كان شبه الوطء كوطء الجارية المشتركة وجارية ابنه أو أشباه هذا يجلد مائة إلا سوطا لينقص عن حد الزنا, وما كان شبه غير الوطء [لم يبلغ به] أدنى الحدود ووجه هذا حديث النعمان بن بشير الأنصاري في الذي وطئ جارية امرأته بإذنها أنه يجلد مائة وهذا تعزير لأنه في حق المحصن وحده الرجم وعن سعيد بن المسيب [عن عمر] في أمة بين رجلين وطئها
ـــــــ
1- رواه البخاري في: الحدود: حديث رقم "6779", و مسلم في: الحدود: حديث رقم"36".
2- رواه البخاري في: الحدود: حديث رقم "6848", و مسلم في: الحدود: حديث رقم"40".

جلدات إلا في حد من حدود الله" إلا أن يطأ جارية امرأته بإذنها فإنه يجلد مائة.
ـــــــ
أحدهما: يجلد الحد إلا سوطا واحدا رواه الأثرم واحتج به أحمد. قال القاضي: هذا عندي من نص أحمد لا يقتضي اختلافا في التعزير بل المذهب أنه لا يزاد على عشر جلدات اتباعا للأثر إلا في وطء جارية امرأته لحديث النعمان, وفي الجارية المشتركة لحديث عمر وما عدا هذا يبقى على العموم لحديث أبي بردة الصحيح قال شيخنا: وهذا قول حسن.
مسألة: "إلا أن يطأ جارية امرأته بإذنها فإنه يجلد مائة" لحديث النعمان وقد سبق.

باب حد السرقة
ومن سرق ربع دينار من العين أو ثلاثة دراهم من الورق أو ما يساوي أحدهما من سائر المال فأخرجه من الحرز قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت فإن
ـــــــ
باب حد السرقة"ومن سرق ربع دينار من العين أو ثلاثة دراهم من الورق أو ما يساوي أحدهما من سائر المال وأخرجه من الحرز قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت" ولا يجب القطع إلا بشروط أربعة: أحدها السرقة ومعناها أخذ المال على وجه الخفية والاستتار ومنه استراق السمع فإن اختطف أو اختلس لم يكن سارقا ولا قطع عليه, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس على الخائن ولا على المختلس قطع" 1, وفي حديث عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المنتهب قطع". رواهما أبو داود وقال:لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير2. الشرط الثاني: أن يكون المسروق نصابا وقيل يقطع في القليل والكثير لظاهر الآية ولما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده". متفق عليه3. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقطع إلا في ربع دينار فصاعدا" متفق عليه4. ويحتمل أن الحبل يساوي ذلك وكذلك بيضة السلاح وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم, متفق عليه5. قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث يروى في هذا الباب لا يختلف أهل العلم
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في في الحدود: حديث رقم 4392, 4393. والترمذي في الحدود: حديث رقم 1448. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
2 - رواه أبو داود في الحدود: حديث رقم 4391.
3 - رواه البخاري في الحدود: حديث رقم 6799. ومسلم في الحدود: حديث رقم 7.
4 - رواه البخاري في الحدود: حديث رقم 6789, 6790, 6791. ومسلم في الحدود: حديث رقم 1, 2, 3.
5 - رواه البخاري في الحدود: حديث رقم 6797, 6798. ومسلم في الحدود: حديث رقم 6.

عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت
ـــــــ
في ذلك وفي هذا الحديث دليل على أن العروض تقوم بالدراهم؛ لأن ثمن المجن قوم بها ولأن ما كان الذهب فيه أصلا كان الورق فيه أصلا كنصب الزكاة والديات وقيم المتلفات. الشرط الثالث: كون المسروق مالا فإن سرق ما ليس بمال كالحر فلا قطع فيه صغيرا كان أو كبيرا وقيل يقطع بسرقة الصغير لعموم الآية؛ ولأنه غير مميز أشبه العمد وذكره أبو الخطاب رواية عن الإمام أحمد, ولنا أنه ليس بمال فلا يقطع بسرقته كالكبير النائم. الشرط الرابع: أن يخرجه من الحرز, كل أهل العلم على اشتراطه ولا نعلم عن أحد خلافهم إلا الحسن والنخعي وروي عن عائشة فيمن جمع المتاع في البيت: عليه القطع, وعن الحسن مثل قول سائر أهل العلم. قال ابن المنذر: وليس فيه خبر ثابت فهو كالإجماع منهم, وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز لأن الآية لا تفصيل فيها ولنا إجماع أهل العلم السابق على قوله وما روي عن عمرو بن شعيب أن رجلا من مزينة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الثمار؟ فقال: "من أخذ بفيه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب ونكال وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه1 وغيرهم, وهذا الخبر يخص الآية كما خصصناها في اعتبار النصاب وإذا ثبت هذا في الحرز وما عد حرزا في العرف فإنه لما لم يثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه علم أنه رد ذلك إلى العرف لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته, إذا ثبت هذا فإن حرز الذهب والفضة والجواهر في الصناديق تحت الأغلاق والأقفال الوثيقة, وحرز الثياب وما خف من المتاع كالصفر والنحاس والرصاص في الدكاكين والبيوت المقفلة في العمران فإن كان لابسا ثوب أو متوسدا له نائما عليه أو مستيقظا في أي موضع فهو محرز بدليل حديث رداء صفوان إذ سرق رداؤه وهو متوسده في المسجد فقطع النبي صلى الله عليه وسلم سارقه2. فإن تدحرج عن الثوب زال الحرز, وحرز البقل وقدور الباقلاء بالشرائح من الخشب والقصب إذا كان في السوق حارس, وحرز الخشب والحطب بالحظائر وتعبية بعضه على بعضه ويقيد فوقه بحيث يعسر أخذ شيء منه على ما جرت به العادة وما في الفنادق مغلق عليه فهو محرز وإن لم يقيد.
مسألة: "فإذا وجدت هذه الشروط وجب قطع يده اليمنى من مفصل الكف وهو الكوع وحسمت" ولا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى, روي ذلك عن أبي بكر وعمر ولا مخالف لهما في الصحابة ولأن البطش بها أقوى فكان البداية.
ـــــــ
1 - رواه أحمد في المسند 2/207. وأبو داود في الحدود: حديث رقم 4390. وابن ماجه في الحدود: حديث رقم 2586.
2 - رواه أبو داود في الحدود: حديث رقم 4394.

فإن عاد حبس ولا يقطع غير يد ورجل, ولا تثبت السرقة إلا بشهادة عدلين أو اعتراف مرتين
ـــــــ
بها أردع ويستحب أن تحسم اليد والرجل بعد القطع ومعناه أنه يغلى لها الزيت فإذا قطعت غمست فيه لتنسد أفواه العروق لئلا ينزف الدم, وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق سرق شملة فقال: "اقطعوه واحسموه", وهو حديث في إسناده مقال قاله ابن المنذر.
مسألة: "فإن عاد ثانيا قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت", وبذلك قالت الجماعة إلا عطاء وحكي عنه أنه تقطع يده اليسرى لقوله سبحانه: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}, وحكي ذلك عن ربيعة وداود ومذهب جماعة فقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين على ما قلناه, وقد روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله", ولأنه في المحاربة تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى كذا ها هنا, وإنما قطعت رجله اليسرى لأنه أرفق به ولأنه يمكن المشي على خشبة ولو قطعت رجله اليمنى ويده اليمنى لم يمكن ذلك.
مسألة: "فإن عاد حبس ولا يقطع غير يد ورجل" وهو اختيار أبي بكر وروي عن علي والحسن والشعبي وعن أحمد أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة, وفي الرابعة رجله اليمنى, وفي الخامسة يعزر ويحبس وهو قول الشافعي؛ لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله". ولأن اليسار تقطع قودا فتقطع في السرقة كاليمنى؛ ولأن في قطع اليدين تعطل منفعة الجنس فلم يشرع في حد كالقتل, ألا ترى أنا عدلنا في الثانية إلى قطع الرجل لهذا المعنى ولأن قطع اليدين بمنزلة الإهلاك فإنه لا يمكنه أن يتوضأ ولا أن يستنجي ولا أن يحترز من النجاسة ولا يزيلها عنه ولا يأكل ولا يبطش, ولذلك أوجب الله سبحانه في يديه دية جميعه, وقال علي رضي الله عنه: إني لأستحي من الله أن لا أدع له يدا يبطش بها ولا رجلا يمشي عليها.
مسألة: "ولا تثبت السرقة إلا بشهادة عدلين أو اعتراف مرتين" وذلك أن القطع إنما يثبت بأحد أمرين: بينة أواعتراف فأما البينة فيشترط فيها أن يكون رجلين مسلمين حرين عدلين [سواء كان السارق مسلما أو ذميا و قد ذكرنا ذلك في الشهادة في الزنا و يشترط أن] يصفا السرقة والحرز والجنس والنصاب وقدره ليزول الاختلاف فيه, فيقولان: نشهد أن هذا سرق كذا قيمته كذا من حرز ويصفانه فيقولان: من حرز فلان ابن فلان بحيث يتميز عن غيره فإذا اجتمعت الشروط وجب. الحد الثاني: الاعتراف مرتين لما روى أبو داود بإسناده عن أمية المخزومي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف فقال له: "وما إخالك سرقت,

ولا يقطع حتى يطالب المسروق منه بماله وإن وهبها للسارق أو باعه إياها قبل ذلك سقط القطع, وإن كان بعده لم يسقط, وإن نقصت عن النصاب بعد الإخراج لم يسقط القطع, وإن كان قبله لم يجب, وإذا قطع فعليه رد المسروق إن كان باقيا أو قيمته إن كان تالفا.
ـــــــ
قال: بلى, فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا فأمر به فقطع1, ولو وجب القطع بأول مرة ما أخره, ويشترط أن يذكر في اعترافه شروط السرقة من النصاب والحرز وإخراجه منه.
مسألة: "ولا يقطع حتى يطالب المسروق منه بماله" لأن المال يباح بالبذل والإباحة فيحتمل أن يكون ماله أباحه إياه أو وقفه على المسلمين أو على طائفة السارق منهم أو أذن له في دخول حرزه فاعتبرت المطالبة لتزول هذه الشبهة.
مسألة: "وإن وهبها للسارق أو باعه إياها قبل ذلك سقط القطع وإن كان بعده لم يسقط", وذلك أنه إذا باعه العين أو وهبها له قبل رفعه إلى الحاكم سقط القطع عنه؛ لأن المطالبة شرط لما سبق ولم يبق مطالب وإن كان البيع أو الهبة بعد أن رفعه إلى الحاكم لم يسقط القطع؛ لما روى الزهري عن صفوان عن أبيه أنه نام في المسجد فتوسد رداءه فأخذ من تحت رأسه فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع, فقال صفوان: يا رسول الله لم أرد هذا ردائي عليه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهلا قبل أن تأتي به", رواه ابن ماجه والجوزجاني وفي لفظ قال: فأتيته فقلت أتقطعه من أجل ثلاثين درهما؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها قال: "فهلا كان قبل أن تأتيني به", رواه الأثرم وأبو داود فهذا يدل على أنه لو وجد قبل رفعه إليه لدرأ القطع وبعده لا يسقط.
مسألة: "وإن نقصت عن النصاب بعد الإخراج لم يسقط القطع وإن كان قبله لم يجب" لقول الله سبحانه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}؛ ولأنه نقصان حدث في العين فلم يمنع القطع كما لو نقص باستعماله, وسواء نقصت قيمتها قبل الحكم أو بعده؛ لأن سبب الوجوب السرقة فيعتبر النصاب حينئذ. فأما إن نقص قبل الإخراج لم يجب القطع لعدم الشرط قبل تمام السبب وسواء نقصت بفعله أو بغير فعله, وإن وجدت ناقصة ولم يدر هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها لم يجب القطع للشك في شرط الوجوب ولأن الأصل عدمه.
مسألة: "وإذا قطع فعليه رد المسروق إن كان باقيا أو قيمته إن كان تالفا" لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين على مالكها إن كانت باقية, فأما إن كانت تالفة فعلى السارق رد قيمتها أو مثلها إن كانت مثلية قطع أو لم يقطع موسرا كان أو معسرا لأنها عين يجب ضمانها بالرد إن كانت باقية ويجب غرمها إن كانت تالفة كما لو لم يقطع ولأن القطع والغرم حقان يجبان لمستحقين فجاز اجتماعهما كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك, والحديث في ذلك يرويه سعد ابن إبراهيم, وقال ابن المنذر: مجهول, ويحتمل أنه أراد بقوله إذا أقيم الحد على السارق فلا غرم عليه يعني ليس عليه غرامة أجرة القاطع.
ـــــــ
1- رواه أبو داودفي: الحدود: حديث رقم: "4380".

باب حد المحاربين
وهم الذين يعرضون للناس في الصحراء جهرة ليأخذوا أموالهم فمن قتل منهم وأخذ المال قتل وصلب حتى يشتهر ودفع إلى أهله, ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب, ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام
ـــــــ
باب حد المحاربين"وهم الذين يعرضون للناس في الصحراء جهرة ليأخذوا أموالهم فمن قتل منهم وأخذ المال قتل" وإن عفا صاحب المال "وصلب حتى يشتهر ودفع إلى أهله, ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب, وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا", وخلي سبيله. روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما, وقيل يخير الإمام فيهم بين القتل والقطع والنفي لقوله سبحانه: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} 1, و "أو" للتخيير وقيل: إن قتل قتل وإن أخذ المال قطع وإن قتل وأخذ المال فالإمام مخير بين قتله وصلبه وبين قطعه وقتله وبين أن يجمع له ذلك كله؛ لأنه وجد منه ما يوجب القتل والقطع فأشبه ما لو زنا وسرق, وعنه إذا قتل وأخذ المال قطع ثم قتل ثم صلب. قال مالك: إذا قطع الطريق فإن رآه الإمام جلدا إذا رأي قتله, وإن كان جلدا لا رأي له قطعه, ولنا على أنه لا يقتل إذا لم يقتل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق" 2, وأما "أو" فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما مثل قولنا, فإما أن يكون توقيفا أو لغة وأيهما كان فهو حجة يدل على أنه بدأ بالأغلظ فالأغلظ, وعرف القرآن فيما أريد به التخيير البداية بالأخف ككفارة اليمين وما أريد به الترتيب بدئ فيه بالأغلظ فالأغلظ ككفارة القتل, يدل عليه أن العقوبات تختلف باختلاف الإجرام ولذلك اختلف حكم الزاني والقاذف والسارق, وقد سوي بينهم مع اختلاف جناياتهم وبهذا نرد على مالك فإنه إنما
ـــــــ
1 - سورة المائدة: الآية 33.
2 - سبق تخريجه.

واحد وحسمتا ولا يقطع إلا من أخذ ما يقطع السارق به, ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولا أخذ مالا نفي من الأرض, ومن تاب قبل القدرة عليه سقطت عنه حدود الله تعالى, وأخذ بحقوق الآدميين إلا أن يعفى له عنها.
فصل
ومن عرض له من يريد نفسه أو ماله أو حريمه أو حمل عليه سلاحا أو دخل
ـــــــ
اعتبر الجلد والرأي وهو على خلاف الأصول التي ذكرناها, وقول أبي حنيفة لا يصح لأن القطع لو وجب بحق الله سبحانه لم يخير الإمام فيه كقطع السارق, وكما لو انفرد بأخذ المال؛ ولأن الحدود لله سبحانه إذا كان فيها قتل سقط ما دونه كما لو سرق وزنى وهو محصن, وذكر العاقولي في معلقه أن أبا داود روى عن ابن عباس قال: وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بردة الأسلمي فجاء ناس يريدون الإسلام فقطع عليهم أصحابه, فنزل جبريل عليه السلام بالحد فيهم: أن من قتل وأخذ المال قتل ثم صلب, ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف, وهو نص.
مسألة: "ولا يقطع إلا من أخذ ما يقطع به السارق" لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا قطع إلا في ربع دينار" ولم يفصل.
مسألة: "ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولا أخذ مالا نفي من الأرض" لقوله سبحانه: {أََوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} قال ابن عباس: النفي في هذه الحالة يعني في حق من لم يقتل ولم يأخذ مالا ولكنه أخاف السبيل ونفيه تشريده عن الأمصار والبلدان فلا يترك يأوي إلى بلد لظاهر الآية فإن النفي الطرد والإبعاد وأما الحبس فهو إمساك وهما متنافيان.
مسألة: "ومن تاب قبل القدرة عليه سقطت عنه حدود الله وأخذ بحقوق الآدميين إلا أن يعفى له عنها" لا نعلم في هذا خلافا, ودليله قول الله سبحانه: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}, يسقط عنهم تحتم القتل والصلب والقطع والنفي ويبقى عليهم القصاص في النفس والجراح وغرامة المال والدية؛ لما لا قصاص فيه ولأنه إذا قبل القدرة عليه فالظاهر أنها توبة إخلاص, وأما التوبة بعد القدرة عليه فالظاهر أنها تقيه من إقامة الحد عليه فلا تفيده, وأما حقوق الآدميين التي ذكرناها فيؤخذ بها ولا تسقط بالتوبة كما لو أخذ شيئا أو أتلف شيئا وهو غير محارب ثم تاب فإنه يلزم به إلا أن يعفو صاحبه.
مسألة: "ومن عرض له من يريد نفسه أو ماله أو حريمه أو حمل عليه سلاحا أو دخل

منزله بغير إذنه فله دفعه بأسهل ما يكون أنه يندفع به فإن لم يندفع إلا بقتله فله قتله ولا ضمان عليه وإن قتل الدافع فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه, ومن صالت عليه بهيمة فله دفعها بمثل ذلك ولا ضمان في ذلك, ومن اطلع في دار إنسان أو بيته من خصاص الباب أو نحوه فحذفه بعصاة ففقأ عينه فلا ضمان عليه
ـــــــ
منزله بغير إذنه فله دفعه بأسهل ما يعلم أنه يندفع به فإن لم يندفع إلا بقتله فله قتله ولا ضمان عليه, وإن قتل الدافع فهو شهيد" وذلك أن من عرض لإنسان يريد نفسه أو ماله أو حريمه فإنه يجوز له دفعه عن نفسه وماله وحريمه بأسهل ما يندفع بت, كما يجوز ذلك في أهل البغي فإن كان يندفع بالقول لم يجز ضربه لأن المقصود دفعه وليس المقصود ضربه, وإن كان يندفع بالضرب لم يجز قتله لأن المقصود دفعه لا قتله فإن لم يمكن دفعه إلا بالقتل أو خاف أن يبادره بالقتل إن لم يقتله فله ضربه بما يقتله به أو يقطع طرفه فإن قتله أو أتلف منه عضوا كان هدرا؛ لأنه قتله لدفع شره فلم يضمن كالباغي؛ ولأنه اضطره إلى قتله فصار كأنه القاتل لنفسه, وإن قتل الدافع فهو شهيد لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد". رواه الخلال بإسناده؛ ولأنه قتل لدفع ظالم فكان شهيدا كالعادل بقتله الباغي سواء كان القاصد ذكرا أو أنثى كبيرا أو صغيرا, وهكذا الحكم فيمن حمل عليه السلاح أو دخل منزله بغير إذنه بالسلاح فأمره بالخروج فلم يفعل فله أن يخرجه بأسهل ما يمكن على ما سبق فيمن عرض له من يريد نفسه أو ماله.
مسألة: "ومن صالت عليه بهيمة فله دفعها بمثل ذلك ولا ضمان" عليه وذلك أنه من صالت عليه بهيمة فلم يقدر على دفعها إلا بقتلها جاز له قتلها إجماعا وليس عليه ضمانها إذا كانت لغيره, وقال أبو حنيفة: عليه ضمانها لأنه أتلف مال غيره لإحياء نفسه فكان عليه ضمانه كالمضطر إلى طعام غيره, ولنا أنه قتلها بالدفع الجائز فلم يضمنها كالعبد؛ ولأنه حيوان جاز إتلافه لجنايته فلم يضمنه كالآدمي ويفارق المضطر فإن الطعام لم يلجئه إلى إتلافه ولهذا لو قتل المحرم الصيد للمجاعة ضمنه ولو قتله لصياله لم يضمنه.
مسألة: "ومن اطلع في دار إنسان أو بيته من خصاص الباب أو نحوه فحذفه بحصاة ففقأ عينه فلا ضمان عليه", وقال أبو حنيفة: يضمنه لأنه لو دخل منزله ونظر فيه أو نال من امرأته ما دون الفرج لم يجز قلع عينه, فمجرد النظر أولى, ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح", وعن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في حجر من باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحك رأسه بمدراة في يده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو علمت أنك تنظر في لطمست

وإن عض إنسان يده فانتزعها منه فسقطت ثناياه فلا ضمان.
ـــــــ
أو لطعنت- بها في عينك" متفق عليهما1, وهذا أولى مما ذكروه.
مسألة: "فإن عض إنسان يده فانتزعها فسقطت ثناياه فلا ضمان"؛ فيها لما روي عن عمران بن حصين أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثناياه فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل لا دية لك". متفق عليه2.
ـــــــ
1 - الأول: رواه البخاري في الديات: حديث رقم 6888. ومسلم في الأدب: حديث رقم 44. والثاني: رواه البخاري في الديات: حديث رقم 6901. ومسلم في الأدب: حديث رقم 41.
2 - رواه البخاري في الديات: حديث رقم 6892. ومسلم في القسامة: حديث رقم 21, 22.

باب قتال أهل البغي
وهم الخارجون على الإمام يريدون إزالته عن منصبه فعلى المسلمين معونة إمامهم في دفعهم بأسهل ما يندفعون به
ـــــــ
باب قتال أهل البغي"وهم الخارجون على الإمام يريدون إزالته عن منصبه" وهم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام لتأويل سائغ وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جميع الجيش فهؤلاء هم البغاة "فعلى المسلمين معونة إمامهم في دفعهم" عنه, واجتمعت الصحابة رضوان الله عليهم على قتال البغاة وقاتل أبو بكر مانعي الزكاة وعلي قاتل أهل البصرة يوم الجمل وأهل الشام يوم صفين وأهل النهروان, وروى لفظه ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أعطى إماما صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر", رواه مسلم1. وفي حديث أبي سعيد: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما", وفي حديث عرفجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستكون هنات 2 وهنات -فرفع صوته- ألا من خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان" 3, فمن اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته؛ لما ذكرنا من الحديث وإجماع الصحابه, وكذلك من ثبتت إمامته بعهد الذي قبله فإن أبا بكر عهد إلى عمر فأقرت به الصحابة وأجمعوا على قبوله فصار إجماعا, ولو خرج رجل بسيفه على الناس حتى أقروا له بالطاعة وبايعوه صار إماما يحرم قتاله والخروج عليه؛ لما في ذلك من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم ويدخل الخارج عليه في عموم قوله: "من خرج على أمتي وهم
ـــــــ
1 - رواه مسلم في الإمارة: حديث رقم 46.
2 - قوله: هنات: جمع هنة, وتطلق على كل شيء, والمراد بها هنا الفتن والأمور الحادثة.
3 - رواه مسلم في الإمارة: حديث رقم 59.

فإن آل إلى قتالهم أو تلف مالهم فلا شيء على الدافع وإن قتل الدافع كان شهيدا, ولا يتبع لهم مدبر ولا يجهز على جريح، ولا يغنم لهم مال ولا تسبى لهم ذرية
ـــــــ
جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان" 1, وينبغي أن لا يقاتل البغاة حتى يراسلوا فيبعث إليهم من يكشف لهم الصواب فإن لجوا قاتلهم؛ لأن الله سبحانه بدأ بالإصلاح فقال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} 2, وقد روي أن عليا رضي الله عنه راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل وأمر أصحابه أن لا يبدأوهم بالقتال ثم قال: إن هذا يوم من فلج فيه فلج يوم القيامة ثم سمعهم يقولون: الله أكبر يا ثارات عثمان, فقال: اللهم أكب قتلة عثمان على وجوههم, وروى عبد الله بن شداد أن عليا بعث إلى الحرورية عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله عز وجل ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف, فإن أبوا الرجوع وعظهم وخوفهم القتال فإن أبوا وأمكن دفعهم بدون قتال بما هو أسهل لم يجز قتلهم لأن المقصود دفعهم لا قتلهم.
مسألة: "فإن آل" ما دفعوا به إلى "قتلهم أو تلف مالهم فلا شيء على الدافع" من إثم ولا ضمان لأنه فعل ما أمر به وقتل من أحل الله قتله, وكذلك ما أتلفه أهل العدل على أهل البغي حال الحرب من مال لا يضمن لأنهم إذا لم يضمنوا الأنفس فالأموال أولى.
مسألة: "وإن قتل الدافع كان شهيدا" لأنه قتيل في حرب أمر بها وأثيب عليها فكان شهيدا كقتيل الكفار.
مسألة: "ولا يتبع لهم مدبر ولا يجهز على جريح" لما روى عن علي رضي الله عنه أنه قال يوم الجمل: لا يذفف [على جريح و لا يهتك ستر و لا بفتح باب, و من أغلق بابا- أو بابه- فهو آمن, و لا] يتبع مدبر", وعنه أنه ودى قوما من بيت المال قتلوا مدبرين, وعن أبي أمامة قال: شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح ولا يطلبون موليا ولا يسلبون قتيلا وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا ابن أم عبد ما حكم من بغى على أمتي"؟ فقلت: الله ورسوله أعلم, فقال: "لا يتبع مدبرهم ولا يجاز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم ولا يقسم فيئهم", ولأن المقصود كفهم ودفعهم -وقد حصل- فلم يجز قتلهم كالصائل.
مسألة: "ولا يغنم لهم مال ولا تسبى لهم ذرية" ولا نعلم بين أهل العلم في تحريم ذلك خلافا, ولما سبق من حديث أبي أمامة وحديث ابن مسعود؛ ولأن قتالهم إنما هو لدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم فلا يستباح منهم إلا ما حصل ضرورة الدفع كالصائل.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - سورة الحجرات: الآية 9.

ومن قتل منهم غسل وكفن وصلى عليه ولا ضمان على أحد الفريقين فيما أتلف حال الحرب من نفس أو مال, وما أخذ البغاة حال امتناعهم من زكاة أو جزية أو خراج لم يعد عليهم ولا على الدافع إليهم ولا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما ينقض من حكم غيره.
ـــــــ
وبقي حكم المال والذرية على أصل العصمة.
مسألة: "ومن قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه" لقوله عليه السلام: "صلوا على من قال لا إله إلا الله"؛ ولأنهم مسلمون لم يثبت لهم حكم الشهادة فيصلى عليهم ويغسلون كما لو لم يكن لهم فئة فإن المخالف يسلم في هذه الصورة.
مسألة: "ولا ضمان على أحد الفريقين فيما أتلف حال الحرب من نفس أو مال", أما البغاة فلأنهم قتلوا وأتلفوا بتأويل فلا يلزمهم الضمان, وأما أهل العدل فلا يلزمهم ذلك أيضا؛ لأنهم فعلوا ما يجوز لهم فعله فلم يلزمهم شيء للباغين لأنهم متعدون بقتالهم.
مسألة: "وما أخذه" أهل البغي- "حال امتناعهم- من زكاة أو جزية أو خراج لم يعد عليهم" يروى ذلك عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع؛ ولأن عليا رضي الله عنه لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جبوه ولأن في ذلك مشقة شديدة فإنهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة فإذا ظهر الإمام على البلد فذكر أرباب الأموال أن البغاة أخذوا زكاة أموالهم قبل قولهم ولو يستحلفوا نص عليه, لما في إعادته من المشقة وإنما لم يستحلفوا لأن حق الله لا يستحلف عليه.
مسألة: "ولا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما ينقض من حكم غيره" يعني إذا نصبوا قاضيا يصلح للقضاء لاجتماع شروط القضاء فيه فحكمه حكم قاضي أهل العدل ينفذ من أحكامه ما ينفذ من أحكام قاضي أهل العدل ويرد منه ما يرد, وعند أبي حنيفة لا يجوز قضاؤه لأنهم مفسقون ببغيهم والفسق ينافي القضاء, وعند أصحابنا لا يفسقون بخروجهم لأن ذلك مما يسوغ الاجتهاد فيه فلا يفسق مجتهدهم كسائر الفروع, فإذا ثبت هذا فإنه إذا حكم بما لا يخالف نصا ولا إجماعا نفذ حكمه, وإن خالف ذلك نقض حكمه وإن حكم بسقوط الضمان عن أهل البغي فيما أتلفوه قبل قيام الحرب لم ينفذ حكمه لمخالفته الإجماع.

باب حكم المرتد
ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وجب قتله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
باب حكم المرتد"ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وجب قتله لقول" النبي "صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه

"من بدل دينه فاقتلوه", ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل بالسيف, ومن جحد الله أو جعل له شريكا أو صاحبة أو ولدا أو كذب الله تعالى أو سبه أو كذب رسوله أو سبه أو جحد نبيا أو جحد كتاب الله أو شيئا منه أو جحد أحد أركان
ـــــــ
فاقتلوه". وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين, روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد رضي الله عنهم ولم ينكر فكان إجماعا.
مسألة: "ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل بالسيف"؛ لما روى مالك في موطئه عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد القاري عن أبيه أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى فقال له عمر: هل من مغربة خبر؟ قال: نعم رجل كفر بعد إسلامه, فقال: ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. قال عمر: فهلا حبستموه ثلاثا فأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله, اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني, ولو لم تجب استتابته لما برئ من فعلهم, إذا ثبت وجوب الاستتابة فإن مدتها ثلاثة أيام لحديث عمر؛ [و حكم المرأة في قتلها بالردة حكم الرجل] ولأن الارتداد قد يكون لشبهة ولا يزول في الحال فوجب أن ينظر في مدة يرتئي فيها, وأولى ذلك ثلاثة أيام لأنها مدة قريبة وينبغي أن يضيق عليه في مدة الاستتابة ويحبس لحديث عمر وتكرر دعايته لعله ينعطف قلبه ويراجع دينه, وإذا ثبت هذا فلا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتال بالارتداد, روي ذلك عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما لقوله عليه السلام: "من بدل دينه فاقتلوه" 1, وروى الدارقطني بإسناده أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام فبلغ أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بها أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت؛ ولأنها شخص بدل دين الحق بالباطل فتقتل كالرجل, وإذا ثبت هذا فإن الردة لا تصح إلا من عاقل فأما من لا عقل له كالطفل الذي لا عقل له والمجنون فلا تصح ردتهما ولا حكم لكلامهما. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه أنه مسلم على ما كان قبل ذلك, ولو قتله قاتل عمدا كان عليه القود إذا طلب أولياؤه, وقد قال عليه السلام: "رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" 2, وأما القتل فإنه يكون بالسيف بالقياس على القتل في القصاص لأنه أروح للمقتول.
مسألة: "ومن جحد الله" سبحانه بعد إقراره به فقد ارتد لأنه لم يعبد إلها "وجعل له شريكا" فهو مشرك وليس بموحد "وكذلك من جعل له "ندا" ومن جعل لله "ولدا" فقد كذب على الله تعالى ومن "سبه" فقد استخف به "ومن "كذب رسوله أو سبه" فقد رد على
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الجهاد: حديث رقم 3017.
2 - سبق تخريجه.

الإسلام أو أحل محرما ظهر الإجماع على تحريمه فقد ارتد إلا أن يكون ممن تخفى عليه الواجبات والمحرمات فيعرف ذلك فإن لم يقبل كفر ويصح إسلام الصبي العاقل
ـــــــ
الله تعالى ولم يوجب طاعته, ومن "جحد نبيا" فقد كفر لقوله سبحانه: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً}, وكذا من "جحد كتاب الله أو شيئا منه" فقد كفر لأنه كذب الله تعالى ورد عليه قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} 1, "ومن جحد أحد أركان الإسلام أو أحل محرما ظهر الإجماع على تحريمه فقد" كذب الله ورسوله لأن أدلة ذلك قد ظهرت في الكتاب والسنة فلا تخفى على المسلمين ولا يجحدها إلا مكذب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
مسألة: "إلا أن يكون ممن تخفى عليه الواجبات والمحرمات فيعرف ذلك فإن لم يقبل ذلك كفر" والذي يخفى عليه ذلك من يكون حديث عهد بالإسلام أو يكون قد نشأ ببلاد بعيدة عن المسلمين فهذا يعرف فإن رجع عن ذلك وإلا قتل وأما من كان ناشئا بين المسلمين مسلما فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل وذلك لأن إقرار هذه الأشياء ظاهر في الكتاب والسنة فالمخل بها مكذب لله ولرسوله فيكفر بذلك كما قلنا في جاحد أركان الإسلام
مسألة: "ويصح إسلام الصبي العاقل" وهو إذا بلغ عشر سنين وعقل الإسلام صح إسلامه لأن عليا رضي الله عنه أسلم صبيا فصح إسلامه وعد ذلك من مناقبه وسبقه ويقال أول من أسلم من الصبيان علي ومن الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن العبيد بلال رضي الله عنهم وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة", وقال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها", وقال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ينصرانه ويمجسانه حتى يعرب عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفورا", وهذا يدخل في عموم الصبي ولأن الإسلام عبادة محضة فصحت من الصبي كالصلاة والحج, وإن كان دون عشر سنين نظرت فإن كان لا يعقل الإسلام لم يصح منه؛ لأنه لا يصدر عن عقل فيكون كلامه مثل كلام المجنون, وإن كان يعقل الإسلام فينبغي أن يصح إسلامه. وكلام الخرقي يقتضي التفريق بين ابن عشر وبين من له دون العشر وعموم ما ذكرنا من الآثار يقتضي عدم التفريق, وقد حكى ابن المنذر عن أحمد إذا كان ابن سبع فإسلامه إسلام قال الجوزجاني: حجة أحمد
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 285.

وإن ارتد لم يقتل حتى يستتاب ثلاثا بعد بلوغه, ومن ثبتت ردته فأسلم قبل منه ويكفي في إسلامه أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا أن يكون كفره بجحد نبي أو كتاب أو فريضة أو نحوه, أو يعتقد أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى العرب خاصة فلا يقبل منه حتى يقر بما جحده وإذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب فسبيا لم يجز استرقاقهما ولا استرقاق من ولد لهما قبل ردتهما ويجوز استرقاق سائر أولادهما,
ـــــــ
في السبع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مروهم بالصلاة لسبع", وعن عروة أن عليا والزبير أسلما وهما ابنا ثماني سنين وبايع النبي صلى الله عليه وسلم ابن الزبير لسبع أو ثماني سنين.
مسألة: "وإن ارتد الصبي لم يقتل حتى يستتاب ثلاثا بعد بلوغه" وذلك لأن ردة الصبي صحيحة كما إن إسلامه صحيح, وإنما لم يقتل قبل البلوغ لأن الغلام لا تجب عليه عقوبة بدليل أنه لا يتعلق به حكم الزنا والسرقة والقصاص, فإذا بلغ فثبوته على درته بمنزلة ابتدائها فعند ذلك يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل كالذي ارتد وهو بالغ.
مسألة: "ومن ثبتت ردته" ثم "أسلم قبل منه" كما يقبل من الكافر الأصلي "إلا أن يكون كفره بجحد نبي أو كتاب أو فريضة أو نحوه أو يعتقد أن محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب خاصة فلا يقبل منه حتى يقر بما جحده" فإن كان كفره بقوله إن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما بعث إلى العرب خاصة احتاج -مع الشهادتين- إلى أن يقر أنه مبعوث إلى الخلق أجمعين ويتبرأ مع الشهادتين من كل دين يخالف دين الإسلام؛ لأنه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل أنه أراد ما اعتقده, وإن ارتد بجحود فرض لم يسلم حتى يقر بما جحده ويعيد الشهادتين لأنه كذب الله ورسوله بما اعتقده وكذلك إذا استباح محرما.
مسألة: "وإذا ارتد الزوجان بدار ولحقا بدار الحرب فسبيا لم يجز استرقاقهما ولا استرقاق من ولد لهما قبل ردتهما ويجوز استرقاق سائر أولادهما", وذلك لأن الرق لا يجري على المرتد بحال لقوله عليه السلام: "من بدل دينه فاقتلوه"؛ ولأنه لا يجوز إقراره على كفره فلم يجز استرقاقه كالرجل فإنهم سلموه ولم يثبت أن الذين سباهم أبو بكر رضي الله عنه كانوا أسلموا ولا يثبت لهم حكم الردة. فأما أولاد المرتدين فإن كانوا ولدوا قبل الردة فإنهم محكوم بإسلامهم تبعا لآبائهم ولا يتبعونهم في الردة لأن الإسلام يعلو وقد تبعوهم فيه فلا يتبعونهم في الكفر ولا يجوز استرقاقهم صغارا لأنهم مسلمون ولا كبارا لأنهم إذا كبروا فرضوا الإسلام فهم مسلمون, وإن رضوا الكفر فهم مرتدون حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة وتحريم الاسترقاق فأما من حدث من أولادهم بعد الردة فهو محكوم بكفره؛ لأنه ولد بين أبوين كافرين ويجوز استرقاقهم في ظاهر كلام الخرقي ونص عليه أحمد لأنهم لم يثبت لهم حكم الإسلام فجاز استرقاقهم كولد الحربيين.

كتاب الجهاد
مدخل...
كتاب الجهادوهوفرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين ويتعين على من حضر الصف أو حصر العدو بلده ولا يجب إلا على ذكر حر بالغ عاقل مستطيع
ـــــــ
كتاب الجهاد
"وهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين" ومعنى فرض الكفاية الذي إذا لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم وإن قام به من يكفي سقط عن سائر الناس فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع وإنما يسقط بفعل البعض وهو في الابتداء كفرض الأعيان, ثم يختلفان في أن فرض الأعيان لا يسقط عن واحد بفعل غيره وفرض الكفاية بخلافه والجهاد فرض كفاية في قول عامتهم لقول الله سبحانه: {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} 1, وهذا يدل على أن القاعدين غير مأثومين مع جهاد غيرهم.
مسألة: "ويتعين على من حضر الصف أو حصر العدو بلده" لقوله سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ}, وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} 2.
مسألة: "ولا يجب إلا على ذكر حر بالغ عاقل مستطيع" وذلك أنه يشترط لوجوب الجهاد شروط: أحدها أن يكون ذكرا فأما النساء فلا يجب عليهن لما روت عائشة قالت: قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال: "جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة"؛ ولأنها ليست من أهل القتال لضعفها وخورها ولذلك لا يسهم لها. والثاني: الحرية فلا يجب على العبد لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد؛ ولأنه عبادة تتعلق بقطع مسافة فلم تجب على العبد كالحج
ـــــــ
1 - سورة النساء: الآية 95.
2 - سورة التوبة: الآية 123.

والجهاد أفضل التطوع لقول أبي هريرة رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله". قال: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله ثم حج مبرور", وعن أبي سعيد قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل؟ قال: "رجل يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه", وغزو البحر أفضل من غزو البر
ـــــــ
الثالث: البلوغ فلا يجب على صبي لأن الصبي ضعيف البنية وقد روى ابن عمر قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في المقاتلة. متفق عليه. الرابع: العقل فلا يجب على مجنون لأنه لا يتأتى منه الجهاد فهو كالطفل في ذلك. الخامس: المستطيع وهو أن يكون صحيحا في بدنه قادرا على النفقة فأما الأعمى والأعرج والمريض فلا يجب عليهم جهاد؛ لأن العمى عذر لا يخفى وأما العرج فإن كان كثيرا منع وإن كان يسيرا لم يمنع والمرض كذلك, وذلك لقوله سبحانه: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} 1, يعني في ترك الجهاد. وأما النفقة فتشترط في الاستطاعة لقوله سبحانه: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} 2, ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة فتعتبر القدرة عليها, وقال الله سبحانه: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} 3, وهذا فيما إذا كانت المسافة تحتاج إلى ركوب فلا بد من الراحلة.
مسألة: "والجهاد أفضل التطوع لقول أبي هريرة رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله". قال: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله ثم حج مبرور", وعن أبي سعيد قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: "رجل يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه".
مسألة: "وغزو البحر أفضل من غزو البر" لما روي عن أنس رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك فقالت أم حرام: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوك على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة". متفق عليه4, وروى أبو داود عن أم حرام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
ـــــــ
1 - سورة النور: الآية 61.
2 - سورة التوبة: الآية 91.
3 - سورة التوبة: الآية 92.
4 -رواه البخاري في الجهاد: حديث رقم 2788, 2789. ومسلم في الإمارة: حديث رقم 160, 162.

ويغزو مع كل بر وفاجر ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو, وتمام الرباط أربعون يوما وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه", وقال: "رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا
ـــــــ
"المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد والغرق له أجر شهيدين" 1, وروى ابن ماجه عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "شهيد البحر مثل شهيدي البر, والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر, وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله, وإن الله تعالى وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم, ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين" 2. ولأن الغازي في البحر أعظم خطرا ومشقة فإنه بين خطر العدو وخطر الغرق ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه فكان أفضل من غيره.
مسألة: "ويغزو مع كل بر وفاجر" يعني مع كل إمام لما روى أبو داود بإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا" 3؛ ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وإظهار كلمة الكفر وفيه أعظم الفساد.
مسألة: "ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو" لقول الله سبحانه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} ؛ ولأن الأقرب أكثر ضررا وفي مقاتلته دفع ضرره عن المقاتل وعمن وراءه, والاشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه.
مسألة: "وتمام الرباط أربعون يوما", والرباط الإقامة بالثغر مقويا المسلمين على الكفار, والثغر: كل مكان يخيف أهله العدو ويخافونه, وروى أبو داود بإسناده عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل" 4, وعن فضالة ابن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتان القبر". رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح5, وعن سلمان قال:
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه ابن ماجه في الجهاد: حديث رقم 2778.
3 - رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2533.
4 - رواه أبو داود و البخاري في الجهاد: ب 73. ومسلم في الإمارة: حديث رقم 163.
5 رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2500. والترمذي في فضائل الجهاد: حديث رقم 1621. وقال: حديث حسن صحيح.

أجري له أجره إلى يوم القيامة ووقي الفتا, ولا يجاهد من أحد أبويه حي مسلم إلا بإذنه إلا أن يتعين عليه, ولا يدخل من النساء دار الحرب إلا امرأة طاعنة في السن.
ـــــــ
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه فإن مات أجرى عليه عمله الذي كان يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان", أخرجه مسلم1. وإذا ثبت هذا فإن تمام الرباط أربعون يوما كذلك. قال ابن عمر وأبو هريرة وروى أبو الشيخ بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تمام الرباط أربعون يوما", وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي هريرة قال: رباط يوم في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين مسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن رابط أربعين يوما فقد استكمل الرباط, وروى نافع عن ابن عمر أنه قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الرباط فقال له: كم رابطت؟ قال: ثلاثين يوما, قال: عزمت عليك إلا رجعت حتى تتمها أربعين يوما, ولو رابط أكثر من ذلك أو أقل فله ثواب ما عمل.
مسألة: "ولا يجاهد من أحد أبويه حي مسلم إلا بإذنه" لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أجاهد؟ فقال: "ألك أبوان"؟ قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد", وروى الترمذي عن ابن عباس مثله وقال: حديث حسن صحيح, وفي رواية جئت لأبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال: "ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما", وعن أبي سعيد أن رجلا هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل لك باليمن أحد؟", قال: نعم أبواي. قال: "أذنا لك"؟ قال: لا. قال: "ارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما", رواه أبو داود؛ ولأن بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية وفرض العين مقدم على فرض الكفاية فإن كان أبواه غير مسلمين فلا إذن لهما؛ لأن كثيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجاهدون وآباؤهم مشركون لا يستأذنونهم, منهم أبو بكر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان يوم بدر مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبوه رئيس المشركين قتل ببدر, وأبو عبيدة قتل أباه في الجهاد فأنزل الله سبحانه: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. الآية.
مسألة: "إلا أن يتعين عليه" الجهاد فلا إذن لهما لأنه صار فرض عين وتركه معصية ولا طاعة لأحد في معصية الله, وكذلك كل ما وجب في الحج والصلاة في الجماعة والسفر للعلم الواجب؛ ولأنه عبادة تعينت عليه فلا يعتبر إذن الأبوين فيها كالصلاة.
مسألة: "ولا يدخل من النساء أرض الحرب إلا امرأة طاعنة في السن لسقي الماء
ـــــــ
1 - رواه مسلم في الإمارة: حديث رقم 163.

لسقي الماء ومعالجة الجرحى, ولا يستعان بمشرك إلا عند الحاجة إليه, ولا يجوز الجهاد إلا بإذن الأمير إلا أن يفجأهم عدو يخافون كلبه, أو تعرض فرصة يخافون
ـــــــ
ومعالجة الجرحى" ويكره دخول النساء الشواب أرض العدو لأنهن لسن من أهل القتال لاستيلاء الخور والجبن عليهن ولا يؤمن ظفر العدو بهن فيستحل منهن ما حرم الله, فأما المرأة الطاعنة في السن إذا كان فيها نفع مثل سقي الماء وعلاج الجرحى فلا بأس به فقد قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى1. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وقالت الربيع: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لسقي الماء ومعالجة الجرحى, ويجوز للأمير أن يستصحب معه المرأة الواحدة عنده للحاجة فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج معه بالمرأة الواحدة من نسائه ولا يرخص لسائر الرعية لئلا يفضي إلى ما ذكرنا من الضرر.
مسألة: "ولا يستعان بمشرك إلا عند الحاجة" إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنا لا نستعين بمشرك"؛ ولأنه لا يؤمن أن يدخل على المسلمين ضررا فأشبه المرجف والمخذل, وقد روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن حبيب قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزوا أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم. قال: "وأسلمتما"؟ قلنا: لا. قال: "إنا لا نستعين بالمشرك على المشركين". قال: فأسلمنا وشهدنا معه, وروت عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر فأدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جرأة ونجدة فسر المسلمون به, فقال: يا رسول الله جئت لأتبعك وأصيب معك. قال: "أتؤمن بالله ورسوله"؟ قال: لا. قال: "فأرجع فلن أستعين بمشرك على مشرك", رواه الجوزجاني وفيه قالت: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتؤمن بالله ورسوله"؟ قال: نعم. قال: "فانطلق".
مسألة: "إلا عند الحاجة إليه" وعن أحمد ما يدل على ذلك فقد خرج صفوان بن أمية مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين وهو مشرك وأسهم له, وروى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه وأسهم لهم, رواه سعيد في سننه, هذا إذا غزا مع الإمام بإذنه وهي إحدى الروايتين, وعنه لا يسهم له ولكن يرضخ له لأنه ليس من أهل الجهاد أشبه العبد.
مسألة: "ولا يجوز الجهاد إلا بإذن الأمير" لأنه أعرف بمصالح الحرب والطرقات
ـــــــ
1 - رواه الترمذي في السير: حديث رقم 1557. وقال: حسن صحيح.

فوتها وإذا دخلوا دار الحرب لم يجز لأحد أن يخرج من العسكر لعلف أو احتطاب أو غيره إلا بإذن الأمير.
ومن أخذ من دار الحرب ما له قيمة لم يجز له أن يختص به إلا الطعام والعلف
ـــــــ
ومكامن العدو وكثرتهم وقلتهم فينبغي أنه يرجع إلى رأيه "إلا أن يفاجئهم عدو غالب يخافون كلبه أو تعرض فرصة يخافون فوتها" فمتى جاء العدو بلدا وجب على أهله النفير إليهم ولم يجز لأحد التخلف عنهم إلا من يحتاج إلى إقامته لحفظ المكان والأهل والمال ومن يمنعه الأمير من الخروج لقوله سبحانه: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} 1, وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا استنفرتم فانفروا" 2. وقد ذم الله سبحانه الذين أرادوا الرجوع إلى منازلهم يوم الأحزاب فقال: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً}, ولا يخرجون إلا بإذن الأمير إذا أمكن ذلك, وكذلك إن عرض لهم فرصة يخافون فوتها جاز لهم انتهازها ويستأذنونه إذا أمكن.
مسألة: "وإذا دخلوا أرض الحرب لم يجز لأحد أن يخرج من العسكر لعلف أو احتطاب أو غيبره إلا بإذن الأمير" لقول الله سبحانه: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} 3؛ ولأنه أعرف بحال الناس والمواضع ومكامن العدو وحاله وقربه وبعده فإذا استؤذن فالظاهر أنه لا يأذن لهم في الخروج إلا إذا علم خلو المكان من المخافة, وإن خرجوا من غير إذنه لم يأمنوا أن يكون في الموضع الذي يذهبون إليه عدو فيظفر بهم وربما ارتحل الأمير بالناس وبقي الخارج فيضيع.
مسألة: "ومن أخذ من دار الحرب ما له قيمة لم يجز أن يختص به" والمسلمون شركاؤه فيه؛ لأنه مال ذو قيمة مأخوذ من أرض الحرب بظهر المسلمين فكان غنيمة كغير المباح "إلا الطعام والعلف فله إن يأخذ منه ما يحتاج إليه"؛ لما روى عبد الله بن أبي أوفى قال: أصبنا طعاما يوم حنين فكان الرجل يجيء فيأخذ مقدار ما يكفيه ثم ينصرف, رواه أبو داود4. وروى سعيد أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر: إنا فتحنا أرضا كثيرة الطعام والعلف وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك فكتب إليه: دع الناس يعلفون ويأكلون ومن باع منهم شيئا بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين؛ ولأن الحاجة تدعو إلى هذا وفي المنع منه ضرر بالجيش وبوابهم ويعسر عليهم نقل العلوفة والطعام من دار
ـــــــ
1 - سورة التوبة: الآية 41.
2 - رواه البخاري في الجهاد: حديث رقم 2783.
3 - سورة النور: الآية 62.
4 - رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2704.

فله أن يأخذ منه ما يحتاج إليه فإن باعه رد ثمنه في المغنم وإن فضل معه منه بعد رجوعه إلى بلده لزمه رده إلا أن يكون يسيرا فله أكله وهديته.
ويجوز تبييت الكفار ورميهم بالمنجنيق وقتالهم قبل دعائهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غازون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم، ولا يقتل منهم صبي ولا مجنون ولا امرأة ولا راهب ولا شيخ فان ولا
ـــــــ
الإسلام ولا يمكن قسمة ما يأخذه الواحد منهم ولو قسم لم يحصل الواحد منهم على شيء ينتفع به فأبيح لهم ذلك فمن أخذ ما يقتات به أو يعلف دوابه فهو أحق بت.
مسألة: "فإن باعه رد ثمنه في المغنم" كغير الطعام.
مسألة: "فإن فضل منه" ما لا حاجة به إليه "رده" على المسلمين لأنه إنما أبيح له منه ما يحتاج إليه لا غير وأما الشيء اليسير فيجوز "أكله وهديته"؛ لأن ما كان مباحا في دار الحرب فإذا أخرجه كان أحق به كالذي لا قيمة له في دار الحرب, وعنه يجب رده لأنه أبيح فيدار الحرب للحاجة وقد زالت الحاجة فتزول الإباحة ولهذا لا يجوز له ابتداء الأخذ في دار الإسلام.
مسألة: "ويجوز تبيين الكفار" وهو كبسهم ليلا "ورميهم بالمنجنيق وقتالهم قبل دعائهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم", وقال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف, وعن عمرو بن العاص أنه نصب المنجنيق على أهل الاسكندرية.
مسألة: "ولا يقتل منهم صبي ولا مجنون ولا امرأة ولا راهب ولا شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا من لا رأي لهم إلا أن يقاتلوا", وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان, متفق عليه1. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "انطلقوا بسم الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا امرأة". رواه أبو داود2, وروى سعيد أن أبا بكر أوصى يزيد حين وجهه إلى الشام فقال: لا تقتلوا صبيا ولا امرأة ولا هرما, وأن عمر أوصى سلمة بن قيس فقال: لا تقتلوا امرأة ولا صبيا ولا شيخا هرما ولا يقتل المجنون بالقياس على الطفل؛ ولأنه لا نكاية له أشبه الصبي, وفي حديث أبي بكر أنه قال: وستمرون على قوم في صوامع لهم احتبسوا أنفسهم فيها فدعهم حتى يميتهم الله على ضلالتهم؛ ولأنه لا نكاية لهم فلم يجز قتلهم كالنساء والزمن والأعمى يقاس على الشيخ بما بيناه من عدم النكاية في الحرب إلا أن
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الجهاد: حديث رقم 3015. ومسلم في الجهاد: حديث رقم 25.
2 - رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2672.

زمن ولا أعمى ولا من لا رأي لهم إلا أن يقاتلوا ويخير الإمام في أسارى الرجال بين القتل والاسترقاق والفداء والمن ولا يختار إلا الأصلح للمسلمين, وإن استرقهم أو فاداهم بمال فهو غنيمة ولا يفرق في السبي بين ذوي رحم محرم إلا أن
ـــــــ
يكون لهم رأي في الحرب فيقتلون لأن ذلك نكاية كالقتال.
مسألة: "ويخير الإمام في أسارى الرجال بين القتل والاسترقاق والفداء والمن ولا يختار إلا الأصلح للمسلمين" أما جواز تخير القتل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجال قريظة وهم ما بين الستمائة والسبعمائة, وقتل يوم بدر عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارت صبرا؛ ولأن العدو قد يكون منهم من له قوة ونكاية في المسلمين فيكون قتله أصلح للمسلمين. وأما جواز المن والفداء فلقوله سبحانه: {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد من على ثمامة بن أثال وعلى أبي غيرة الشاعر وأبي العاص بن الربيع, وقال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له", ودليل الفداء أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى أسارى بدر وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا ففادى كل رجل بأربع مائة وفادى يوم بدر رجلا برجلين وصاحب العضباء برجلين, وهذه قصص اشتهرت وعلمت وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم كل واحدة منها مرة أو مرارا وهو دليل الجواز؛ ولأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون هي الأصلح وفي بعض الأسارى فإن منهم من تكون له قوة ونكاية فقتله أصلح, ومنهم الضعيف الذي له مال كثير ففداؤه أصلح ومنهم حسن الرأي في الإسلام فإطلاقه ربما كان سببا لإسلامه, فالمن عليه أصلح, ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح, والإمام أعلم بالمصلحة فينبغي أن يفوض إليه ذلك, ويجوز استرقاق أهل الكتاب والمجوس, وأما غيرهم فلا, وعن أحمد يجوز استرقاقهم لأنه كافر فجاز استرقاقه كالكتابي, إذا ثبت هذا فإن التخيير المشروع تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة, فإذا رأى أن مصلحة المسلمين في قتله بأن يكون ذا شوكة وبأس يخاف الضرر بتركه لم يجز إلا قتله, وما رأى فيه مصلحة من سائر الخصال تحتم ولم يجز له غيره ومتى تردد في هذه الأمور فالقتل أولى. قال مجاهد في أميرين أحدهما يقتل الأسارى: الذي يقتل أفضل. قال إسحاق: الإثخان أحب إلي إلا أن يكون معروفا يطمع فيه الكثير.
مسألة: "وإن استرقهم أو فاداهم بمال فهو غنيمة" لا نعلم في هذا خلافا, فإن النبي صلى الله عليه وسلم قسم فداء أسرى بدر بين الغانمين؛ ولأنه مال غنمه المسلمون فأشبه الخيل والسلاح, وإذا استرقهم كانوا غنيمة للمسلمين لأنهم الذين أسروهم وقهروهم ومن كان بدله غنيمة كان أصله غنيمة قياسا للأصل على البدل.
مسألة: "ولا يفرق في السبي بين ذوي رحم" محرم "إلا أن يكونوا بالغين" أجمعوا على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز, وروى أبو أيوب قال: سمعت رسول الله

يكونوا بالغين, ومن اشترى منهم على أنه ذو رحم فبان بخلافه رد الفضل الذي فيه بالتفريق ومن أعطى شيئا يستعين به في غزوه فإذا رجع فله ما فضل إلا أن يكون
ـــــــ
صلى الله عليه وسلم يقول: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب1؛ ولأن في ذلك إضرارا بها وتحسرا عليه, وظاهر كلام الخرقي أنه يحرم التفريق وإن كان الولد كبيرا وبالغا وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله, والرواية الثانية: نقلها عنه يجوز التفريق بينهما بعد البلوغ لما روى عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يفرق بين الأم وولدها", فقيل: إلى متى؟ قال: "حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية". وعن سلمة بن الأكوع أنه أتى أبا بكر رضي الله عنه بامرأة وبنتها فنفله أبو بكر ابنتها ثم استوهبها منه النبي صلى الله عليه وسلم فوهبها إياه, ولما أهدي النبي صلى الله عليه وسلم مارية وأختها سيرين أمسك مارية لنفسه ووهب سيرين لحسان بن ثابت؛ ولأن الأحرار يتفرقون بعد البلوغ فإن المرأة تزوج ابنتها ويفرق بينهما فالعبيد أولى, وأما الأب فلا يجوز التفريق بينه وبين ولده لأنه أحد الأبوين أشبه الأم والجد في ذلك كالأب والجدة كالأم؛ لأن الجد أب والجدة أم يقومان مقام الأبوين في استحقاق الحضانة والميراث والنفقة فقاما مقامهما في تحريم التفريق يستوي في ذلك الجد والجدة من قبل الأب والأم؛ لأن الجميع ولادة ومحرمية فاستووا في ذلك كاستوائهم في منع شهادة بعضهم لبعض ولا يفرق بين الأخوين ولا الأختين؛ لما روي عن علي رضي الله عنه قال: وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين فبعت أحدهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فعل غلامك"؟ فأخبرته فقال: "رده, رده". رواه الترمذي, وقال: حديث حسن غريب2. وروى عبد الرحمن ابن فروخ عن أبيه قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تفرقوا بين الأخوين ولا بين الأم وولدها في البيع؛ ولأنه ذو رحم محرم من النسب فلم يجز التفريق بينهما كالوالد والولد.
مسألة: "ومن اشترى منهم على أنه ذو رحم فبان بخلافه رد الفضل الذي فيه بالتفريق"؛ لأنه إذا اشتراهم على أنهم ذوو رحم ثم بان أنهم ليس بينهم رحم فإن قيمتهم تزيد بذلك فإنه إذا اشترى امرأتين على أن إحداهما بنت الأخرى لم يتمكن من وطئهما جميعا ومتى وطئ إحداهما حرمت الأخرى على التأبيد, ولا يتمكن من بيعها فإذا بانت أجنبية حل وطئها وبيعها وهبتها فتزيد قيمتها بذلك فيجب عليه رد الفضل كما لو أخذ دراهم بحقه فبانت أكثر عددا مما حسبت عليه.
مسألة: "ومن أعطى شيئا يستعين به في غزاته فإذا رجع فله ما فضل إلا أن يكون لم يعط لغزاة بعينها فيرد الفضل في الغزو" ولأنه أعطى على سبيل المعاونة والنفقة لا على
ـــــــ
1 - رواه الترمذي في البيوع: حديث رقم 1283.
2 - رواه الترمذي في البيوع: حديث رقم 1284.

لم يعط لغزاة بعينها فيرد الفضل في الغزو إن حمل على فرس في سبيل الله فهي له إذا رجع إلا أن يجعل حبيسا وما أخذ من أموال المسلمين رد إليهم إذا علم صاحبه قبل القسمة وإن قسم قبل علمه فله أخذه بثمنه الذي حسب به على آخذه
ـــــــ
سبيل الإجارة فكان له الفاضل كما لو أوصى أن يحج عنه حجة بألف فإن الفضل له لأن أعطاه شيئا ينفقه في الغزو أو في سبيل الله ففضل منه فضل أنفقه في غزاة أخرى لأنه أعطاه الجميع في سبيل الله مطلقا فلزمه امتثال ما أمره به كما لو أوصى بألف يحج بها ففضل منها فضلة ردت في الحج.
مسألة: "وإن حمل على فرس في سبيل الله فهي له إذا رجع إلا أن يجعل حبيسا" قوله حمل على فرس يعني أعطيها ليغزو عليها فإذا غزا عليها ملكها كما يملك النفقة [المدفوعة إليه إلا أن تكون لصاحبه أو حبيسا فيبقى حبيسا] بحاله. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حملت على فرس عتيق في سبيل الله فباعه صاحبه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" . متفق عليه1. وهذا يدل على أنه ملكه ولولا ذلك ما باعه, ويدل على أنه ملكه بعد الغزو لأنه أقامه للبيع بالمدينة ولم يكن ليأخذه من عمر ثم يقيمه للبيع في الحال فدل على أنه أقامه للبيع بعد أن غزا عليه, وذكر أحمد مثل ذلك وسئل: متى يطيب له الفرس؟ قال: إذا غزا عليه فقيل له: فإن العدو جاوزنا فخرج على هذه الفرس في الطلب إلى خمسة فراسخ ثم رجع؟ قال: لا حتى يكون غزوا وهذا قول أكثرهم.
مسألة: "وما أخذ" من أهل الحرب "من أموال المسلمين رد إليهم إذا علم صاحبه قبل القسمة وإن قسم بعد علمه فله أخذه بثمنه الذي حسب به على أخذه" أما إذا علم صاحبه قبل القسمة رد إلى صاحبه بغير شيء في قول عامتهم؛ لما روى ابن عمر أن غلاما له أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر ولم يقسم, وعنه قال: ذهب له فرس فأخذها العدو فظهر عليهم المسلمون فرد إليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم, رواهما أبو داود2. وروى الأثرم عن رجاء بن حيوة أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب فيما أحرز المشركون من المسلمين ثم ظهر المسلمون عليهم بعد. قال: من وجد ماله بعينه فهو أحق به ما لم يقسم, وروى هذه الأحاديث كلها سعيد بن منصور. وأما ما أدركه المسلمون بعد أن قسم ففيه روايتان: إحداهما أن صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على من هو في
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - الأول: رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2698. والثاني: حديث رقم 2699.

وإن أخذه أحد الرعية بثمن فلصاحبه أخذه بثمنه وإن أخذه بغير شيء رده ومن اشترى أسيرا من العدو فعلى الأسير أداء ما اشتراه به
ـــــــ
يده وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه فهو أحق به بالثمن؛ لما روى ابن عباس أن رجلا وجد بعيرا كان المشركون أصابوه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أصبته قبل القسمة فهو لك وإن أصبته بعدما قسم أخذته بالقيمة" 1؛ ولأنه إنما امتنع أخذه له بغير شيء كي لا يفضي إلى حرمان آخذه من الغنيمة أو يضيع الثمن على المشتري وحق الغانم يتحيز بالثمن ويرجع صاحب المال في عين ماله بمنزلة مشتري الشقص المشفوع. والرواية الثانية عن أحمد إذا قسم فلا حق له فيه, وهو قول عمر وعلي رضي الله عنهما. وقال أحمد: أما قول من قال هو أحق به بالقيمة فهو قول ضيف عن مجاهد, ودليل هذه الرواية قول عمر وعلي وسلمان بن ربيعة وهي أقوال انتشرت كتب بها عمر إلى أبي عبيدة بالشام وإلى السائب بن الأقرع حين فتح ماه وجلولاء وانتشر ذلك ولم ينكر فصار إجماعا ولم يقل أحد بخلافه.
مسألة: "وإن أخذه" منهم "أحد الرعية بثمن فلصاحبه أخذه بثمنه" ووجه ذلك قول عمر؛ ولأنه حصل في يده بثمن فلم يجز أخذه منه بغير شيء كما لو اشتراه من المغنم.
مسألة: "وإن أخذه بغير شيء رده" لما روي أن قوما أغاروا على سرح النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا ناقته وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أياما ثم خرجت في بعض الليالي قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضتها على ناقة ذلول فامتطيتها, ثم توجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة فإذا هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها فقلت: يا رسول الله إني نذرت أن أنحرها فقال: "بئس ما جزيتها لا نذر في معصية", وفي رواية: "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم" 2.
مسألة: "ومن اشترى أسيرا من العدو فعلى الأسير أداء ما اشتراه به" لما روى سعيد بن منصور حدثنا عثمان ابن مطر حدثنا ابن جرير عن الشعبي قال: أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا من سبايا العرب فكتب السائب بن الأقرع إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم قد اشتراه التجار من أهل ماه فكتب عمر: أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره, وإن أصابه في أيدي التجار بعدما قسم فلا سبيل له إليه, وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى, فحكم للتجار برؤوس أموالهم؛ ولأن الأسير يجب عليه فداء نفسه ليتخلص من حكم الكفار ويخرج من تحت أيديهم فإذا ناب عنه غيره في ذلك وجب عليه قضاوه كما لو قضى الحاكم عنه ما امتنع من أدائه.
ـــــــ
1 سبق تخريجه.
2 - سبق تخريجه.

باب الأنفال
وهي الزيادة على السهم المستحق وهي ثلاثة أضرب:
أحدها: سلب المقتول غير مخموس لقاتله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلا فله سلبه", وهو ما عليه من لباس وحلي وسلاح وفرسه بآلتها
ـــــــ
باب الأنفال"وهي الزيادة على السهم المستحق وهي على ثلاثة أضرب: أحدها سلب المقتول غير مخموس لقاتله" وذلك أن القاتل يستحق سلب المقتول في الجملة لا نعلم فيه خلافا والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل كافرا فله سلبه". رواه أنس وسمرة بن جندب1, وروى أبو قتادة قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حنين فلما التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة فأدركه الموت, ثم إن الناس رجعوا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه". قال: فقمت إليه فقلت: من يشهد لي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لك يا أبا قتادة"؟ فقصصت عليه القصة فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله فأرضه منه, فقال أبو بكر الصديق: لا ها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله فيقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق فأسلمه إليه فأعطانيه". متفق عليه2. وروى أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: "من قتل كافرا فله سلبه", فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم, رواه أبو داود3.
مسألة: "و" السلب "ما عليه من لباس وحلي وسلاح وفرسه بآلتها" وذلك لأن المفهوم من السلب اللباس وكذلك السلاح؛ ولأنه يستعين به في حربه وقتاله فهو أولى بالأخذ من اللباس, وكذلك الدابة لأنه يستعين بها فهي كالسلاح وأبلغ منه, ولذلك استحق بها زيادة السهمان فأما الدراهم فليست من السلب لأنها ليست من الملبوس ولا مما يستعان بها في الحرب, وكذلك رحله وأثاثه وما ليست يده عليه, وعن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى أن الدابة أيضا ليست من السلب وهو اختيار الخلال وصاحبه أبي بكر. قال الخلال: إنما السلب ما كان على بدنه والدابة ليست كذلك, وذكر أبو عبد الله حديث عمرو بن معدي كرب فأخذ سواريه ومنطقته, ودليل الأولى ما روى عوف ابن مالك قال: خرجت مع
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه البخاري في الخمس: حديث رقم 3142. ومسلم في الجهاد: حديث رقم 42.
3 - رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2718.

وإنما يستحقه من قتله حال قيام الحرب غير مثخن ولا ممنوع من القتال.
الثاني: أن ينفل الأمير من أغنى عن المسلمين غناء من غير شرط كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع يوم ذي قرد سهم فارس وراجل ونفله أبو بكر رضي الله
ـــــــ
زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من أهل اليمن فلقينا جموع الروم فيهم رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل الرومي يغري بالمسلمين, وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه وخر فعلاه فقتله, وحاز فرسه وسلاحه, فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب. قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: "بلى". رواه الأثرم. فإذا ثبت هذا فالدابة وما عليها من سرجها ولجامها وجميع آلتها من السلب إذا كان راكبا عليها وإذا ثبت هذا وأنه القاتل فهو غير مخموس؛ لما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب, رواه أبو داود1, وعموم الأخبار التي ذكرناها وحديث عمر: "لا يخمس السلب" حجة في ذلك.
مسألة: "وإنما يستحق" ذلك "من قتله حال قيام الحرب غير مثخن ولا ممنوع من القتال", وقال أصحابنا: يشترط لذلك أربعة شروط: الأول أن يقتله حال قيام الحرب فإن قتله بعد انقضائها فلا سلب له فإن العلماء أجمعوا على أن من قتل أسيرا أو امرأة أو شيخا فإنه لا يستحق سلبه. الشرط الثاني: أن لا يكون مثخنا فإن كان مثخنا بالجراح لم يستحقه بدليل حديث ابن مسعود أنه وقف على أبي جهل وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح؛ لأنه أثبته. الشرط الثالث: أن يكون مقبلا على القتال فإن كان منهزما لم يستحق سلبه؛ لأنه كفى شره بالهزيمة إلا أن يكون متحيزا إلى فئة. الشرط الرابع: أن يغرر بنفسه في قتله. مثل أن يبارزه أي يحمل عليه, فأما إن رماه بسهم من صف المسلمين فلا سلب له, وقالت طائفة من أصحاب الحديث: السلب للقاتل على كل حال لعموم الأخبار.
الضرب "الثاني: أن ينفل الأمير من أغنى عن المسلمين غناء من غير شرط كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع يوم ذي قرد سهم فارس وراجل ونفله أبو بكر رضي الله عنه ليلة جاءه بتسعة أهل أبيات امرأة منهم". قال سلمة: أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعتهم فذكر تمام الحديث, وفي آخره: فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل, رواه أبو داود2, وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر فبيتنا عدونا فقتلت ليلتئذ تسعة أبيات وأخذت منهم امرأة فنفلنيها أبو بكر وذكر الحديث.
ـــــــ
1 - المصدر عاليه: حديث رقم 2721.
2 - رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2752.

عنه ليلة جاءه بأهل تسعة أبيات امرأة منهم.
الثالث: ما يستحق بالشرط وهو نوعان: أحدها: أن يقول الأمير من دخل النقب أو صد السور فله كذا ومن جاء بعشر من البقر أو غيرها فله واحد منها فيستحق ما جعل له. الثاني: أن يبعث الأمير في البداءة سرية ويجعل لها الربع وفي الرجعة أخرى ويجعل لها الثلث فما جاءت به أخرج خمسه ثم أعطى السرية ما جعل لها وقسم الباقي في الجيش والسرية معا.
فصل
ويرضخ لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد والكفار فيعطيهم على
ـــــــ
"الثالث: ما يستحق بالشرط وهو نوعان: أحدهما أن يقول الأمير: من دخل النقب أو صعد السور فله كذا ومن جاء بعشر من البقر فله واحدة منها فيستحق ما جعل له" في قول أكثرهم ونص عليه أحمد في مواضع ولم يجز هذا مالك وأصحابه, وقالوا: لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة, ولنا ما روى حبيب بن مسلمة الفهري قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة, وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع بعد الخمس [و الثلث بعد الخمس] إذا قفل, رواهما أبو داود1. وروى الترمذي بإسناده عن عبادة بن الصامت: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع وفي القفول الثلث, وقال: حديث حسن غريب2, وقال ابن المنذر: بلغنا عن عمر بن الخطاب أن جرير بن عبد الله لما قدم عليه في قومه وهو يريد الشام قال له عمر: هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وشيء, ورواه الأثرم بإسناده وإذا ثبت هذا فظاهر كلام أحمد رحمه الله أنهم إنما استحقوا هذا النفل بالشرط السابق فإن لم يكن شرطه لهم فلا نفل له, أليس قد نفل النبي صلى الله عليه وسلم في البدأة الربع وفي الرجوع الثلث؟ قال: نعم ذلك إذا قفل وتقدم القول فيه؛ ولأن في ذلك مصلحة وتحريضا على القتال فجاز كاستحقاق الغنيمة وزيادة السهم للفارس واستحقاق السلب, وما ذكره يبطل هذه المسائل. "الثاني: أن يبعث الأمير في البداءة سرية ويجعل لها الربع وفي الرجوع أخرى ويجعل لها الثلث فما جاءت به أخرج خمسة ثم أعطى السرية ما جعل لها وقسم الباقي في الجيش والسريه معا" ودليل ذلك ما سبق من حديث حبيب بن مسلمة وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما.
"فصل: ويرضخ لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد والكفار فيعطيهم على قدر غنائهم" ومعناه أن يعطوا من الغنيمة دون السهم ولا تقدير لذلك بل يرجع إلى اجتهاد
ـــــــ
1 - رواهما أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2750, 2749.
2 - رواه الترمذي في السير: حديث رقم 1561.

قدر غنائهم ولا يبلغ بالراجل منهم سهم راجل ولا بالفارس سهم فارس وإن غزا العبد على فرس لسيده فسهم الفرس لسيده ويرضخ للعبد.
ـــــــ
الإمام فيعطي كلا على قدر غنائه ونفعه للمسلمين وهو قول أكثرهم؛ لما روى ابن عباس أنه قال: كان رسول الله يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما سهم فلا يضرب لهن, رواه مسلم1, وفي رواية سعيد بن منصور أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن المرأة والمملوك يحضران الفتح ألهما من المغنم شئ؟ قال: يحذيان وليس لهما شيء وفي لفظ ليس لهما سهم, وقد يرضخ لهما وعن عمير مولى أبي اللحم قال: شهدت خيبر مع ساداتي فكلموا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر أني مملوك فأمر لي بشيء من خرثي المتاع. رواه أبو داود2, واحتج به أحمد ولأنهما ليسا من أهل القتال فلا يسهم لهما كالصبي وأما الصبيان فيرضخ لهم ولا يسهم لهم وقيل ليس لهم شيء وقال مالك: يسهم له إذا قاتل وأطاق القتال.
وقال الأوزاعي: أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبيان بخيبر وأسهم المسلمين كل مولود ولد في أرض الحرب, ولنا ما روى سعيد بن المسيب قال: كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الأمة؛ ولأنهم ليسوا من أهل القتال فلم يسهم لهم كالعبيد والنساء ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم لصبي وما ذكروه فيحتمل أن الراوي سمى الرضخ سهما. فأما الكفار فاختلفت الرواية عن أحمد فيهم إذا غزوا معنا فروي عنه لا يسهم لهم؛ لأنهم من غير أهل الجهاد فأشبهوا العبيد ولكن يرضخ لهم كسائر من ليس له سهم, وعنه يسهم لهم إذا غزوا مع الإمام بإذنه كما يسهم للمسلم لما روى الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم, رواه سعيد في سننه وروي أن صفوان بن أمية خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين وهو على شركه فأسهم له وأعطاه من سهم المؤلفة قلوبهم؛ ولأن الكفر نقص في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق وبهذا فارق الرقيق فإن نقصه في دنياه وأحكامه.
مسألة: "ولا يبلغ بالراجل منه سهم راجل ولا بالفارس سهم فارس" لما سبق من الأحاديث والآثار.
مسألة: "وإن غزا العبد على فرس لسيده" قسم لسيده "سهم الفرس ورضخ للعبد" أما الرضخ للعبد فلما سبق وأما الفرس التي تحته فيستحق مالكها سهمها فإن كان معه فرسان أو أكثر أسهم لفرسين ويرضخ للعبد نص عليه أحمد رحمه الله. وقال الشافعي: لا يسهم للفرس لأنه تحت من لا يسهم له أشبه ما إذا كان تحت مخذل ولنا أنه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فاستحق السهم كما لو كان السيد راكبه إذا ثبت هذا فإن سهم الفرس ورضخ العبد جميعا لسيده؛ لأنه مالكه ومالك الفرس وسواء حضر السيد القتال أو غاب عنه.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2730.
باب الغنائم و قسمتها...
باب الغنائم وقسمتها
وهي نوعان: أحدهما: الأرض فيخير الإمام بين قسمتها ووقفها للمسلمين ويضرب عليها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي في يده كل عام أجرا لها وما وقفه الأئمة من ذلك لم يجز تغييره ولا بيعه.
الثاني: سائر الأموال فهي لمن شهد الوقعة ممن يمكنه القتال ويستعد له من
ـــــــ
باب الغنائم وقسمتها
"وهي نوعان: أحدهما الأرض فيخير الإمام بين قسمتها" على الغانمين وبين "وقفها" على "المسلمين ويضرب عليها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي في يده كل عام أجرا لها" وهي الأرض التي فتحت عنوة وهي ما أجلى عنها أهلها بالسيف فحكمها أن الإمام مخير بين قسمتها بين الغانمين وبين وقفها على جميع المسلمين؛ لأن كلا الأمرين قد ثبت فيه حجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم نصف خيبر ووقف نصفها لنوائبه ووقف مكة ولم يقسمها, ووقف عمر أرض الشام وأرض العراق ومصر ووافق على ذلك علماء الصحابة وأشاروا عليه بذلك, وعنه تصير وقفا بنفس الاستيلاء عليها لاتفاق الصحابة على ذلك, وعنه أن قسمتها متعينة ولا يجوز وقفها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وفعله أولى من فعل غيره وهو قول مالك لقوله سبحانه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}, يفهم منها أن أربعة أخماسها للغانمين والرواية الأولى أولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين جميعا في خيبر؛ ولأن عمر قال: لولا آخر الناس لقسمت الأرض كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر. فقد وقفها مع علمه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم, دل على أن فعله لذلك لم يكن متعينا كيف والنبي صلى الله عليه وسلم قد وقف نصف خيبر, ولو كانت للغانمين لم يكن له وقفها, وإذا ثبت هذا فإنه إن وقفها فعليها الخراج يضرب عليها أجرة لها في كل عام على من هي في يده وإن قسمها بين الغانمين فلا خراج فيها وليس له أن يفعل شيئا من ذلك إلا إذا رآه مصلحة للمسلمين كما كان مخيرا في الأسارى لم يكن تخيير شهوة, وإنما هو تخيير لما فيه المصلحة للمسلمين.
مسألة: "وما وقفه الأئمة من ذلك لم يجز تغييره ولا بيعه" وكذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من وقف وقسمة فليس لأحد نقضه ولا تغييره, وإنما الروايات فيما يستأنف فتحه وما قسم بين الغانمين فلا خراج عليه [وما وقفه الأئمة و النبي صلى الله عليه و سلم فضرب عليه خراج لا يجوز تغييره] ولا بيعه لأن الوقف لا يجوز بيعه.
النوع "الثاني" من الغنائم: "سائر الأموال فهي لمن شهد الوقعة ممن يمكنه القتال

التجار وغيرهم سواء قاتل أو لم يقاتل على الصفة التي شهد الوقعة فيها من كونه فارسا أو راجلا أو عبدا أو مسلما أو كافرا ولا يعتبر ما قبل ذلك ولا ما بعده, ولا حق فيها لعاجز عن القتال بمرض أو غيره ولا لمن جاء بعد ما تنقضي الحرب من
ـــــــ
ويستعد له من التجار وغيرهم سواء قاتل أو لم يقاتل على الصفة التي شهد الوقعة فيها من كونه فارسا أو راجلا أو عبدا أو مسلما أو كافرا ولا يعتبر ما قبل ذلك ولا بعده". قال أحمد: إني أرى أن كل من شهد على أي حال كان يعطى إن كان فارسا ففارس وإن كان راجلا فراجل لأن أحمد رضي الله عنه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة. وقال أبو حنيفة: الاعتبار بدخول دار الحرب فإن دخل فارسا فله سهم فارس وإن نفق فرسه قبل القتال وإن دخل راجلا فله سهم راجل وإن استفاد فرسا فقاتل عليه, ولنا أن الفرس حيوان يسهم له فيعتبر وجوده حالة القتال فيسهم له مع الوجود فيه ولا يسهم له مع العدم كالآدمي, والأصل في هذا أن حاله عند استحقاق السهم حال مقتضى الحرب بدليل قول عمر: الغنيمة لمن شهد الوقعة؛ ولأنها الحالة التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب الملك بخلاف ما قبل ذلك فإن الأموال في أيدي أصحابها ولا يدري هل يظفر بهم أو لا؛ ولأنه لو مات بعض المسلمين قبل الاستيلاء لم يستحق شيئا ولو وجد مدد في تلك الحال أو أسير فهرب أو كافر فأسلم فقاتل استحق السهم فدل على أن الاعتبار بحالة الإحراز فوجب اعتباره دون غيره.
مسألة: "ولا حق فيها لعاجز عن القتال بمرض أو غيره" وذلك أنه إذا مرض في دار الحرب فلا يخلو إما أن يكون مرضا يسيرا لا يخرجه عن كونه من أهل القتال كالصداع والحمى لم يسقط سهمه وإن خرج عن كونه من أهل القتال كالزمن والأشل سقط سهمه؛ لأنه ليس من أهل القتال والجهاد أشبه العبد.
مسألة: "ولا لمن جاء بعد تقضي الحرب من مدد أو غيره" لقول عمر رضي الله عنه: الغنيمة لمن شهد الوقعة فإذا جاء بعدها فلم يشهدها فلا سهم له؛ ولأنه قد جاء وقد ملكت وصارت للغانمين الذين حضروها فلم يبق له فيها نصيب, وروى أبو هريرة أن أبان بن سعيد وأصحابه قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجلس يا أبان". ولم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم". رواه أبو داود1. وروى سعيد عن طارق بن شهاب: إن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة فكتب في ذلك إلى عمر رضي الله عنه فكتب عمر: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة, وروي نحو ذلك عن عثمان رضي الله عنه في غزوة أرمينية ولأنه مدد لحق بعد أن تقضى
ـــــــ
1 رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2723.

مدد أو غيره, ومن بعث الأمير لمصلحة الجيش أسهم له ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت وتشاركه فيما غنم ويبدأ بإخراج مؤنة الغنيمة لحفظها ونقلها وسائر حاجتها, ثم يدفع الأسلاب إلى أهلها والأجعال لأصحابها ثم يخمس باقيها فيقسمه خمسة أسهم: سهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم يصرف في السلاح والكراع والمصالح وسهم
ـــــــ
الحرب أشبه ما لو جاء بعد القسمة أو بعد إحرازها إلى دار الإسلام.
مسألة: "ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش أسهم له" وهذا مثل الرسول والدليل والطليعة والجاسوس يبعثون لمصلحة الجيش فهم شركاء الجيش فيما غنم وقد تخلف عثمان رضي الله عنه يوم بدر فأجرى له رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه من الغنيمة, وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم الحديبية فقال: "إن عثمان انطلق في حاجة لله وحاجة لرسوله وإني أبايع له" فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم ولم يضرب لأحد غاب غيره؛ ولأنه في مصلحتهم فاستحق سهما كالسرية, "ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت وتشاركه فيما غنم" في قول عامتهم, وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا هوازن بعث سرية من الجيش قبل أوطاس فغنمت السرية فأشرك بينها وبين الجيش. قال ابن المنذر: وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وترد سراياهم على قعدهم", وفي تنفيل النبي صلى الله عليه وسلم في البداءة. الربع: وفي الرجعة الثلث دليل على اشتراكهم فيما سوى ذلك؛ ولأنهم جيش واحد وكل منهم رده لصاحبه فيشتركون كما لو غنم أحد جانبي الجيش.
مسألة: "ويبدأ بإخراج مؤنة الغنيمة لحفظها ونقلها وسائر حاجتها"؛ لأن أجرتهم منها والفاضل للغانمين كما يبدأ بأجرة العامل على الزكاة "ثم يدفع الأسلاب إلى أهلها"؛ لأن صاحبها معين "والأجعال لأصحابها" كذلك "ثم يخمس باقيها فيقسم" خمسها "خمسة أسهم" يعني أنه يجعل الغنيمة كلها خمسة أسهم يأخذ منها سهما يقسمه خمسة أسهم وذلك لقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} 1, فسهم الله ورسوله واحد؛ لأن الدنيا والآخرة لله سبحانه, وقد روي عن ابن عمر وابن عباس قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الخمس على خمسة: فـ "سهم لله ورسوله يصرف في السلاح الكراع" وهي الخيل والسلاح ومصالح المسلمين من سد الثغور ونحوه والخمس الثاني لذي "القربى وهم" أقارب النبي صلى الله عليه وسلم من بني "هاشم" وبني "المطلب" ابني عبد مناف دون غيرهم؛ لما روى جبير بن مطعم قال: "لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى من خيبر بين بني هاشم وبني المطلب أتيت أنا وعثمان بن عفان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به
ـــــــ
1 - سورة الأنفال: الآية 41.

لذوي القربى وهم: بنو هاشم وبنو المطلب غنيهم وفقيرهم للذكر مثل حظ الأنثيين, وسهم لليتامى الفقراء وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل, ثم يخرج باقي الأنفال والرضخ, ثم يقسم ما بقي للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم سهم له ولفرسه
ـــــــ
منهم فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وهم منك بمنزله واحدة, فقال: "إنهم لم يفارقوني -وفي رواية: لم يفارقونا - في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" وشبك بين أصابعه. رواه الإمام أحمد والبخاري, فرعى لهم النبي صلى الله عليه وسلم نصرتهم وموافقتهم بني هاشم في الجاهلية, ويشترك الذكر والأنثى فيه لدخولهم في اسم القرابة, وعن أحمد يسوى بين الذكر والأنثى فيه لدخولهم في اسم القرابة, وعن أحمد يسوى بين الذكر والأنثى لأنهم أعطوا بسهم القرابة والذكر والأنثى فيها سواء فأشبه ما لو أوصى بثلثه لقرابة فلان؛ ولأنه سهم من الخمس فيسوى فيه بين الذكر والأنثى كسائر سهامه, وعنه "للذكر مثل حظ الأنثيين" لأنه سهم استحق بقرابة الأب شرعا ففضل فيه الذكر على الأنثى كالميراث ويدخل في ذلك الغني والفقير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى قرابته الأغنياء كالعباس وغيره ولم يخص الفقراء لأنهما يدخلان في اسم القرابة فلا يختص أحدهما دون الآخر. والخمس الثالث في "اليتامى" وهم الذين لا آباء لهم ولم يبلغوا الحلم. قال أصحابنا: ولا يستحقون إلا مع الفقر, وقال بعضهم هو للغني والفقير لأنه يستحق باسم اليتم وهو شامل لهما وقياسا له على سهم ذي القربى, ووجه الأول أنه لو كان له أب ذو مال لم يستحق شيئا فإذا كان المال له كان الأولى أن لا يستحق شيئا؛ لأن وجود المال له أنفع من وجود الأب ولأنهم صرف إليهم لحاجتهم لأن اسم اليتم يطلق عليهم في العرف للرحمة ومن كان إعطاؤه لذلك اعتبرت الحاجة فيه بخلاف ذوي القربى فإنهم استحقوا لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم تكرمة لهم, والغني والفقير في القرب سواء فاستووا في الاستحقاق. والخمس الرابع في "المساكين" ويدخل فيهم الفقراء فهم صنفان في الزكاة وواحد ها هنا وفي سائر الأحكام. والخمس الخامس في بني "السبيل" وهم المسافرون المنقطع بهم يعطى كل واحد منهم بقدر حاجته وما يوصله إلى بلده لأن الدفع إليه لأجل الحاجة فأعطى بقدرها.
مسألة: "ثم يخرج باقي الأنفال والرضخ" ثم يقسم ما بقي بين الغانمين. قال أحمد: النفل من أربعة أخماس الغنيمة وهو قول أنس بن مالك رضي الله عنه لقوله سبحانه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}, وروى معن بن يزيد السلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا نفل إلا بعد الخمس". رواه أبو داود من حديث حبيب بن مسلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم1. فإنما نفلهم بعد الخمس وفي الرضخ وجهان: أحدهما: أنه من أربعة أخماس الغنيمة لأنه استحق بحضور الوقعة أشبه سهام الغانمين, والثاني: أنه من أصل الغنيمة لأنه
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2748.

سهمان لما روى ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما, وإن كان الفرس غير عربي فله سهم ولصاحبه سهم إن كان مع الرجل فرسان أسهم لهما ولا يسهم لأكثر من فرسين
ـــــــ
استحق لأجل المعاونة في تحصيل الغنيمة فأشبه أجرة النقالين.
مسألة: و "ما بقي" من أربعة أخماس الغنيمة يصير للغانمين للرجل سهم "وللفارس ثلاثة أسهم", وأجمعوا على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين؛لقوله سبحانه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}, فيفهم من ذلك أن الباقي للغانمين لأنه أضافها إليهم ثم أخذ منها سهما لغيرهم فبقي سائرها لهم كقوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ}, وقال عمر: الغنيمة لمن شهد الوقعة, واتفقوا كلهم على أن للراجل سهما وللفارس ثلاثة أسهم "سهم له و لفرسه سهمان" إلا أبا حنيفة قال: للفارس سهمان وقد ثبت عن "ابن عمر أن" النبي "صلى الله عليه وسلم" أسهم للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه. متفق عليه1.
مسألة: "وإن كان الفرس غير عربي فله سهم ولصاحبه سهم" وغير العربي هو البرذون وهو الهجين أيضا وقد حكي عن أحمد أنه قال: الهجين البرذون واختلفت الرواية عن أحمد في سهمه فقال الخلال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله في سهام البرذون أنه سهم واحد واختاره أبو بكر, وعنه أسهم للبرذون مثل سهم العربي سهمين واختاره الخلال لأن الله سبحانه قال: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} 2, وهذا من الخيل ولأنه حيوان ذو سهم فاستوى فيه العربي وغيره كالآدمي, وحكى القاضي رواية أخرى عنه أنه لا يسهم له وحكى أبو بكر رواية رابعة أن البراذين إذا أدركت أسهم لها مثل الفرس لأنها عملت عمل العراب فأعطيت سهمها, ودليل الأولى ما روى سعيد عن أبي الأقمر قال: أغارت الخيل على الشام فأدركت العراب من يومها وأدركت الكوادن ضحى الغد وعلى الخيل رجل من همدان. يقال له المنذر بن أبي حمضة فقال: لا أجعل التي أدركت من يومها مثل التي لم تدرك, فقال عمر هبلت الوادعي أمه أمضوها على ما قال. وروى الجوزجاني عن أبي موسى أنه كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنا وجدنا في العراق خيلا عراضا دكا فما ترى يا أمير المؤمنين في سهامها؟ فكتب: تلك البراذين فما قارب العتاق منها فاجعل له سهما واحدا وألغ ما سوى ذلك, وروي بإسناده عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهما.
مسألة: "وإن كان مع الرجل فرسان أسهم لهما ولا يسهم لأكثر من فرسين" لما
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الجهاد: حديث رقم 2863. ومسلم في الجهاد: حديث رقم 57.
2 - سورة النحل: الآية 8.

ولا يسهم لدابة غير الخيل.
فصل
وما تركه الكفار فزعا وهربوا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب أو أخذ منهم
ـــــــ
روى الأوزاعي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسهم للخيل وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس, وعن أزهر بن عبد الله أن عمر كتب إلى أبي عبيدة أن أسهم للفرس سهمين وللفرسين أربعة ولصاحبها سهم فذلك خمسة أسهم وما كان فوق الفرسين فهي جنائب, رواهما سعيد في سننه؛ ولأن به إلى الثاني حاجة فإن إدامة ركوب واحد يضعفه ويمنعه القتال عليه فيسهم له كالأول بخلاف الثالث.
مسألة: "ولا يسهم لدابة غير الخيل" كالجمل والبغل والحمار, وعنه إذا غزا على بعير وهو لا يقدر على غيره أسهم له ولبعيره سهمان, وعنه يسهم للبعير سهم ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره ولقوله سبحانه: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ} 1, والركاب الإبل؛ ولأنه حيوان يجوز المسابقة عليه فيسهم له كالفرس واختار أبو الخطاب أنه لا يسهم له وهو قول أكثرهم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسهم لغير الخيل وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرا ولم تخل غزاة من غزواته صلى الله عليه وسلم من الأبعرة بل كانت غالب دوابهم فلم ينقل أنه أسهم لها, ولو أسهم لها لنقل ذلك؛ ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر فلم يسهم له كالبغل. فأما ما عدا هذا من البغال والحمير والفيلة فلا يسهم له بغير خلاف, وإن عظم غناؤها وقامت مقام الخيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسهم لها.
مسألة: "وما تركه الكفار فزعا وهربوا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب أو أخذ منهم بغير قتال فهو فيء يصرف في مصالح المسلمين" والفيء هو الراجع للمسلمين من مال الكفار يقال فاء الفيء إذا رجع نحو المشرق والإيجاف أصله التحريك والمراد ها هنا الحركة في السير. قال قتادة: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ} ما قطعتم واديا ولا سرتم إليها إنما كانت حوائط بني النضير أطعمها الله رسوله صلى الله عليه وسلم فيصرف ذلك في مصالح المسلمين, وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} حتى بلغ {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}, ثم قال: هذه لهؤلاء, ثم قرأ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} حتى بلغ {وَابْنَ السَّبِيلِ}, ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} حتى بلغ {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ}, ثم قال: هذه استوعبت المسلمين عامة, ولئن عشت ليأتين الراعي وهو يسير
ـــــــ
1 - سورة الحشر: الآية 6.

بغير قتال فهو فيء يصرف في مصالح المسلمين, ومن وجد كافرا ضالا عن الطريق أو غيره في دار الإسلام فأخذه فهو له, وإن دخل قوم لا منعة لهم أرض الحرب متلصصين بغير إذن الإمام فما أخذوه فهو لهم بعد الخمس
ـــــــ
نصيبه فيها ولم يعرق فيها جبينه. واختلفت الرواية عن أحمد في الفيء هل يخمس أو لا؟ فروي عنه أنه يخمس اختارها الخرقي, وعنه لا يخمس وهو قول عامتهم؛ لأن الله سبحانه قال: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} إلى قوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} 1, فجعله كله لهم ولم يذكر خمسا ولما قرأها عمر قال: هذه استوعبت المسلمين ووجه الأولى قوله سبحانه: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}, وظاهر هذا أن جميعه لهؤلاء الأصناف وهم أهل الخمس, وجاءت الأخبار عن عمر وغيره دالة على اشتراك جميع المسلمين فيه فوجب الجمع بينهما كيلا تتناقض الآية والأخبار وتتعارض, وفي إيجاب الخمس فيه جمع بينهما وتوفيق فإن خمسه لمن سمي في الآية وسائره مصروف إلى من في الحرب كالغنيمة ولأنه مال مشترك مظهور عليه فوجب أن يخمس كالغنيمة والركاز.
مسألة: "ومن وجد كافرا ضالا عن الطريق أو غيره في دار الإسلام فأخذه فهو له" في إحدى الروايتين لأنه وجده في دار الإسلام فأشبه المباحات والصيد واللقطة والأخرى يكون فيئا؛ لأنه لم يوجف عليه وهو من مال الكفار فأشبه ما لو أخذ من دراهم.
مسألة: "وإن دخل قوم لا منعة لهم أرض الحرب متلصصين بغير إذن الإمام فما أخذوه فهو لهم بعد الخمس" وفي هذه المسألة ثلاث روايات: إحداهن أن غنيمتهم كغنيمة غيرهم يخمسها الإمام ويقسم الباقي بينهم وهو قول أكثرهم لقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} 2, وبالقياس على ما إذا دخلوا بإذن الإمام والثانية هو لهم من غير أن يخمس وهو قول أبي حنيفة لأنه اكتساب مباح من غير جهاد أشبه الاحتطاب فإن الجهاد إنما يكون بإذن الإمام أو من طائفة لهم منعة, فأما هذا فتلصص وسرقة ومجرد اكتساب. والثالثة: أنه فيء لا حق لهم فيه لأنهم عصاة بفعلهم فلم يكن لهم فيه حق والأولى أولى. قال الأوزاعي: لما نقل عمر بن عبد العزيز الجيش الذي كانوا مع مسلمة كسر مركب بعضهم فأخذ المشركون ناسا من القبط فكانوا خداما لهم فخرجوا يوما إلى عيد لهم وخلفوا القبط في مركبهم وشرب الآخرون فرفع القبط القلع وفي المركب متاع الآخرين وسلاحهم فلم يضعوا قلعهم حتى أتوا بيروت فكتب في ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فكتب عمر: نفلوهم القلع وكل شيء جاءوا به إلا الخمس, رواه سعيد والأثرم وكذا إن كانت الطائفة ذات منعة في إحدى الروايتين وفي الأخرى لا شيء لهم.
ـــــــ
1 - سورة الحشر: الآية 7.
2 - سورة الأنفال: الآية 41.

باب الأمان
ومن قال لحربي: قد أجرتك أو أمنتك أو لا بأس عليك ونحو هذا فقد أمنه ويصح الأمان من كل مسلم عاقل مختار حرا كان أو عبدا رجلا كان أو امرأة لقول
ـــــــ
باب الأمان"ومن قال لحربي: قد أجرتك أو أمنتك أو لا بأس عليك ونحو هذا فقد أمنه" وذلك أن من أعطى الأمان حرم قتله وماله والتعرض له فأما صفة الأمان فالذي ورد به الشرع لفظتان: أمنتك وأجرتك, لقوله سبحانه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} 1, وقال عليه السلام لأم هانئ: "قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت" 2. وقال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن", وفي معنى ذلك لا تخف ولا بأس عليك, فقد روي أن عمر رضي الله عنه قال للهرمزان: لا بأس عليك تكلم فلما تكلم أمر عمر بقتله, فقال أنس: ليس لك إلى ذلك سبيل قد أمنته فدرأ عنه القتل, رواه سعيد وغيره, وقال عمر: إذا قلتم لا بأس أو لا تذهل أو مترس فقد أمنتموهم فإن الله يعلم الألسنة, وفي رواية: إذا قال الرجل للرجل لا تخف أو مترس فقد أمنه, وهذا كله لا نعلم فيه خلافا. فأما إن قال له قف أو ألق سلاحك, فقال أصحابنا: هو أمان؛ لأن الكافر يعتقده أمانا فكان أمانا كقوله أمنتك, ويحتمل أنه ليس بأمان لأن لفظه لا يشعر به وهو يستعمل للإرهاب والتخويف فأشبه ما لو قال لأقتلنك.
مسألة: "ويصح الأمان من كل مسلم" بالغ "عاقل مختار" ذكرا كان أو أنثى "حرا كان أو عبدا", وهو قول أكثرهم وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له؛ لأنه لا يجب عليه الجهاد فلا يصح أمانه كالصبي؛ ولأنه مجلوب من دار الحرب فلا يؤمن أن ينظر لهم في تقديم مصلحتهم, ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا" 3. رواه البخاري. وقال عمر: العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم. رواه سعيد؛ ولأنه مسلم مكلف أشبه الحر وأما التهمة فتبطل بما لو أذن له في القتال فإنه يصح أمانه, وأما المرأة فيجوز أمانها في قولهم جميعا وأما الصبي المميز ففيه روايتان قال أبو بكر: يصح أمانه رواية واحدة لأنه
ـــــــ
1 - سورة التوبة: الآية 6.
2 - سبق تخريجه.
3 - سبق تخريجه.

رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم", ويصح أمان آحاد الرعية للجماعة اليسيرة, وأمان الأمير للبلد الذي أقيم بإزائه, وأمان الإمام لجميع الكفار ومن دخل دارهم بأمانهم فقد أمنهم من نفسه وإن خلوا أسيرا منا بشرط أن يبعث إليهم مالا معلوما لزمه الوفاء لهم فإن شرطوا عليه أن يعود إليهم إن
ـــــــ
مسلم مميز فأشبه البالغ وحمل رواية المنع على من لم يعقل وفارق المجنون فإنه لا تمييز له.
مسألة: "ويصح أمان آحاد الرعية للجماعة اليسيرة" كالواحد والعشرة والقافلة والحصن الصغير؛ لما روى فضيل بن يزيد الرقاشي قال: جهز عمر بن الخطاب جيشا فكنت فيهم فحضرنا موضعا فرأينا أنا سنفتحها اليوم فجعلنا نقبل ونروح فبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا فكتب بذلك إلى عمر فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم, رواه سعيد, فإذا صح من العبد فالحر أولى ولا يصح [أمان الواحد] لأهل بلدة ورستاق وجمع كثير لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتئات على الإمام, "و" يصح "أمان الأمير للبلد الذي أقيم بإزائه"؛ لأنه نائب الإمام فيه "و" يصح "أمان الإمام لجميع الكفار" لأنه متولي ذلك يفعل ما يرى فيه المصلحة.
مسألة: "ومن دخل دارهم بأمانهم فقد أمنهم من نفسه" لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطا بأمنه إياهم من نفسه وترك خيانتهم وإن لم يكن ذلك مذكورا فهو معلوم في المعنى ولا يصلح في ديننا الغدر, وقد قال عليه السلام: "المؤمنون عند شروطهم" 1.
مسألة: "وإن خلوا أسيرا منا بشرط أن يبعث إليهم مالا معلوما لزمه الوفاء لهم"؛ به لأن الله سبحانه قال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} 2؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل الحديبية على رد من جاءه فوفى لهم وقال: "إنا لا يصلح في ديننا الغدر". ولأن في الوفاء مصلحة للأسارى وفي منعه مفسدة في حقهم لأنهم لا يأمنون بعده أسيرا والحاجة داعية إلى ذلك فلزم الوفاء به كما يلزم الوفاء بعقد الهدنة.
مسألة: "فإن شرطوا عليه أن يعود إليهم إن عجز عنه لزمه" العود في إحدى الروايتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد أهل الحديبية على رد من جاء مسلما فرد أبا جندل وأبا بصير وقال: "إنا لا يصلح في ديننا الغدر", والرواية الأخرى: لا يرجع لأن الرجوع إليهم معصية فلم يلزم بالشرط كما لو كان امرأة وكما لو شرط شرب الخمر أو قتل مسلم
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - سورة النحل: الآية 91.

عجز لزمه الوفاء لهم إلا أن تكون امرأة فلا ترجع إليهم.
فصل
وتجوز مهادنة الكفار إذا رأى الإمام المصلحة فيها, ولا يجوز عقدها إلا من
ـــــــ
مسألة: "إلا أن تكون امرأة فلا ترجع إليهم" لأن في رجوعها إليهم تسليطا لهم على وطئها حراما وقد منع الله ورسوله رد النساء إلى كفار قريش بعد صلحه على ردهن في قصة الحديبية وهي مشهورة, رواه أبو داود وغيره, وفيها: فجاء نسوة مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن بقوله: {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} 1.
فصل
مسألة: "وتجوز مهادنة الكفار إذا رأى الإمام المصلحة فيها" ومعناها أن يعقد لأهل الحرب عقدا على ترك القتال مدة بعوض وغير عوض ويسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة, وذلك جائز لقول الله سبحانه: {بََرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 2, وقال: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} 3, وروى مروان ومسور بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح سهيل بن عمرو بالحديبية على وضع القتال عشر سنين ولا يجوز إلا النظر للمسلمين إما أن يكون بالمسلمين ضعف عن قتالهم وإما أن يطمع في إسلامهم بهدنتهم أو في أدائهم الجزية والتزامهم أحكام الملة ولا تتقدر بمدة بل هي على ما يرى الإمام من المصلحة في قلتها وكثرتها. قال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين وهي اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي؛ لأن قوله سبحانه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 4, عام خص منه مدة العشر بصلح النبي صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية على عشر ففي ما زاد عليها يبقى على مقتضى العموم, ووجه الأول أنه عقد يجوز في العشر فجاز فيما زاد كمدة الإجازة والعام مخصوص في العشر لمعنى هو موجود فيما زاد عليها وهو أن المصلحة قد تكون في الصلح أكثر منها في الحرب, فإن قلنا بجوازه في الزيادة لم يجز مطلقا من غير تقدير لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية, وإن قلنا يتقدر بالعشر فعقد على أكثر من ذلك فسد في الزيادة وكان في العشر على وجهين مبنيين على تفريق الصفقة.
مسألة: "ولا يجوز عقدها إلا من الإمام أو نائبه" لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة على ما قدمنا؛ ولأن عقد الهدنة يكون مع جملة من الكفار وليس لأحد من المسلمين إعطاء الأمان لأكثر من القافلة لأن في تجويز ذلك افتئاتا على الإمام أو نائبه في
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2765.
2 - سورة التوبة: الآية 1.
3 - سورة الأنفال: الآية 61.
4 - سورة التوبة: الآية 5.

الإمام أو نائبه وعليه حمايتهم من المسلمين دون أهل الحرب, وإن خاف نقض العهد منهم نبذ إليهم عهدهم وإن سباهم كفار آخرون لم يجز لنا شراؤهم, وتجب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه في دار الحرب وتستحب لمن قدر على
ـــــــ
تلك الناحية وتعطيل الجهاد بالكلية فإن هادنهم غير الإمام أو نائبه لم يصح فإن دخل بعض الكفار الذين هادنهم دار الإسلام كان آمنا؛ لأنه دخل معتقدا أنه دخل بأمان ويرد إلى دار الحرب ولا يقر في دار الإسلام لأن الأمان لم يصح.
مسألة: "وعليه حمايتهم من المسلمين دون أهل الحرب"؛ لأنه أمنهم ممن هو في قبضته وتحت يده ومن أتلف من المسلمين أو أهل الذمة عليهم شيئا أو قتل منهم أحدا فعليه ضمانه ولا يلزم الإمام حمايتهم من أهل الحرب ولا حماية بعضهم من بعض لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط.
مسألة: "وإن خاف نقض العهد منهم" جاز أن ينبذ "إليهم عهدهم" لقوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} , يعني أعلمهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم, ولا يكفي أن يقع في قلبه خوف منهم حتى يكون ذلك عن أمارة تدل على ما خافه.
مسألة: "وإن سباهم كفار آخرون لم يجز لنا شراؤهم"؛ لأنهم في عهد منه فلا يجوز أن يملك ما سبي منهم كأهل الذمة ويحتمل أن يجوز ذلك لأنه لا يجب عليه أن يدفعه عنهم فلا يلزمه رد ما استنقذه منهم كما لو أعان أهل الحرب على أهل الحرب.
مسألة: "وتجب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه في دار الحرب وتستحب لمن قدر على ذلك". قال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} 1؛ ولأن حكم الهجرة باق إلى يوم القيامة لا تنقطع, وقال عليه السلام: "لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد", رواه سعيد وغيره, وعن معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها", أخرجه أبو داود2. فأما قوله عليه السلام: "لا هجرة بعد الفتح" 3, رواه سعيد فمعناه لا هجرة من مكة بعد فتحها, ولا هجرة من بلد بعد فتحه؛ لأن الهجرة الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام وبعد الفتح صار البلد المفتوح دار إسلام فلا هجرة منه إذا, ألا ترى أن النبي
ـــــــ
1 - سورة النساء: الآية 97.
2 - رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2479.
3سبق تخريجه.

ذلك, ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار إلا من بلد بعد فتحه.
ـــــــ
صلى الله عليه وسلم قال ذلك لمن أراد الهجرة من مكة بعد فتحها فإن صفوان بن أمية قيل له بعد الفتح: إنه لا دين لمن لم يهاجر فأتى المدينة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما جاء بك أبا وهب"؟ قال: قيل إنه لا دين لمن لم يهاجر, قال: "ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة أقروا على مساكنكم فقد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية". يعني من مكة, إذا ثبت هذا فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب: أحدها من تجب عليه وهو من لا يمكنه إظهار دينه ولا عذر له من مرض ولا عجز عن الهجرة فهذا تجب عليه للآية: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ}, ولأن القيام بواجب الدين واجب ولا يتمكن منه إلا بالهجرة وما لا يتمكن من الواجب إلا به فهو واجب لكونه من ضرورة الواجب. الثاني: من تستحب له الهجرة وهو من يتمكن من إظهار دينه في دار الحرب والقيام بواجبه إما لقوة عشيرته أو غير ذلك فهذا لا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه وتستحب له؛ لأن في إقامته عندهم تكثيرا لعددهم واختلاطا بهم ورؤية المنكر بينهم. الثالث: من تسقط عنه الهجرة وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف فهذا لا تجب عليه ولا يوصف باستحباب لقوله سبحانه: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} 1.
مسألة: "ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار إلا من بلد بعد فتحه" لما سبق.
ـــــــ
1 - سورة النساء: الآية 98.

باب الجزية
ولا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب وهم اليهود ومن دان بالتوراة والنصارى
ـــــــ
باب الجزية"ولا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب وهم اليهود ومن دان بالتوراة والنصارى ومن دان بالإنجيل والمجوس إذا التزموا أداء الجزية وأحكام الملة", والأصل في الجزية الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله سبحانه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلى قوله {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}, وأما السنة فروى المغيرة أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند: أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية, أخرجه البخاري1. وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة واشتقاقها من جزى يجزي إذا قضى تقول العرب: جزيت ديني إذا قضيته وقال الله
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الجزية: حديث رقم 3159.

ومن دان بالإنجيل والمجوس إذا التزموا أداء الجزية وأحكام الملة, ومتى طلبوا ذلك لزم إجابتهم وحرم قتالهم
ـــــــ
سبحانه: {وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} 1, أي لا تقضي والذين تقبل منهم الجزية صنفان: أهل الكتاب ومن له شبهة كتاب فأهل الكتاب اليهود والنصارى ومن دان بدينهم كالسامرة يدينون بالتوراة, وإنما خالفوا اليهود في فروع دينهم وفرق النصارى من اليعقوبية والنسطورية والملكية والإفرنج والروم والأرمن وغيرهم, ممن دان بالإنجيل وانتسب إلى عيسى فجميعهم من أهل الإنجيل وإن اختلفت فروعهم والصابئون. قال أحمد: هم جنس من النصارى, وقال: بلغني أنهم يسبتون فهم من اليهود, وروي عن عمر أنهم يسبتون وقال مجاهد: هم بين اليهود والنصارى وأما من لهم شبهة كتاب كالمجوس. قال الشافعي: كان لهم كتاب فرفع وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر منهم الجزية وروى البخاري بإسناده عن بجالة قال: ولم يكن عمر أخذ الجزية من مجوس حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر2, إذا ثبت هذا فإن أهل العلم من الحجاز والعراق والشام ومصر وغيرهم أجمعوا على أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس مع ما فيه من الآثار الصحيحة وعمل بها الخلفاء الراشدون ثم جرت به السنة إلى يومنا هذا.
مسألة: وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا مقيمين على ما عاهدوا عليه من بذل الجزية والتزام أحكام الملة فإن نقضوا العهد بمخالفة شيء من ذلك صاروا حربا لزوال عهدهم ولم تؤخذ منهم جزية بعد ذلك ولا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين: أحدهما أن تجعل عليهم جزية في كل حول, والثاني: أن يلتزموا أحكام الإسلام لقوله سبحانه: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} 3, وإنما يحصل الصغار بذلك.
مسألة: "ومتى طلبوا ذلك لزم إجابتهم وحرم قتالهم" لقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} إلى قوله {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}, فجعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم فمتى بذلوها لم يجز قتالهم وقوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ}, يعني: حتى يلتزموا إعطاءها فلا يعتبر حقيقة الإعطاء كقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ} 4, معناه التزموا ذلك بالإجماع كذا ها هنا.
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 48.
2 - رواه البخاري في الجزية: حديث رقم 3156, 3157.
3 - سورة التوبة: الآية 29.
4 - سورة التوبة: الآية 5.

وتؤخذ الجزية في رأس كل حول من الموسر ثمانية وأربعون درهما ومن المتوسط أربعة وعشرون درهما ومن دونه اثنا عشر درهما, ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا عبد ولا فقير عاجز عنها,
ـــــــ
مسألة: "وتؤخذ الجزية في رأس كل حول" لأنه مال يتكرر بتكرر الحول فلا تجب إلا بأوله كالزكاة والدية.
مسألة: وتؤخذ "من الموسر ثمانية وأربعون درهما ومن المتوسط أربعة وعشرون درهما ومن دونه اثنا عشر درهما"؛ لأن عمر رضي الله عنه أخذها منهم كذلك, وقد روي عن أحمد أن الجزية مقدرة بمقدار لا يزيد ولا ينقص, وعنه أنها غير مقدرة منهم كذلك بل ذلك مردود إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان. قال الخلال: العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة فإنه لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص. رواه عنه أصحابه في عشرة مواضع فاستقر قوله على ذلك ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: "خذ من كل حالم دينارا ولم يفصل", رواه أبو داود1, وصالح أهل نجران على ألفي حلة: النصف في صفر والنصف في رجب, رواه أبو داود2. وعمر جعل أهل الجزية ثلاث طبقات: الغني ثمانية وأربعون درهما والمتوسط أربعة وعشرون درهما والفقير اثنا عشر درهما؛ ولأنها عوض فلم تقدر كالأجرة, وعنه أن أقلها مقدر بدينار وأعلاها غير مقدر وهو اختيار أبي بكر فتجوز الزيادة ولا يجوز النقصان؛ لأن عمر زاد على ما فرض النبي صلى الله عليه وسلم على أهل اليمن ولم ينقص منه ووجه الرواية الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها مقدرة وعمر فرضها مقدرة وكان ذلك بمشهد من الصحابة فكان إجماعا.
مسألة: "ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا عبد ولا فقير عاجز عنها" لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن الجزية إنما تجب على الرجل العاقل ولا تجب على صبي ولا مجنون ولا امرأة. وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارا" 3, وكتب عمر إلى أمراء الأجناد أن أضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي, رواه سعيد؛ ولأن الجزية تؤخذ لحقن الدم وهؤلاء محقونون بدونها وكذلك الشيخ والزمن والأعمى لا جزية عليهم لذلك, ولا تجب على عبد لأن ما يجب على العبد إنما يؤديه سيده فيؤدي إلى إيجاب الجزية على المسلم وهذا مجمع عليه وكذلك إن كان السيد ذميا. قال ابن المنذر:
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الخراج والإمارة: حديث رقم 3038.
2 المصدر عاليه: حديث رقم 3041.
3 - سبق تخريجه.

ومن أسلم بعد وجوبها سقطت عنه وإن مات أخذت من تركته ومن اتجر منهم
ـــــــ
أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنه لا جزية على العبد, ووجهه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا جزية على العبد". وعن ابن عمر مثله؛ ولأنه مال فلم تجب عليه الجزية كسائر الحيوانات ولأنه محقون الدم فلا تجب عليه الجزية كالصبيان, وعنه تجب عليه الجزية يؤديها سيده لما روي أن عمر رضي الله عنه قال: لا تشتروا من رقيق أهل الذمة ولا مما في أيديهم؛ لأنهم أهل خراج يبيع بعضهم على بعض ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذ أنقذه الله منه, وروي نحوه عن علي قال أحمد: أراد عمر أن يوفر الجزية لأن المسلم إذا اشتراه سقط عنه إذا ما يؤخذ منه والذمي يؤدى عنه وعن مملوكه خراج جماجمهم ولأنه ذكر مكلف قوي مكتسب فوجبت عليه الجزية كالحر.
مسألة: "ولا" تجب على "فقير عاجز عنها" لقوله سبحانه: {لاََ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}, وهذا عاجز عنها ولأن عمر جعل الجزية على طبقات أدناها على الفقير المعتمل فدل على أن غير المعتمل لا شيء عليه ولأنه مال يجب بحلول الحول فلا يلزم الفقير كالزكاة والعقل.
مسألة: "ومن أسلم بعد وجوبها سقطت عنه" لقوله سبحانه: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} 1, وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس على المسلم جزية", رواه الخلال قال أحمد: وقد روي عن عمر أنه قال: إن أخذها في كفه ثم أسلم ردها عليه, وعنه عليه السلام: "لا ينبغي للمسلم أن يؤدي الجزية", وروي أن ذميا أسلم فطولب بالجزية وقيل إنما أسلمت تعوذا قال: إن في الإسلام معاذا فقال عمر: إن في الإسلام معاذا وكتب: لا تؤخذ منه الجزية, رواه أبو عبيد بنحو من هذا المعنى ولأن الجزية صغار فلا تؤخذ منه كما لو أسلم قبل الحلول ولأنها عقوبة بسبب الكفر فيسقطها الإسلام كالقتل وبهذا فارق سائر الديون.
مسألة: " وإن مات أخذت من تركته" يعني يموت على كفره فلا تسقط عنه في ظاهر كلام أحمد رحمه الله وحكى أبو الخطاب عن القاضي أنه قال: تسقط بالموت؛ لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود, ولنا أنها دين وجب عليه في حياته فلم يسقط بعد الموت كديون الآدميين والحد يسقط بفوات محله وتعذر استيفائه بخلاف الجزية.
مسألة: "ومن اتجر منهم إلى غير بلده ثم عاد أخذ منه نصف العشر" اشتهر هذا عن عمر رضي الله عنه وصحت الرواية عنه بت, وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما العشور على اليهود
ـــــــ
1 - سورة الأنفال: الآية 38.

إلى غير بلده ثم عاد أخذ منه نصف العشر, وإن دخل إلينا تاجر حربي أخذ منه العشر ومن نقض العهد بامتناعه من التزام الجزية وأحكام الملة أو قتال المسلمين
ـــــــ
والنصارى وليس على المسلمين عشور". رواه أبو داود1. وروى الإمام أحمد عن أنس بن سيرين قال: بعثني أنس بن مالك إلى العشور فقلت: تبعثني إلى العشور من بين عمالك؟ فقال: أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر وهذا كان بالعراق, وروى أبو عبيد في الأموال أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهما درهما, وقال الشافعي: لا يؤخذ من أهل الذمة إلا الجزية وما ذكرناه حجة عليه, والله أعلم.
مسألة: "وإن دخل إلينا تاجر حربي أخذ منه العشر". قال أبو حنيفة: لا يؤخذ منهم شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئا فيؤخذ منهم مثله, ولنا أن عمر رضي الله عنه أخذ منهم العشر واشتهر ذلك بين الصحابة وعمل به الخلفاء بعده فكان إجماعا, ولا يعشر في السنة إلا مرة لأنه حق يؤخذ من التجارة فلا يؤخذ في السنة إلا مرة كالزكاة وأهل الذمة كذلك.
مسألة: "ومن نقض العهد بامتناعه من التزام الجزية وأحكام الملة أو قتال المسلمين ونحوه أو الهرب إلى دار الحرب حل دمه وماله"؛ لأن في كتاب عبد الرحمن ابن غنم الذي فيه شرائط أهل الذمة على أنفسهم: وإن نحن غيرنا وخالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الآمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق فزاد عليهم عمر: ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده فظاهره أنه متى نقض شيئا من ذلك انتقض عهده وحل دمه وماله وهو ظاهر كلام الخرقي؛ ولأنه عقد بشرط فمتى لم يوجد الشرط زال حكم العقد كما لو امتنع من التزام الأحكام فإنه إذا امتنع منها وقد حكم بها حاكم أو من ترك الجزية انتقض عهده من غير خلاف في المذهب وفي معناهما قتالهم للمسلمين منفردين أو مع أهل الحرب؛ لأن إطلاق الأمان لا يقتضي ذلك فإذا فعلوه نقضوا الأمان؛ لأنهم إذا قاتلوا لزمنا قتالهم وذلك ضد الأمان وبقية الشروط في بعضها روايتان وفي بعضها لا ينتقض عهدهم بمخالفتها بحال؛ لأنه لا ضرر فيها على مسلم ولا ينافي عقد الذمة سواء شرط عليهم أو لم يشرط, وقد روي أن عمر رضي الله عنه رفع إليه رجل قد أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا فقال: ما على هذا صالحناكم وأمر به فصلب في بيت المقدس؛ ولأن فيه ضررا على المسلمين فأشبه الامتناع من بذل الجزية, وقال أبو حنيفة: لا ينتقض
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الجزية: حديث رقم 3048.

ونحوه أو الهرب إلى دار الحرب حل دمه وماله, ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقضه إلا أن يذهب بهم إلى دار الحرب
ـــــــ
العهد إلا بالامتناع من الإمام على وجه يتعذر به أخذ الجزية منهم وما ذكرناه من حديث عمر حجة عليه.
مسألة: "ومن هرب منهم إلى دار الحرب حل دمه وماله"؛ قال الخرقي: ومن هرب من ذمتنا إلى دار الحرب ناقضا للعهد عاد حربيا؛ لأنه إذا فعل ذلك صار حكمه حكم أهل الحرب وحل دمه وماله كأهل الحرب, ومتى قدر عليه أبيح قتله وأسره وأخذ ماله كأهل الحرب سواء.
مسألة: "ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقضه إلا أن يذهب بهم إلى دار الحرب", وإنما لم ينتقض عهدهم لأن النقض إنما وجد منه ولم يوجد منهم فيبقون على العهد, ولا يحل سبيهم ولا التعرض لهم في المعنى فإن كانت ذريته معه لم تستبرئ لأن النقض إنما وجد منه دونهم.

كتاب القضاء
مدخل...
كتاب القضاءوهو فرض كفاية يلزم الإمام نصب من يكتفي به في القضاء ويجب على من يصلح له إذا طلب منه ولم يوجد غيره الإجابة إليه وإن وجد غيره فالأفضل تركه
ـــــــ
كتاب القضاء
مسألة: "وهو فرض كفاية يلزم الإمام نصب من يكتفي به في القضاء" ودليل أنه فرض كفاية أن أمر الناس لا يستقيم بدونه فكان واجبا عليهم كالجهاد والإمامة. قال أحمد: لا بد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس؟ وإنما ينصبه الإمام لأن أمره إليه وهو نائب عنه.
مسألة: "ويجب على من يصلح له إذا طلب منه ولم يوجد غيره الإجابة إليه" والناس في القضاء على ثلاثة أضرب: منهم من يجب عليه وهو من يصلح له ولا يوجد سواه فيتعين عليه؛ لأنه فرض كفاية لا يقدر على القيام به غيره فتعين عليه كغسل الميت وتكفينه وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه لا يتعين فإنه سئل: هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال: لا يأثم فيحتمل أن يحمل على ظاهره في أنه لا يجب عليه لما فيه من الخطر ويحتمل أن يحمل على ما إذا لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره فإن أحمد قال: لا بد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس؟ والأمر على ما قال. والضرب الثاني: من يجوز له ولا يجب عليه وهو أن يكون من أهل العدالة والاجتهاد ويوجد غيره مثله فله أن يلي القضاء ولا يجب عليه؛ لأنه لم يتعين له وظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب له الدخول فيه فيكون الأفضل له تركه لما فيه من الخطر والغرر؛ ولما في تركه من السلامة ولما ورد فيه من التشديد والذم ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي له وقد أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأباه. والضرب الثالث: من لا يجوز له الدخول فيه وهو من لا يحسنه ولم تجتمع فيه شروطه, وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار" فذكر إلى إن قال: "ورجل قضى بين الناس بجهل فهو في النار" 1.
ـــــــ
1 - رواه ابن ماجه في الأحكام: حديث رقم 2315.

ومن شرطه أن يكون رجلا حرا مسلما سميعا بصيرا متكلما عدلا عالما ولا يجوز له أن يقبل رشوة
ولا هدية ممن لم يكن يهديه إليه
ـــــــ
مسألة: "ومن شرطه أن يكون رجلا حرا مسلما سميعا بصيرا متكلما عدلا عالما" فهي ثمانية شروط: الأول: كونه رجلا فتجتمع الذكورية والبلوغ؛ لأن الصبي لا قول له والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي ليست أهلا لحضور الرجال ومحافل الخصوم.
الثاني: أن يكون حرا لأن ذلك من أوصاف الكمال ولأن العبد مختلف في قبول شهادته. الثالث: أن يكون مسلما لأن الكفر ينافي العدالة ولا خلاف في اعتبار الإسلام. الرابع: أن يكون سميعا يسمع الإقرار من المقر والإنكار من المنكر والشهادة من الشاهد. الخامس: أن يكون بصيرا ليعرف المدعي من المدعى عليه والمقر من المقر له والشاهد من المشهود عليه. السادس: أن يكون متكلما لينطق بالفصل بين الخصوم. السابع: أن يكون عدلا فلا يصح أن يكون فاسقا؛ لأنه لا يكون شاهدا فأولى ألا يكون قاضيا. الثامن: أن يكون عالما مجتهدا ليحكم بالعلم؛ لقوله سبحانه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} 1, ولم يقل بالتقليد وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 2, وروى بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القضاة ثلاثة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار ورجل جار في الحكم فهو في النار". رواه ابن ماجه3؛ ولأن الحكم آكد من الفتيا لأنه فتيا وإلزام ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا فالحاكم أولى.
مسألة: "ولا يجوز له أن يقبل رشوة ولا هدية" وذلك أن الرشوة في الحكم حرام بلا خلاف. قال الله سبحانه: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} 4, قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره: هو الرشوة, وقال مسروق: إذا قبل القاضي الهدية أكل السحت وإذا قبل الرشوة بلغت به الكفر. وقد روى عبد الله بن عمر قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي, قال الترمذي: حديث حسن صحيح5, ورواه أبو هريرة وزاد في الحكم, ورواه أبو بكر في زاد المسافر وزاد: "والرائش", والرائش: السفير بينهما؛ ولأن المرتشي إنما يرتشي ليحكم بغير الحق أو ليوقف الحق عنه وذلك من أعظم الظلم. قال كعب: الرشوة تسفه الحليم وتعمي عين الحكيم.
مسألة: "ولا" يقبل "هدية ممن لم يكن يهدي إليه" يعني قبل ولايته؛ ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها ليتوصل إلى ميل الحاكم معه على خصمه. فأما إن كانت بينهما مهاداة متقدمة جاز قبولها منه بعد الولاية لأنها لم تكن من
ـــــــ
1 - سورة المائدة: الآية 49.
2 - سورة النساء: الآية 59.
3 - سبق تخريجه.
4 - سورة المائدة: الآية 42.
5 - رواه الترمذي: في كتاب الأحكام: ب 9.

ولا الحكم قبل معرفة الحق فإن أشكل عليه شاور فيه أهل العلم والأمانة ولا يحكم وهو غضبان, ولا في حال يمنع استيفاء الرأي
ـــــــ
أجل الولاية, وذكر القاضي أنه يستحب له التنزه عنها أيضا إلا أن يخشى أن يقدمها بين يدي حكومة أو تكون في حال الحكومة فإنه يحرم أخذها في هذه الحال لأنها كالرشوة.
مسألة: "ولا" يجوز له "الحكم قبل معرفة الحق" لأن الله سبحانه قال: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} 1, ومن لم يعرف الحق كيف يحكم به؟
مسألة: "فإن أشكل عليه شاور فيه أهل العلم والأمانة" لقوله سبحانه: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} 2. قال الحسن: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لغنيا عن مشاورتهم وإنما أراد أن يستن بذلك الحاكم بعده, وقد شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسارى بدر وفي مصالحة الكفار يوم الخندق وفي لقاء الكفار يوم بدر, وروي: ما كان أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وشاور أبو بكر الناس في الجدة وشاور عمر في دية الجنين ولا مخالف في استحباب ذلك؛ ولأنه قد ينتبه بالمشاورة ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة, وقد ينتبه لإصابة الحق ومعرفة الحادثة من هو دون القاضي فكيف من يساويه, وقال أحمد: لما ولي سعد بن إبراهيم قضاء المدينة كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما, ولما ولي محارب ابن دثار قضاء الكوفة كان يجلس بين الحكم وحماد يشاورهما وما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه يشاورون وينتظرون.
مسألة: "ولا يحكم وهو غضبان" لا نعلم بين أهل العلم خلافا في ذلك, وكتب أبو بكرة إلى ابنه عبد الله بن أبي بكرة وهو قاض بسجستان أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان". متفق عليه3.
مسألة: "ولا" يحكم "في حال يمنع استيفاء الرأي" فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى: إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس, وفي معنى الغضب كل ما يشغل فكره: من الجوع المفرط والعطش الشديد والوجع المزعج ومدافعة الأخبثين وشدة النعاس والهم والغم والحزن والفرح فهذه كلها تمنع استيفاء الرأي الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب, فهي في معنى الغضب المنصوص عليه فتجري مجراه.
ـــــــ
1 - سورة ص: الآية 26.
2 - سورة آل عمران: الآية 159.
3 - رواه البخاري في الأحكام: حديث رقم 7158. ومسلم في الأقضية: حديث رقم 16.

ولا يتخذ في مجلس الحكم بوابا ويجب العدل بين الخصمين في الدخول عليه والمجلس والخطاب.
ـــــــ
مسألة: "ولا يتخذ في مجلس الحكم بوابا" لأنه ربما منع صاحب الحاجة من الدخول عليه.
مسألة: ويعدل "بين الخصمين في الدخول عليه والمجلس والخطاب" وروى عمر بن شيبة في كتاب القضايا بإسناده عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الأخر". وفي رواية: "فليسو بينهم في النظر والمجلس والإشارة", وفي كتاب عمر إلى أبي موسى: واس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا ييأس الضعيف من عدلك ولا يطمع الشريف في حيفك؛ ولأن الحاكم إذا ميز أحد الخصمين على الآخر حصر وانكسر وربما لم يقم حجته فأدى ذلك إلى ظلمه, إذا ثبت هذا فإنه يجلس الخصمين بين يديه؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم, رواه أبو داود1؛ ولأن ذلك أمكن للحاكم في الإقبال عليهما والنظر في خصومتهما.
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الأقضية: حديث رقم 3582.

باب صفة الحكم
إذا جلس إليه الخصمان فادعى أحدهما على الآخر لم تسمع الدعوى إلا محررة تحريرا يعلم به المدعى عليه فإن كان دينا ذكر قدره وجنسه, وإن كان عقارا ذكر موضعه وحده وإن كان عينا حاضرة عينها وإن كانت غائبة ذكر جنسها
ـــــــ
باب صفة الحكممسألة: "وإذا جلس إليه الخصمان فأدعى أحدهما على الآخر لم يسمع الدعوى إلا محررة تحريرا يعلم به المدعى عليه"؛ لأن الحاكم يسأل المدعى عليه عما ادعاه فإن اعترف به ألزمه ولا يمكنه أن يلزمه مجهولا, وإذا ثبت هذا "فإن كان" المدعى أثمانا فلا بد من "ذكر" الجنس والنوع فيقول عشرة دنانير مصرية, وإن كان عينا تنضبط بالصفة كالحبوب والثياب والحيوان فلا بد من ذكر الصفات التي تشترط في السلم, وإن كان المدعى تالفا مما له مثل ادعى المثل وضبط بصفته, وإن كان مما لا مثل له ادعى قيمته لأنها تجب بتلفه, "وإن كان" المدعى "عقارا ذكر موضعه وحده" وأنه في يده ظلما وأنا أطالبه برده علي "وإن كان المدعى عينا حاضرة عينها" بالإشارة إليها "وإن كانت غائبة ذكر" بيان "جنسها

وقيمتها ثم يقول لخصمه: ما تقول؟ فإن أقر حكم للمدعي وإن أنكر لم يخل من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون في يد أحدهما فيقول للمدعي: ألك بينة؟ فإن قال: نعم وأقامها حكم له بها وإن لم تكن له بينة قال: فلك يمينه فإن طلبها استحلفه وبرئ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه". وإن نكل عن اليمين وردها على المدعي استحلفه وحكم له
ـــــــ
وقيمتها" لما ذكرناه فإن لم يحسن المدعي تحرير الدعوى فهل للحاكم تلقينه تحريرها؟ يحتمل وجهين: أحدهما يجوز لأنه لا ضرر على خصمه في ذلك, والثاني: لا يجوز لأن فيه إعانة أحد الخصمين في حكومته.
مسألة: "ثم يقول لخصمه: ما تقول" فإنه يجوز للحاكم أن يسأل خصمه الجواب قبل أن يطلب منه المدعي ذلك؛ لأن شاهد الحال يدل عليه لأن إحضاره والدعوى إنما تراد ليسأل الحاكم المدعى عليه فقد أغنى ذلك عن سؤاله فعند ذلك يقول الحاكم للمدعى عليه: ما تقول فيما يدعيه؟ "فإن أقر حكم للمدعي" إن سأله المقر له وإن لم يسأله لم يحكم به لأن الحكم عليه حق له فلا يستوفيه إلا بمسألة مستحقة. فأما إذا سأله فقال: احكم لي فإنه يحكم له حينئذ, والحكم أن يقول: قد ألزمتك ذلك أو قضيت عليك له أو يقول: أخرج له منه فيكون ذلك حكما عليه.
مسألة: "وإن أنكر لم يخل من ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون في يد أحدهما" يعني العين المدعاة فيقول الحاكم "للمدعي: ألك بينة"؟ لما روي أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم حضرمي وكندي فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق, فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: "ألك بينة؟", قال: لا. قال: "فلك يمينه". وهو حديث صحيح. "وإن قال: نعم" لي بينة "وأقامها حكم له بها" بدليل الحديث؛ ولأن البينة كالإقرار إذا لو أقر حكم عليه. "وإن لم يكن له بينة قال" له: "فلك يمينه" كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي وليس للحاكم أن يستحلفه قبل مسألة المدعي لأن اليمين حق له فلم يجز استيفاؤها من غير مسألة مستحقها كنفس الحق. وإن طلب إحلافه "استحلفه وبريء لقول" النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه".
مسألة: "وإن نكل عن اليمين" قضى عليه بنكوله لما روي أن ابن عمر باع زيد بن ثابت عبدا فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالما بعيبه, فانكر ابن عمر فتحاكما إلى عثمان فقال له عثمان: احلف أنك ما علمت به عيبا فأبى أن يحلف فرد عليه العبد؛ ولأن النبي

وإن نكل أيضا صرفهما, وإن لكل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي فإن أقر صاحب اليد لغيره صار المقر له الخصم فيها وقام مقام صاحب اليد فيما ذكرنا
ـــــــ
صلى الله عليه وسلم قال: "اليمين على المدعى عليه" 1, فحصرها في جنبته فلم تشرع لغيره, وعند أبي الخطاب لا يحكم بالنكول ولكن ترد اليمين على المدعى, وقال: قد صوبه أحمد, وقال ما هو ببعيد يحلف ويأخذ فيقال للناكل لك رد اليمين على المدعي, فإن ردها "على المدعي استحلفه وحكم له" وهو قول أهل المدينة روي عن علي رضي الله عنه لما روى نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق, رواه الدارقطني.
مسألة: "وإن نكل أيضا صرفهما" لأن يمين كل واحد منهما بطلت بنكوله عنها فقد أبطلا حجتهما باختيارهما فإن عاد أحدهما فبذل اليمين لم يسمعها في ذلك المجلس؛ لأنه أسقط حقه منها فإن عاد في مجلس آخر فاستأنف الدعوى أعيد الحكم بينهما كالأول فإن بذل اليمين حكم بها لأنها يمين في دعوى أخرى.
مسألة: "وإن كان لكل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي" ببينته وتسمى بينة الخارج وبينة المدعى عليه تسمى بينة الداخل وقد اختلف عن أحمد فيما إذا تعارضا فعنه تقدم بينة المدعي ولا تسمع بينة المدعى عليه بحال, وعنه تقدم بينة المدعى عليه بكل حال لأن جنبة الداخل أقوى بدليل أن يمينه تقدم على يمين المدعي فإذا تعارضت البينتان وجب تقديمه كما لو لم يكن لهما بينة, وعنه إن شهدت بينة الداخل بسبب الملك فقالت: نتجت في ملكه أو كانت أقدم تاريخا قدمت بينته؛ لأنها إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده اليد, وقد روي عن جابر بن عبد الله: أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده, ووجه الأولى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي", فجعل جنس البينات في جنبة المدعي فلا يبقى في جنبه المنكر بينة؛ ولأن بينة المدعي أكثر فائدة بدليل أنها تثبت شيئا لم يكن, وبينة المدعى عليه إنما تثبت ظاهرا دلت اليد عليه فلم تكن مفيدة فوجب تقديم ما كان أكثر فائدة على غيره؛ ولأنه تجوز الشهادة بالملك لرؤية اليد والتصرف فجائز أن تكون مستند بينة اليد فصارت بمنزلة اليد المفردة فتقدم عليها بينة المدعي كما تقدم على اليد كما أن شاهدي الفرع لما كان مبنيين على شاهدي كذا ها هنا.
مسألة: "وإن أقر صاحب اليد لغيره صار المقر له الخصم فيها وقام مقام صاحب اليد في كل ما ذكرنا".
ـــــــ
1 - رواه البخاري في الرهن: حديث رقم 2514. ومسلم في الأقضية: حديث رقم 1, 2.

الثاني: أن تكون في يديهما فإن كانت لأحدهما بينة حكم له بها وإن لم يكن لواحد منهما بينة أو لهما بينتان قسمت بينهما وحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به وإن ادعاها أحدهما وادعى الآخر نصفها ولا بينة قسمت بينهما واليمين على مدعي النصف وإن كانت لهما بينتان حكم بها لمدعي الكل
ـــــــ
"الثاني: أن تكون" العين "في يديهما فإن كانت لأحدهما بينة حكم له بها"؛ لأنها كالإقرار لا نعلم في ذلك خلافا.
مسألة: "وإن لم يكن لواحد منهما بينة حلف كل واحد منهما" لصاحبه وجعله بينهما نصفين؛ لأن كل واحد منهما يده على نصفها, والقول قول صاحب اليد مع يمينه, وإن نكلا عن اليمين قضى عليهما بالنكول وجعلت بينهما نصفين لكل واحد منهما النصف الذي كان في يد صاحبه, وإن نكل أحدهما وحلف الآخر قضى له بجميعها.
مسألة: "وإن أقام كل واحد منهما بينة وتساويا تعارضت البينتان وقسمت العين بينهما نصفين"؛ لما روى أبو موسى الأشعري: أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدين فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبعير بينهما نصفين, ذكره ابن المنذر ورواه أبو داود1, وقال أبو الخطاب: وفيه رواية أخرى يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف أنها له لا حق لغيره فيها وكانت العين له كما لو كانت في يد غيرهما. قال الخرقي: ويحلف "كل واحد منهما على النصف المحكوم له به"؛ ولأن البينتين لما تعارضتا -من غير ترجيح- وجب إسقاطهما كالخبرين إذا تعارضا؛ ولأنه لا يمكن الجمع بينهما لتنافيهما ولا تتعين إحداهما لأنه تحكم لا دليل عليه فلم يبق إلا إسقاطهما ولكل واحد منهما النصف الذي يده عليه مع يمينه كما لو لم تكن بينة, وعنه أن العين تقسم بينهما من غير يمين لظاهر الحديث الذي رويناه؛ ولأننا قد قررنا أن بينة الخارج مقدمة وكل واحد منهما داخل في نصف العين خارج في نصفها الآخر فتقدم بينة النصف للذي في يد صاحبه ولا يحتاج إلى يمين وتقدم بينة صاحبه في النصف الآخر.
مسألة: "فإن ادعاها أحدهما وادعى الآخر نصفها ولا بينة قسمت بينهما واليمين على مدعي النصف"؛ لأن يده على النصف فالقول قوله فيه مع يمينه ويد مدعي الكل على النصف الآخر ولا منازع له فيه فيبقى في يده بغير يمين.
مسألة: "وإن كانت لهما بينتان حكم بها لمدعي الكل" لأنهما تعارضا في النصف
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الأقضية: حديث رقم 3615.

الثالث: أن تكون في يد غيرهما وإن أقر بها لأحدهما أو لغيرهما صار المقر له كصاحب اليد وإن أقر لهما صارت كالتي في يديهما وإن قال لا أعرف صاحبها منهما ولأحدهما بينة فهي له وإن لم يكن لهما بينة أو لكل واحد منهما بينة استهما على اليمين فمن خرج سهمه حلف وأخذها.
ـــــــ
فيكون النصف لمدعي الكل بلا تنازع والنصف الآخر ينبني على الخلاف في أي البينتين تقدم وظاهر المذهب تقدم بينة المدعي فتكون الدار كلها للمدعي جميعها.
"الثالث: أن تكون في يد غيرهما فإن أقر بها لأحدهما أو لغيرهما صار المقر له كصاحب اليد" وقد مضى الكلام فيه "وإن أقر لهما صارت كالتي في يديهما" وقد مضت.
مسألة: "وإن قال: لا أعرف صاحبها منهما ولأحدهما بينة فهي له" ببينته لما سبق "فإن لم تكن لهما بينة أو لكل واحد بينة استهما على اليمين فمن خرج سهمه حلف وأخذها"؛ لما روى أبو هريرة أن رجلين تداعيا عينا ولم يكن لواحد منهما بينة فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين أحبا أم كرها, رواه أبو داود1. ولأنهما تساويا في الدعوى وعدم البينة واليد والقرعة تميز عند التساوي كما لو أعتق عبيدا في مرض موته ولا مال له غيرهم, وذكر أبو الخطاب فيما إذا كان لكل واحد منهما بينة روايتين: إحداهما تسقط البينتان كما ذكرنا وقد سبق دليلها وحكمها, والرواية الثانية تستعمل البينتان: وفي كيفية استعمالهما روايتان: إحداهما تقسم العين بينهما, والثانية: تقدم بينة أحدهما بالقرعة ووجه الأولى ما روى أبو موسى: أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير فأقام كل واحد منهما البينة أنه له فقضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما نصفينب2. وإذا قلنا يقرع بينهما فوجهه ما رواه الشافعي رفعه إلى ابن المسيب: أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم بينهما, والصحيح في المذهب أنه يقرع بينهما فمن خرجت القرعة له حلف وسلمت إليه وهو دليل على أن البينتين سقطتا لإيجابنا اليمين كمن وقعت له القرعة, ووجهه أن البينتين حجتان فإذا تعارضتا على وجه لا ترجح إحداهما على الأخرى سقط الاحتجاج بهما كالخبرين إذا تعارضا. وأما حديث ابن المسيب فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم استحلفه وإن لم يكن مذكورا في الحديث فليس بمنفي, وأما حديث أبي موسى فيحتمل أن الشيء كان في أيديهما فأسقط البينتين وقسمه بينهما على أنه روي في الحديث ولا بينة لهما.
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الأقضية: حديث رقم 3616.
2 - سبق تخريجه. ===============ج666666666666666666=====



ج6.كتاب : العدة شرح العمدة
المؤلف : عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي

باب في تعارض الدعاوى
إذا تنازعا قميصا أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه وإن تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل فهي له وإن تنازعا أرضا فيها شجر أو بناء أو زرع لأحدهما فهي له وإن تنازع صانعان في قماش دكان فآلة كل صناعة لصاحبها وإن تنازع الزوجان في قماش البيت فللزوج ما يصلح للرجال وللمرأة ما يصلح للنساء
ـــــــ
باب في تعارض الدعاوىمسألة: "إذا تنازعا قصيما أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه" لأن تصرفه في الثوب أقوى ويده آكد وهو المستوفي لمنفعته.
مسألة: "وإن تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل" والآخر آخذ بزمامها "فهي" للراكب ولصاحب الحمل كذلك.
مسألة: "وإن تنازعا أرضا فيها شجر أو بناء أو زرع لأحدهما فهي له"؛ لأنه صاحب اليد لكونه المستوفي لمنفعتها فكانت له كما لو تنازعا عينا في يده فإنها تكون لمن هي في يده.
مسألة: "وإن تنازع صانعان في قماش دكان فآلة كل صناعة لصاحبها" فإذا كان نجار وعطار في دكان واحد فاختلفا فيما فيها حكم بآلة العطارين للعطار وبآلة النجارين للنجار؛ لأن تصرفه في آلة صنعته أظهر والظاهر معه أيضا فإن الظاهر أن العطار لا يستعمل آلة النجار والنجار لا يستعمل آلة العطار, وإن لم يكونا في دكان واحد لكن اختلفا في عين تصلح لأحدهما لم يرجح أحدهما بصلاحية المختلف فيه له بل إن كان في أيديهما فهو بينهما وإن كان في يد أحدهما فهو له مع يمينه, وإن كان في يد غيرهما أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها.
مسألة: "وإن تنازع الزوجان في قماش البيت فللرجل ما يصلح للرجل وللمرأة ما يصلح للنساء, وما يصلح لهما" فهو "بينهما" فمتى اختلفا في شيء ولأحدهما بينة فهو له بغير خلاف, وإن لم تكن له بينة فالمنصوص عنه أنه ما يصلح للرجال من العمائم وقمصانهم وجبابهم والأقبية والطيالسة وأشباه ذلك القول فيه قول الرجل مع يمينه, وما يصلح للنساء من الحلي والمقانع وقمصهن ومغازلهن فالقول فيه قول المرأة مع يمينها, وما يصلح لهما كالمفارش والأواني فهو بينهما؛ لأن أيديهما جميعا على متاع البيت بدليل ما لو نازعهما فيه أجنبي فإن القول قولهما, وقد يرجح أحدهما على صاحبه يدا وتصرفا فيجب أن يقدم كما لو تنازعا دابة أحدهما راكبها والآخر آخذ بزمامها.

وما يصلح لهما بينهما, وإن تنازعا حائطا معقودا ببنائهما أو محلولا منهما فهو بينهما وإن كان معقودا ببناء أحدهما وحده فهو له وإن تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما أو تنازع صاحب الأرض والنهر في الحائط الذي بينهما أو تنازعا قميصا أحدهما آخذ بكمه وباقيه مع الآخر فهو بينهما, وإن تنازع مسلم وكافر في ميت يزعم كل واحد منهما أنه مات على دينه فإن عرف أصل دينه حمل عليه, وإن لم يعرف أصل دينه فالميراث للمسلم, وإن كانت لهما بينتان فكذلك وإن
ـــــــ
مسألة: "وإن تنازعا حائطا معقودا ببنائهما أو محلولا منهما فهو بينهما وإن كان معقودا ببناء أحدهما وحده فهو له" فمتى كان الحائط بين ملكيهما وتساويا في كونه معقودا ببنائها معا يعني متصلا به اتصالا لا يمكن إحداثه بعد بناء الحائط مثل اتصال البناء بالطين كهذه الحظائر التي لا يمكن إحداث اتصال بعضها ببعض أو يكون لكل واحد منهما عليه عقد أو قبة أو تساويا في كونه محلولا من بنائهما أي غير متصل ببنائهما الاتصال الذي ذكرناه فإنهما يتحالفان فيحلف كل واحد منهما على النصف الذي في يده لأن الحائط في أيديهما فيجعل بينهما نصفين لتساويهما في ذلك, وهذا إذا لم يكن لأحدهما بينة فإن كان لأحدهما بينة حكم له بها لأنها كالإقرار وإن كان لهما بينتان تعارضتا وصارا كمن لا بينة لهما فإن لم يكن بينة ونكلا عن اليمين كان الحائط في أيديهما على ما كان, وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضى على الناكل فكان الكل للآخر.
مسألة: وإن كان الحائط متصلا ببناء أحدهما كان له مع يمينه؛ لأن هذا مما لا يمكن إحداثه فوجب أن يرجح به كالأزج يعني العقد؛ ولأن الظاهر أن هذا البناء بني كله بناء واحدا فإذا كان بعضه لرجل فالظاهر أن بقيته له.
مسألة: "وإن تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما" فهو بينهما لأن يديهما عليه سواء, وإن "تنازع صاحب الأرض والنهر في الحائط الذي بينهما فهو بينهما"؛ لأنه حاجز بين ملكيهما فأشبه الحائط بين البيتين, وإن "تنازعا قميصا أحدهما آخذ بكمه وباقيه مع الآخر فهو بينهما"؛ لأن يد الممسك بكمه ثابتة على نصفه ألا ترى أنه لو كان آخذا بكمه وباقيه على الأرض فادعاه مدع كان القول قول من هو آخذ بكمه ولا يلتفت إلى من أخذ بالكثير ومثله إذا اختلفا في عمامة أحدهما آخذ بطرفها والآخر آخذ ببقيتها؛ لأنها في أيديهما ويتحالفان في هذه المسائل.
مسألة: "وإن تنازع مسلم وكافر" ميراث ميت "يزعم كل واحد منهما" أنه كان "على دينه فإن عرف أصل دينه حمل عليه"؛ لأن الأصل بقاؤه عليه فالقول قول من ينفيه مع يمينه "وإن لم يعرف أصل دينه فالميراث للمسلم" لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ولأن الظاهر

كانت لأحدهما بينة حكم له بها وإن ادعى كل واحد من الشريكين في العبد أن شريكه أعتق نصيبه وهما موسران عتق كله ولا ولاء لهما عليه, وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا عتق نصيب الموسر وحده, وإن كانا معسرين لم يعتق منه شيء وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق حينئذ ولم يسر إلى باقيه, ولا ولاء عليه وإن ادعى كل واحد من الموسرين أنه أعتقه تحالفا وكان ولاؤه بينهما وإن
ـــــــ
الإسلام في دار الإسلام؛ ولأنه يغلب إسلامه في الصلاة عليه ودفنه فكذلك في ميراثه, "وإن كانت لهما بينتان فكذلك" يعني أن الحكم كالتي قبلها؛ لأن البينتين سقطتا وصارا كمن لا بينة لهما, "وإن كانت لأحدهما بينة حكم له بها" لأن البينة كالإقرار ولو أقر له الآخر حكم له فكذلك إذا قامت له بينة وحده.
مسألة: "وإذا ادعى كل من الشريكين في العبد أن شريكه أعتق نصيبه منه وهما موسران عتق كله" كتاب الشهادات
تحمل الشهادة وأداؤها فرض كفاية إذا لم يوجد من يقوم بها سوى اثنين لأن كل واحد منهما يعترف بحرية نصيبه مدعيا نصف القيمة على شريكه لكونه أعتق نصيب نفسه وهو موسر فيسري إلى نصيب الآخر "ولا ولاء عليه" لواحد منهما؛ لأنه لا يدعيه واحد منهما لآن كل واحد منهما يقول: أنت المعتق له وولاؤه لك لا حق لي فيه.
مسألة: "وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا عتق نصيب الموسر وحده" لأنه اعترف بحرية نصيبه بعتق شريكه الموسر؛ لأن الموسر إذا عتق نصيبه سرى إلى نصيب المعسر ولا يعتق نصيب الموسر لأن اعترافه بعتق شريكه نصيبه لا يكون اعترافا بعتق نصيبه, ولأن إعتاق المعسر لا يسري ولا يثبت للمعسر الولاء لأنه غير معتق.
مسألة: "وإن كانا معسرين لم يعتق منه شيء" لأن اعتراف كل واحد منهما بعتق الآخر لا يوجب اعترافا بعتق نصيبه لأن عتق المعسر لا يسري.
مسألة: "وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق حينئذ ولم يسر إلى باقيه" الذي كان له قديما لأن عتقه عليه باعترافه بأن كان حرا "ولا" يثبت له "عليه ولاء" لأنه لا يدعي إعتاقه بل يعترف أن المعتق غيره وإنما هو مخلص له ممن هو في يده ظلما فهو كمخلص الأسير من أيدي الكفار".
مسألة: "وإن ادعى كل واحد من الموسرين أنه أعتقه تحالفا وكان ولاؤه بينهما" وقد ذكرنا فيما سبق أنه لا ولاء لواحد من الشريكين الموسرين؛ لأن كل واحد منهما يقول لشريكه: أنت المعتق والولاء لك لا حق لي فيه فإن عاد كل واحد منهما فادعى أنه المعتق وأن الولاء له ثبت لهما الولاء؛ لأنه لا مستحق له سواهما وإنما لم يثبت لواحد منهما لإنكاره فإذا اعترف به زال الإنكار فثبت له فعند ذلك يتحالفان ويكون الولاء بينهما كما لو

قال رجل لعبده: إن برئت من مرضي هذا فأنت حر وإن قتلت فأنت حر فادعى العبد برءه أو قتله وأنكرت الورثة فالقول قولهم وإن أقام كل واحد منهم بينة بقوله عتق العبد لأن بينته تشهد بزيادة,ولو مات رجل وخلف ابنين وعبدين متساويي القيمة لا مال له سواهما فأقر الابنان أنه أعتق أحدهما في مرض موته عتق منه ثلثاه إن لم يجيزا عتقه كله, وإن قال أحدهما: أبي أعتق هذا وقال الآخر: بل هذا عتق ثلث كل واحد منهما وكان لكل ابن سدس الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر. وإن قال الثاني: أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما أقرع بينهما وقامت القرعة مقام تعيينه.
ـــــــ
تنازعا في شيء في أيديهما ولا بينة لأحدهما فإنه يكون بينهما.
مسألة: "وإن قال" السيد "لعبده إن برئت من مرضي هذا فأنت حر وإن قتلت فأنت حر فادعى العبد برءه أو قتله وأنكرت الورثة فالقول قولهم" لأن الأصل معهم.
مسألة: "وإن أقام كل واحد منهم بينة بقوله عتق العبد لأن بينته تشهد بزيادة"؛ لأنها مثبتة وبينتهم نافية والإثبات مقدم على النفي في أحد الوجهين وفي الآخر تتعارض البينتان ويبقى العبد رقيقا لأن كل واحدة منهما تثبت ما شهدت به وتنفي ما شهدت به الأخرى فهما سواء.
مسألة: "ولو مات رجل وخلف ابنين وعبدين متساويي القيمة لا مال له سواهما فأقر الابنان أنه أعتق أحدهما في مرضه عتق ثلثاه إن لم يجيزا عتقه كله"؛ ولأن ثلثيه ثلث جميع المال فإنه لو كانت قيمتهما ستمائة كل واحد منهما ثلاثمائة كان ثلثها مائتين وهي ثلثا العبد فإن أجازا عتق جميعه؛ لأن الحق لهما إن شاءا أخذاه وإن شاءا تركاه.
مسألة: "وإن قال أحدهما: أبي أعتق هذا, وقال الآخر: بل هذا عتق ثلث كل واحد منهما فكان لكل ابن سدس الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر"؛ لأن كل واحد من الابنين إذا عين واحدا صار مدعيا أنه أعتق منه ثلثاه, وأنه لم يبق منه على الرق إلا ثلثه ميراثا بينهما لكل واحد منهما سدسه وإن الآخر كله رقيق لكل واحد منهما نصفه فيعمل بقول كل واحد منهما في توريثه منهما فيصير له سدس العبد الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر ويصير ثلث كل واحد من العبدين حرا؛ لأن كل واحد من الابنين نصف العبدين فقبل قوله في نصيبه فعتق ثلث نصيبة من العبدين وجمعناه في العبد الذي اعترف بعتقه وذلك ثلثه.
مسألة: "وإن قال الثاني: أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما أقرع بينهما وقامت القرعة مقام تعيينه" يعني إذا عين أحدهما عبدا وقال الآخر لا أدري من منهما فإنا نقرع بينهما فإن وقعت القرعة على الذي عينه أخوه صارا كأنهما عيناه ويعتق ثلثاه إلا أن يجيزا عتقه كله وإن وقعت على الآخر صار كأنه عينه وعين أخوه الآخر يعتق من كل واحد ثلثه ويبقى له السدس في الذي عينه ونصف الآخر على ما سبق؛ لأن القرعة قامت مقام التعيين عند الإشكال والالتباس.

باب حكم كتاب القاضي
يجوز الحكم على الغائب إذا كانت للمدعي بينة ومتى حكم على غائب ثم
ـــــــ
باب حكم كتاب القاضيمسألة: "يجوز الحكم على الغائب إذا كان للمدعي بينة" فمتى ادعى حقا على غائب في بلد آخر وطلب من الحاكم سماع البينة والحكم بها عليه أجابه إلى ذلك وسمع بينته وحكم بها وكان شريح لا يرى القضاء على الغائب, وهو قول أبي حنيفة إلا أنه قال: إذا كان له خصم حاضر من وكيل أو شفيع جاز الحكم عليه وعن أحمد مثله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فإنك لا تدري بما تقضي". قال الترمذي: هذا حديث حسن1؛ ولأنه قضى لأحد الخصمين وحده فلم يجز كما لو كان الآخر في البلد؛ ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة ويقدح فيها فلم يجز الحكم عليه قبل حضوره ولنا أن هندا قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" 2. فقضى لها عليه ولم يكن حاضرا؛ ولأن أبا حنيفة وافقنا في سماع البينة فيقول هذه بينة عادلة مسموعة فجاز الحكم بها كما لو كان حاضرا. وأما حديثهم فنقول به وأنه إذا تقاضى إليه رجلان لم يجز الحكم قبل سماع كلامهما معا وهذا يقتضي أن يكونا حاضرين ويفارق الحاضر الغائب فإنه لا تسمع البينة على حاضر والغائب بخلافه.
مسألة: "ومتى حكم على غائب ثم كتب بحكمه إلى قاضي بلد الغائب لزمه قبوله وأخذ المحكوم عليه به" والأصل في كتاب القاضي إلى القاضي الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله سبحانه: {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}, وأما السة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وملوك الأطراف وكان في كتابه إلى هرقل: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم أما بعد فأسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرا عظيما وإن توليت فإن عليك إثم
ـــــــ
1 - رواه الترمذي في الأحكام: حديث رقم 1331.
2 - سبق تخريجه.

كتب بحكمه إلى قاضي بلد الغائب لزم قبوله وأخذ المحكوم عليه به, ولا يثبت إلا بشاهدين عدلين يقولان قرأه علينا أو قرئ عليه بحضرتنا فقال: أشهدا على أن هذا كتابي إلى فلان أو إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم فإن مات
ـــــــ
الأريسيين و: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً}, وروى الضحاك بن سفيان قال: كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها" 1, وأجمعت الأمة على كتاب القاضي إلى القاضي ولأن الحاجة إلى قبوله داعية فإن من له حق في بلد غير بلده لا يمكنه إثباته والمطالبة به إلا بكتاب القاضي فوجب قبوله وأخذ المحكوم عليه به لأن ذلك هو المقصود منه.
مسألة: "ولا يثبت إلا بشاهدين عدلين يقولان قرأه علينا أو قرئ عليه بحضرتنا فقال: اشهدا على أن هذا كتابي إلى فلان أو إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم" فيعتبر في ثبوته ثلاثة شروط: أحدها أن يشهد به شاهدان عدلان وقيل يكفي معرفة خطه وختمه لأن ذلك تحصل به غلبة الظن فأشبه الشهادة ويتخرج لنا مثله بناء على ما إذا وجدت وصية الرجل مكتوبة عند رأسه بخطه عمل بها ولنا إن ما أمكن إثباته بالشهادة لم يجز الاقتصار فيه على الظاهر كإثبات العقود؛ ولأن الخط يشبه الخط والختم يمكن التزوير عليه ويمكن الرجوع إلى الشهادة فلم يعول على الخط كالشاهد لا يعول على الخط الشرط. الثاني: أن يكتب القاضي من موضع ولايته فإن كتب القاضي من غير عمله كتابا لم يسغ قبوله؛ لأنه لا يسوغ له في غير ولايته حكم فهو كالعامي. الشرط الثالث: أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه في موضع ولايته فإن وصل في غير موضع ولايته لم يكن له قبوله حتى يصل إلى موضع ولايته لما سبق.
مسألة: "فإن مات المكتوب إليه أو عزل فوصل إلى غيره عمل به" وروي أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس ابن معاوية قاضي البصرة كتابا فوصل وقد عزل وولي الحسن فلما وصل الكتاب عمل بت؛ لأن المعول على شهادة الشاهدين بحكم الأول أو ثبوت الشهادة عنده [دون الكتاب و لو ضاع الكتاب فشهد عنده] ذلك ثبت, فإذا شهدا بذلك عند الحاكم المتجدد وجب أن يقبل.
مسألة: "وإن مات الكاتب أو عزل بعد حكمه جاز قبول كتابه" سواء مات أو عزل قبل خروج الكتاب من يده أو بعده لأن المعول في الكتاب على الشاهدين اللذين يشهدان على
ـــــــ
1 - رواه أبو داود في الفرائض: حديث رقم 2927.

المكتوب إليه أو عزل فوصل إلى غيره عمل به وإن مات الكاتب أوعزل بعد حكمه جاز قبول كتابه
ويقبل كتاب القاضي في كل حق إلا الحدود والقصاص.
ـــــــ
الحاكم وهما حيان فيجب أن يقبل كتابه كما لو لم يمت ولأن كتابه إنه كان بما حكم فحكمه لا يبطل بموته وعزله, وإن كان فيما ثبت عنده بشهادة فهو أصل واللذان شهدا عليه فرع ولا تبطل شهادة الفرع بموت شاهدي الأصل.
مسألة: "ويقبل كتاب القاضي في كل حق إلا في الحدود والقصاص"؛ وقال الشافعي رضي الله عنه: يقبل في كل حق لآدمي من الجراح وغيرها وفي الحدود التي لله تعالى على قوليه لأن كل حق يثبت بالشهادة فإنه يثبت بكتاب القاضي إلى القاضي لأنه بمنزلة الشهادة على الشهادة فيثبت بها كسائر الحقوق أو كالشهادة على الأموال, ولنا أن حدود الله سبحانه مبنية على الستر والدرء بالشبهات والإسقاط بالرجوع عن الإقرار بها والشهادة على الشهادة لا تخلو من الشبهة, ولذلك اشترطنا لقبولها تعذر شهادة الأصل ولم نقبلها إلا للحاجة ولا حاجة ها هنا ولأنه لا نص فيها ولا يصح قياسها على موضع الإجماع لما بينا من الفرق فيبطل إثباتها.

باب القسمة
وهي نوعان: قسمة إجبار وهي ما يمكن قسمته من غير ضرر ولا رد عوض
ـــــــ
باب القسمة"وهي نوعان": أحدهما "قسمة إجبار وهي قسمة ما يمكن قسمه من غير ضرر ولا رد عوض إذا طلب أحد الشريكين قسمه فأبى الآخر أجبره الحاكم عليه إذا ثبت عنده ملكهما ببينة" وتعتبر لها ثلاثة شروط: أحدهما أن لا يكون فيها ضرر فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع منها لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار". رواه ابن ماجه ورواه مالك في موطئه عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى: "أن لا ضرر ولا ضرار" 1. الشرط الثاني: أن يمكن تعديل السهام من غير شيء يجعل معها فإن لم يكن ذلك لم يجبر الممتنع على القسمة لأنها تصير بيعا والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين؛ لقوله سبحانه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}. الشرط الثالث: أن يثبت عند الحاكم ملكهما ببينة لأن في الإجبار على القسمة حكما على الممتنع منهما فلا يثبت إلا بما يثبت به الملك لخصمه بخلاف حالة الرضا فإنه لا يحكم على أحدهما وإنما يقسم بقولهما ورضاهما.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.

إذا طلب أحد الشريكين قسمه فأبى الآخر أجبره الحاكم عليه إذا ثبت عنده ملكهما ببينة فإن أقر به لم يجبر الممتنع عليه وإن طلباها في هذه الحال قسمت بينهما وأثبت في القضية أن قسمه كان عن إقرار لا عن بينة.
والثاني: قسمة التراضي وهي قسمة ما فيه ضرر بأن لا ينتفع أحدهما بنصيبه فيما هو له أو لا يمكن تعديله إلا برد عوض من أحدهما فلا إجبار فيها والقسمة
ـــــــ
مسألة: "فإن أقر به" يعني الملك "لم يجبر الممتنع" منهما "عليه" لأنه لم يوجد شرط الإجبار "وإن طلباها في هذه الحال قسمت بينهما وأثبت في القضية أن قسمه بينهما كان عن إقرار" هما "لا عن بينة", وقال أبو حنيفة: إن كان عقارا نسبوه إلى الميراث لم يقسمه وإن لم ينسبوه إلى الميراث أو كان غير عقار قسمه؛ لأن الميراث باق على حكم ملك الميت فلا يقسمه احتياطا للبت فيه؛ لأنه إذا لم يثبت عنده الموت والقرابة فلا احتياط ويخالف العقار غيره يثوي ويهلك ويحفظ بقسمته, والظاهر عند الشافعي رضي الله عنه أنه لا يقسم عقارا كان أو غيره. قال: لأني لو قسمتها بقولكم ثم رفعت إلى حاكم يقسمها أن يجعلها حكما لكم ولعلها لغيركم. ولنا أن اليد تدل على الملك ولا منازع لهم فيثبت لهم من طريق الظاهر وما ذكره الشافعي رضي الله عنه يندفع إذا أثبت في القضية أن قسمته بينهم كان عن إقرارهم لا عن بينة شهدت لهم بملكهم وكل ذي حجة على حجته وما ذكره أبو حنيفة لا يصح فإنه لا حق للميت فيه إلا أن يظهر عليه دين وما ظهر الأصل عدمه كما قلنا إن الظاهر ملكهم فيما لم يدعوه ميراثا؛ لأنه لم يثبت لغيرهم. "الثاني: قسمة التراضي وهي قسمة ما فيه ضرر بأن لا ينتفع أحدهما بنصيبه فيما هو له أو لا يمكن لعديله إلا برد عوض من أحدهما" فلا إجبار فيها. مثال: ما فيه ضرر أن تكون دار بين اثنين لأحدهما عشرها وللآخر الباقي إذا اقتسماها لا يصلح لصاحب العشر ما ينتفع به فيتضرر لذلك فإذا طلب صاحب الكثير القسمة لا يجبر الآخر؛ لقوله عليه السلام: "لا ضرر ولا ضرار". رواه ابن ماجه, وأما ما لا يمكن تعديله إلا برد عوض فإنه يكون بيعا فإن تراضيا عليه جاز وان امتنع أحدهما لم يجبر لأن البيع لا يجبر عليه أحد لقوله سبحانه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}.
مسألة: "والقسمة إفراز حق لا يستحق بها شفعة ولا يثبت فيها خيار"؛ لأنها ليست بيعا, وقال الشافعي في أحد قوليه: هي بيع وحكي ذلك عن ابن بطة لأنه يعدل نصيبه من أحد السهمين بنصيب صاحبه من السهم الآخر وهذا حقيقة البيع, ولنا أنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك ولا تجب فيها الشفعة ويدخلها الإجبار وتلزم بإخراج القرعة وبتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر والبيع لا يجوز فيه شيء من ذلك؛ ولأنه تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها فلم تكن بيعا كسائر العقود, وفائدة الخلاف أنها إذا لم تكن بيعا جازت قسمة الثمار خرصا والتفرق قبل القبض في قسمة المكيل والموزون وقسمة ما يكال وزنا وما يوزن

إفراز حق لا يستحق بها شفعة ولا يثبت فيها خيار وتجوز في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا وفي الثمار خرصا وتجوز قسمة الوقف إذا لم يكن فيها رد عوض فإن كان بعضه طلقا وبعضه وقفا وفيها عوض من صاحب الطلق لم يجز وإن كان من رب الوقف جاز, وإذا عدلت الأجزاء أقرع عليها فمن خرج سهمه على شيء
ـــــــ
كيلا ولا يحنث فيها إذا حلف لا يبيع وإذا كان العقار وقفا أو نصفه وقفا ونصفه طلقا جازت القسمة, وإن قلنا هي بيع لم يجز ذلك فيها وهذا إذا خلت من الرد فإذا كان فيها رد فهي بيع لأن صاحب الرد يبذل المال عوضا عما حصل له من شريكه, وهذا هو البيع فإن فعلا في وقف لم يجز؛ لأن الوقف لا يجوز بيعه فإن كان بعضه وقفا وبعضه طلقا والرد من أهل الطلق لم يجز لأنهم يشترون بعض الوقف وإن كان الرد من أهل الوقف جاز لأنهم يشترون بعض الطلق وهو جائز.
مسألة: "وتجوز في المكيل وزنا في الموزون كيلا وفي الثمار خرصا" هذا إذا قلنا إنها ليست بيعا وهو المنصور في المذهب وأنها إفراز حق فإن ذلك كله جائز, وأما إن قلنا إنها بيع لم يجز فيها شيء من ذلك على ما مر.
مسألة: "وتجوز قسمة الوقف إذا لم يكن فيها رد عوض فإن كان بعضه طلقا وبعضه وقفا وفيها" رد "عوض من صاحب الطلق لم يجز"؛ لأنه يشتري الوقف "وإن كان من رب الوقف جاز"؛ لأنه يشتري الطلق من صاحبه على ما مر.
مسألة: "وإذا عدلت الأجزاء أقرع عليها فمن خرج سهمه على شيء صار له ولزم بذلك", وذلك أنا قد ذكرنا أن القسمة على ضربين: قسمة إجبار وقسمة تراض, فأما قسمة الإجبار فهي التي يمكن تعديل السهام فيها من غير رد شيء فإذا عدلت السهام أقرع بينهم وكيف ما أقرع جاز في ظاهر كلامه. قال: إن شاء رقاعا وإن شاء خواتيم تطرح في حجر من لم يحضر ويكون لكل واحد خاتم ثم يقال أخرج خاتما على هذا السهم فمن خرج خاتمه فهو له, وعلى هذا لو أقرع بحصى أو غيره جاز ويلزم ذلك بالقرعة سواء كان القاسم قاسم الحاكم أو عدلا نصباه؛ لأن قرعة قاسم الحاكم كحكم الحاكم بدليل أنه يجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق فتنفذ قرعته, والذي رضوا به وحكموه فهو كرجل حكم بينهم في القضاء ولو حكموا رجلا بينهم لزم حكمه كذا ها هنا فإما إن قسما بأنفسهما أو أقرعا أو نصبا قاسما فاسقا لم يلزم إلا بتراضيهما بعد القرعة, ولأنه لا حاكم بينهما ولا من يقوم مقامه وأما قسمة التراضي فهي التي فيها رد ولا يمكن تعديل السهام فيها إلا أن يجعل مع بعضها عوض فهل تلزم بالقرعة؟ فيه وجهان: أحدهما يلزم كقسمة الإجبار؛ لأن القاسم كالحاكم وقرعته كحكمه, والثاني: لا يلزم لأنها بيع والبيع لا يلزم إلا بالتراضي وإنما القرعة ها هنا ليعرف البائع من المشتري فأما إن تراضيا

صار له ولزم بذلك ويجب أن يكون قاسم الحاكم عدلا وكذلك كاتبه
ـــــــ
على أن يأخذ كل واحد منهما واحدا من السهمين بغير قرعة فإنه يجوز؛ لأن الحق لهما ولا يخرج عنهما وكذلك لو خير أحدهما صاحبه فاختار ويلزم ها هنا التراضي وتفرقهما كما يلزم البيع.
مسألة: "ويجب أن يكون قاسم الحاكم بينهم عدلا وكذلك كاتبه" ويكون عارفا بالحساب أيضا والقسمة ليوصل إلى كل ذي حق حقه ولا يفتقر أن يكون من أهل الاجتهاد ولا أن يكون حرا, واشترط الشافعي رضي الله عنه أن يكون حرا وتلزم قسمته بالقرعة وإن نصبا قاسما بينهما على صفة قاسم الحاكم فهو كقاسم الحاكم في لزوم القسمة بالقرعة, وإن كان فاسقا أو كافرا لم تلزم قسمته إلا بتراضيهما بها ويكون وجوده فيما يرجع إلى لزوم القسمة كعدمه.

كتاب الشهادات
مدخل...
كتاب الشهاداتتحمل الشهادة وأداؤها فرض كفاية إذا لم يوجد من يقوم بها سوى اثنين
ـــــــ
كتاب الشهادات
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله سبحانه: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} 1, وقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} 2. وأما السنة فروى وائل بن حجر قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق, فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: "ألك بينة"؟ قال: لا. قال: "فلك يمينه", قال: يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي ما حلف عليه وليس يتورع من شيء قال: "ليس لك منه إلا ذلك". قال: فانطلق الرجل ليحلف له, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن حلف على مال ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح3, وروى محمد بن عبيد الله العزرمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه". قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال4. والعزرمي يضعف في الحديث من قبل حفظه, ضعفه ابن المبارك وغيره, إلا أن أهل العلم أجمعوا على هذا. قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم؛ لأن الحاجة داعية إلى الشهادة بحصول التجاحد بين الناس فوجب الرجوع إليها. قال شريح: القضاء جمرة فنحه عنك بعودين يعني بشاهدين, وإنما الخصم داء والشهود شفاء فأفرغ الشفاء على الداء.
مسألة: "وتحمل الشهادة وأداؤها فرض" على الـ "كفاية" "إذ لم يوجد من يقوم بها
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 282.
2 - سورة الطلاق: الآية 2.
3 - رواه الترمذي في الأحكام: حديث رقم 1340. وأبو داود في الأيمان: حديث رقم 3245.
4 - رواه الترمذي في الأحكام: حديث رقم 1341.

لزمهما القيام بها على القريب والبعيد إذا أمكنهما ذلك من غير ضرر؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ}.
والمشهود عليه أربعة أقسام: أحدهها: الزنا وما يوجب حده فلا يثبت إلا بأربعة رجال أحرار عدول. الثاني: المال وما يقصد به المال فيثبت بشاهدين أو رجل
ـــــــ
سوى اثنين لزمهما القيام بها على القريب والبعيد إذا أمكنهما ذلك من غير ضرر؛ لقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ والأقربين} 1, وقال سبحانه: {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} 2, وقال تعالى: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} 3, وخص القلب لأنه موضع العلم بها, ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات فإذا ثبت هذا فإنه إذا دعي إلى تحمل شهادة في نكاح أو دين أو غيره لزمه الإجابة, وإن كانت عنده شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ذلك فإن قام بالفرض في التحمل والأداء اثنان سقط عن الجميع وإن امتنع الكل أثموا, وقوله: إذا أمكنهما ذلك من غير ضرر يعني أنه لو دعي إلى شهادة في مكان بعيد يشق عليه المشي إليه لم يلزمه ذلك, وكذلك إذا دعاه في وقت برد أو مطر أو طين كثير أو ثلج يتضرر بالخروج فيه لقوله عليه السلام: "لا ضرر ولا ضرار" 4.
مسألة: "والمشهود عليه أربعة أقسام: أحدها الزنا وما يوجب حده فلا يثبت إلا بأربعة رجال أحرار عدول" أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنا إلا أربعة وقال سبحانه: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} 5, وأكثرهم قال لا تقبل فيه إلا شهادة الأحرار, وقال أبو ثور: تقبل فيه شهادة العبيد, ولا يصح لأنه مختلف في شهادتهم في سائر الحقوق فيكون ذلك شبهة تمنع قبول شهادتهم فيما يندرئ بالشبهات ولا نعلم خلافا في أنه لا تقبل فيه إلا شهادة العدول ظاهرا وباطنا, وأنه لا يقبل فيه إلا شهادة المسلمين سواء كان المشهود عليه مسلما أو ذميا.
مسألة: "الثاني: المال وما يقصد به المال فيثبت بشاهدين أو" بـ "رجل وامرأتين وبرجل مع يمين الطالب", وذلك كالبيع والقرض والرهن والوصية له وجناية الخطأ لقوله سبحانه: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} إلى قوله {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} 6, نص على المداينة وقسنا عليه سائر
ـــــــ
1 - سورة النساء: الآية 135.
2 - سورة البقرة: الآية 282.
3 - سورة البقرة: الآية 283.
4 - سبق تخريجه.
5 - سورة النور: الآية 13.
6 - سورة البقرة: الآية 282.

وامرأتين وبرجل مع يمين الطالب. الثالث: ما عدا هذين مما يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص كالنكاح والطلاق والرجعة والعتق والولاية والعزل والنسب والولاء والوكالة في غير المال والوصية إليه وما أشبه ذلك - فلا يقبل إلا رجلان. الرابع: ما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والحيض والعذرة والعيوب تحت الثياب فيثبت بشهادة امرأة عدل لأن عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى
ـــــــ
ما ذكرناه قال ابن أبي موسى: ولا تثبت الوصية إلا بشاهدين؛ لقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} 1, ويقبل في ذلك شاهد ويمين المدعي, وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي وروى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد الواحد, رواه سعيد ابن منصور في سننه والأئمة من أهل المسانيد والسنن وقال الترمذي: حديث حسن غريب, وقال النسائي: إسناد حديث ابن عباس: اليمين مع الشاهد, إسناد جيد ولأن اليمين شرعت في حق من ظهر صدقه وقوى جانبه فكذلك شرعت في حق صاحب اليد لقوة جنبته عليها وبها وفي حق المنكر؛ لأن الأصل براءة ذمته والمدعي ها هنا قد ظهر صدقه فوجب أن تشرع اليمين في حقه.
مسألة: "الثالث: ما عدا هذين مما يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص كالنكاح والطلاق والرجعة والعتق والولاية والعزل والنسب والولاء والوكالة في غير المال والوصية إليه وما أشبه ذلك, فلا يقبل فيه إلا رجلان" في إحدى الروايتين لقوله تعالى في الرجعة: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ}, فقيس عليه سائر ما ذكرنا ولأنه ليس بمال ولا المقصود منه المال أشبه العقوبات, والرواية الأخرى يقبل فيه رجل وامرأتان أو يمين لأنه ليس بعقوبة ولا يسقط بالشبهة أشبه المال, وقال القاضي: النكاح وحقوقه من الطلاق والخلع والرجعة لا يثبت إلا بشاهدين رواية واحدة والوكالة والوصية والكتابة تخرج على روايتين لأن النكاح مما يحتاط له لأجل حفظ النسب.
مسألة: "الرابع: ما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والحيض والعذرة والعيوب تحت الثياب" والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة, "فتثبت بشهادة امرأة عدل لأن عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كيف وقد زعمت ذلك". متفق عليه2. وقسنا عليه سائرها, ولأنه معنى يقبل فيه قول النساء المنفردات فأشبه الرواية وعنه لا يقبل فيه إلا
ـــــــ
1 - سورة المائدة: الآية 106.
2 - رواه البخاري في الشهادات: حديث رقم 2659.

بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما فذكزت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كيف وقد زعمت ذلك".
وتقبل شهادة العبد في كل شيء إلا الحدود والقصاص وتقبل شهادة الأمة فيما تقبل فيه شهادة النساء للخبر وشهادة الفاعل على فعله كالمرضعة على الرضاع والقاسم على القسمة وشهادة الأخ لأخيه, والصديق لصديقه وشهادة الأصم على المرئيات وشهادة الأعمى إذا تيقن الصوت
ـــــــ
شهادة امرأتين لأن الرجال أكمل منهن ولا يقبل منهم إلا اثنان فالنساء أولى.
مسألة: وتقبل شهادة الأمة فيما تقبل فيه شهادة النساء للخبر.
مسألة: "وتقبل شهادة العبيد في كل شيء إلا في الحدود والقصاص" على إحدى الروايتين؛ لقوله سبحانه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}, والعبد عدل تقبل روايته وفتياه وأخباره الدينية فيدخل في العموم وحديث عقبة قال فيه: فجاءت أمة سوداء فقالت: أرضعتكما فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كيف وقد زعمت ذلك". فقبل شهادتها, ولأنه عدل غير متهم أشبه الحر وأما الحد فلا تقبل شهادته فيه لأنه يدرأ بالشبهات, وفي شهادة العبد شبهة لوقوع الخلاف فيها وفي القصاص احتمالان: أحدهما لا قبول لذلك. والثاني: تقبل لأنه حق آدمي لا يصح الرجوع عن الإقرار فيه أشبه الأموال, وذكر الشريف وأبو الخطاب في جميع العقوبات روايتين وحكم المدبر والمكاتب وأم الولد حكم القن لأنهم أرقاء.
مسألة: "وتقبل شهادة" الإنسان على فعل نفسه "كالمرضع على الرضاع" لحديث عقبة "و" كذلك "القاسم على القسمة" والحاكم على حكمه بعد العزل لأنه يشهد لغيره فصح على فعل نفسه كما لو شهد على فعل غيره.
مسألة: "وشهادة الأخ لأخيه" جائزة قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة, وقال الله سبحانه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}, ولم يفصل ولأنه عدل غير متهم فيجب قبول شهادته كالأجنبي.
مسألة: وتقبل شهادة "الصديق لصديقه" للآية في قول عامتهم إلا مالكا فإنه قال: لا تقبل لأنه يجر إلى نفسه نفعا فهو متهم كما ترد شهادة العدو على عدوه للتهمة, ولنا عموم أدلة الشهادة وما قاله يبطل بشهادة الغريم للمدين قبل الحجر وإن كان ربما قضاه دينه منه فجر إلى نفسه نفعا أعظم مما يرجوه الصديق من صديقه, وأما العداوة فسببها محظور وفي الشهادة عليه شفاء غيظه منه فخالف الصداقة.
مسألة: "و" تجوز "شهادة الأصم على المرئيات".
مسألة: "وتجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت" روي ذلك عن ابن عباس وعلي

وشهادة المستخفي, ومن سمع إنسانا يقر بحق وإن لم يقل للشاهد أشهد وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه جاز أن يشهد به كالشهادة على النسب والولادة
ـــــــ
لقوله سبحانه: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}, ولأنه قول علي وابن عباس ولم يعرف لهما مخالف فكان إجماعا, ولأن روايته مقبولة فقبلت شهادته كالبصير ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين وقد يكون المشهود عليه ممن ألفه الأعمى وعرف صوته يقينا وهذا لا سبيل إلى إنكاره وجواز اشتباه الأصوات كجواز اشتباه الصور وفارق الأفعال فإن طريق الشهادة عليها الرؤية ولا يمكنه رؤيتها فإذا ثبت هذا فإنما يجوز له أن يشهد إذا تيقن الصوت وعلم المشهود عليه يقينا, فإن جواز أن يكون صوت غيره لم يجز أن يشهد به كما لو اشتبه على البصير المشهود عليه فلم يعرفه ولا خلاف في قبول روايته وجواز استمتاعه من زوجته إذا عرف صوتها.
مسألة: "و" تجوز "شهادة المستخفي" وهو الذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليستمع إقراره ولا يعلم به كالرجل يجحد الحق علانية ويقر به سرا فيختفي له شاهدان لا يعلم بهما فإن أقر به سرا سمعاه وشهدا عليه فشهادتهما مقبولة على الرواية الصحيحة, وهو قول الشافعي وقد روي عن أحمد لا تقبل شهادته وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى لأن الله سبحانه قال: {وَلا تَجَسَّسُوا}, وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حدث بحديث ثم التفت فهي أمانة", يعني لا يجوز لسامعه أن يذكره عنه لالتفاته وحذره, ولنا أنهما سمعا إقراره فقبلت شهادتهما كما لو أشهدهما.
مسألة: "و" يجوز "شهادة من سمع إنسانا يقر بحق وإن لم يقل للشاهد اشهد علي", وعنه لا يشهد حتى يقول له المقر اشهد علي كالشهادة على الشهادة؛ لأنه لا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد بها حتى يقول له شاهد الأصل اشهد علي أني أشهد على فلان بكذا, وعنه رواية ثالثة إذا سمعه يقر بقرض لا يشهد وإن سمعه يقر بدين شهد لأن المقر بالدين معترف أنه عليه الآن والمقر بالقرض لا يعترف بذلك؛ لأنه يجوز أنه اقترض منه ثم وفاه, وعنه رواية رابعة أنه إذا سمع الشهادة فدعي إلى إقامتها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد. قال: ولكن يجب عليه إذا شهد أن يشهد إذا دعي لقوله تعالى: {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: إذا شهدوا, والصحيح الأول لأن الشاهد يشهد بما علمه وقد حصل له العلم بسماعه فجاز أن يشهد به كما يجوز أن يشهد على الأفعال من القتل والجرح والسرقة والأفعال برؤيتها فإن السارق لا يقول: اشهدوا على أنني سرقت, وكذا كل فاعل فاحشة أو معصية, وفارق الشهادة على الشهادة فإنها ضعيفة فاعتبر تقويتها بالاسترعاء.
مسألة: "وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه جاز أن يشهد به كالشهادة على النسب والولادة" أجمعوا على صحة الشهادة في النسب والولادة. قال ابن المنذر: أما

ولا يجوز ذلك في حد ولا قصاص وتقبل شهادة القاذف وغيره بعد توبته.
ـــــــ
النسب فلا نعلم أحدا من أهل العلم منع منه ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به إذ لا سبيل إلى معرفة ذلك قطعا, ولا يمكن المشاهدة لسببه وإنما نعلم ذلك من طريق الظاهر فجازت الشهادة به بالظن, وأما ما عدا النسب والولادة مما تجوز الشهادة به بالاستفاضة فذكر أصحابنا تسعة أشياء: النكاح والملك المطلق والوقف ومصرفه والموت والعتق والولاء والولاية والعزل؛ لأن هذه الأمور تتعذر في الغالب معرفة أسبابها ويحصل العلم فيها بالاستفاضة فجاز أن يشهد بها كالنسب, وظاهر كلام أحمد أنه لا يشهد بذلك حتى يسمعه من عدد كثير يحصل له به العلم؛ لأن الشهادة لا تجوز إلا على ما علمه, وقال القاضي: يجوز من عدلين يسكن قلبه إلى خبرهما لأن الحق يثبت بقول اثنين.
مسألة: "ولا يجوز ذلك في حد ولا قصاص"؛ لأن شهادة الاستفاضة ضعيفة لكونها مبنية على غلبة الظن فالأصل أن لا تجوز وإنما جازت في هذه الأشياء حفظا لها أن لا تضيع كشهادة النسب مثلا بخلاف الحدود والقصاص فإن مبناها على الدرء والإسقاط فاحتيج فيه إلى العلم به ليشهد به. قال عمر رضي الله عنه: اشهد علي مثل الشمس أو دع.
مسألة: "وتقبل شهادة القاذف وغيره بعد توبته"؛ لأن الله عز وجل قال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} إلى قوله {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} 1, نص على قبول شهادة القاذف إذا تاب وكذلك الفاسق إذا تاب قبلت شهادته بالقياس على القاذف إذا تاب والتوبة الندم والاستغفار من الذنب والعزم أن لا يعود لقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} 2 الآية, وإن كانت مظلمة لآدمي فالتوبة من ذلك التخلص منه برده إلى مالكه والتحليل منه؛ لأن الحق لآدمي فلا يبرأ منه إلا بأدائه أو إبرائه وتوبة القاذف إكذابه لنفسه؛ لما روي عن عمر أنه قال: توبة القاذف إكذابه نفسه, ولأنه بالقذف أثبت العار فبإكذابه نفسه يزيله فإن لم يكن كاذبا. قال: قذفي لفلانة كان باطلا وقد ندمت عليه ولا أعود إلى مثله وأنا تائب إلى الله تعالى منه.
ـــــــ
1 - سورة النور: الآية 4.
2 - سورة آل عمران: الآية 135.

باب من ترد شهادته
لا تقبل شهادة صبي ولا زائل العقل ولا أخرس ولا كافر ولا فاسق ولا
ـــــــ
باب من ترد شهادته"لا تقبل شهادة صبي" لقوله سبحانه: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}, والصبيان ليسوا من رجالنا, ولأنه غير مكلف أشبه المجنون وعنه تقبل شهادة ابن عشر إذا كان عاقلا

مجهول الحال ولا حاز إلى نفسه نفعا ولا دافع عنها شرا
ـــــــ
في حال أهل العدالة لأنه يؤمر بالصلاة ويضرب عليها أشبه البالغ, وعنه شهادة الصبيان في الجراح خاصة قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها؛ لأنه قول ابن الزبير, والمذهب الأول لما سبق. الثاني: "و لا زائل العقل" فلا تقبل شهادة المجنون والمعتوه ولا السكران ولا المبرسم؛ لأن قولهم على أنفسهم لا يقبل فعلى غيرهم أولى. الثالث: الكلام فلا تقبل شهادة الـ "أخرس" بالإشارة لأنها محتملة فلم تقبل كإشارة الناطق, وإنما تقبل في أحكامه المختصة به للضرورة, وهي ها هنا معدومة ويحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فهمت إشارته؛ لأن إشارته بمنزلة نطقه كما في سائر أحكامه. الرابع: الإسلام فـ "لا" تقبل شهادة "كافر" بحال لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}, وقال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}, والكافر ليس بعدل ولا مرضي ولا هو منا إلا شهادة أهل الكتاب فى الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم لقوله سبحانه: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}. وهذا نص قد قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال أبو عبيد: قضى به ابن مسعود في زمن عثمان رضي الله عنه. الخامس: أن يكون من أهل العدالة. "فلا تقبل شهادة الفاسق" لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}, ويعتبر في العدالة شيئان: أحدهما الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض واجتناب المحارم بحيث لا يرتكب كبيرة ولا يدمن على صغيرة؛ ولأن الفاسق لا يؤمن منه شهادة الزور؛ لأن الله نص على الفاسق فقسنا عليه مرتكب الكبائر, وهي كل ما فيه حد أو وعيد واعتبرنا في مرتكب الصغائر الأغلب, فإذا كان الأغلب منه فعل الطاعات لم ترد شهادته, وإن كان الأغلب فعل الصغائر بحيث يصر عليها ردت شهادته؛ لأن الحكم للأغلب. بدليل قوله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} 1.
مسألة: "ولا" تقبل شهادة "مجهول الحال"؛ لأن العدالة شرط لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}, وقال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}, وهذا غير مرضي وهو غير معلوم العدالة فلا تقبل شهادته كالفاسق.
مسألة: "ولا" تقبل شهادة من يجر "إلى نفسه نفعا" بشهادته كشهادة السيد لمكاتبه والوارث لموروثه فإن المكاتب عبد لقوله عليه الصلاة والسلام: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" 2, فكأنه يشهد لنفسه لأن مال عبده له.
مسألة: "ولا تقبل شهادة من يدفع عن نفسه ضررا" كشهادة العاقلة بجرح شهود الخطأ
ـــــــ
1 سورة المؤمنون: الآية 102.
2 - رواه البخاري معلقا في المكاتب: 4- باب بيع المكاتب. ورواه أبو داود في المكاتب: حديث رقم 3926.

ولا شهادة والد وإن علا لولده ولا ولد لوالده ولا سيد لعبده ولا مكاتبه ولا شهادتهما له ولا أحد الزوجين لصاحبه
ـــــــ
لأنهم يدفعون عن أنفسهم الدية فلا تقبل للتهمة في ذلك.
مسألة: "ولا" تقبل "شهادة والد وإن علا لولده ولا" ولد "لوالده" وإن سفل فالولادة مانعة من الشهادة من العمودين سواء في ذلك الآباء والأمهات وآباؤهما وأمهاتهما, وعنه تقبل شهادة الابن لأبيه ولا تقبل شهادة الأب له؛ لأن مال الابن لأبيه أو في حكم ماله له أن يتملكه فشهادته له شهادة لنفسه أو يجر بها لنفسه نفعا قال عليه السلام: "أنت ومالك لأبيك"1, ولا يوجد هذا في شهادة الابن لأبيه, وعنه رواية ثالثة تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه فيما لا تهمة فيه كالنكاح والطلاق والقصاص والمال إذا كان مستغنيا عنه؛ لأن كل واحد منهما لا ينتفع بذلك فلا تهمة في حقه, وعن عمر تقبل شهادة بعضهم لبعض لأن الله تعالى قال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}, ودليل الأولى ما روى الزهري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر ولا ظنين في قرابة ولا ولاء" 2, والظنين: المتهم والأب متهم لولده لأن بينهما بضعة فكأنه يشهد لنفسه, وقال عليه السلام: "فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها". ولأنه متهم في الشهادة لولده كتهمة العدو في الشهادة على عدوه والابن كذلك لأنه وارث أبيه وأما الآية فنخصها بخبرنا فإنه أخص منها.
مسألة: "ولا" تقبل شهادة "سيد عبد لعبده" لأنه يشهد لنفسه؛ لأن ماله له, "ولا" تجوز شهادته لـ "مكاتبه" لذلك.
مسألة: "ولا" تجوز "شهادتهما له" يعني لا تجوز شهادة العبد ولا المكاتب لسيدهما؛ لأنهما متهمان في ذلك لأن العبد ينبسط في مال سيده ويتصرف فيه وتجب نفقته منه ولا يقطع بسرقته فلا تقبل شهادته له كالابن مع أبيه.
مسألة: "ولا" تجوز شهادة "أحد الزوجين لصاحبه" في إحدى الروايتين وتقبل في الأخرى؛ لأنه عقد على منفعة فلا يتضمن رد الشهادة كالإجارة, ودليل الأولى أن كل واحد منهما يرث صاحبه من غير حجب وينبسط في ماله عادة فهو متهم في حقه فلم تقبل شهادته له كالأب مع ابنه؛ ولأن يسار الرجل يزيد في نفقة امرأته ويسار المرأة يزيد به قيمة بضعها المملوك لزوجها فكان كل واحد منهما يجر إلى نفسه نفعا ولهذا يضاف مال كل واحد.
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - رواه الترمذي في الشهادات: حديث رقم 2298. وقال غريب.

ولا شهادة الوصي فيما هو وصي فيه ولا الوكيل فيما هو وكيل فيه ولا الشريك فيما هو شريك فيه ولا العدو على عدوه ولا معروف بكثرة الغلط والغفلة, ولا من لا مروءة له كالمسخرة وكاشف عورته للناظرين في حمام أو غيره, ومن شهد بشهادة يتهم في بعضها ردت كلها
ـــــــ
منهما إلى صاحبه قال الله سبحانه: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} الآية1, وقال تعالى: {لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} 2, فأضافها إليهن تارة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم تارة, وقال ابن مسعود للذي قال إن غلامي سرق مرآة امرأتي: عبدكم سرق مالكم ويفارق عقد الإجارة من هذا الوجوه.
مسألة: "ولا" تقبل "شهادة الوصي فيما هو وصي فيه" لأنه متهم في ذلك, "ولا الوكيل فيما هو وكيل فيه" لذلك, "ولا الشريك فيما هو شريك فيه" لأنه يشهد لنفسه.
مسألة: "ولا العدو على عدوه" لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه", رواه أبو داود3. والغمر: الحقد ولأن العداوة تورث التهمة فتمنع الشهادة كالقرابة القريبة, وتخالف الصداقة فإن شهادة الصديق لصديقه بالزور نفع غيره بمضرة نفسه وبيع آخرته بدنيا غيره, وشهادة العدو على عدوه يقصد بها نفع نفسه بالتشفي من عدوه فافترقا.
مسألة: "ولا من يعرف بكثرة الغلط والغفلة" لأنه لا يوثق بقوله لاحتمال أن يكون من غلطاته فربما شهد على غير من استشهد عليه أو بغير ما شهد به أو لغير من أشهده واعتبرنا كثرة الغلط لأن أحدا لا يسلم من الغلط في الجملة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو فلو منع الغلط القليل الشهادة لانسد باب الشهادات فاعتبرنا الغلط الكثير كما اعتبرنا كثرة المعاصي في الإخلال بالعدالة, إذا ثبت هذا فينبغي للشاهد أن يكون حافظا متيقظا ضابطا لما يشهد به لتحصل الثقة بقوله ويغلب على الظن صدقه.
مسألة: "ولا" تجوز شهادة "من لا مروءة له كالمسخرة وكاشف عورته للناظرين في" الـ "حمام أو غيره", والمصافع والمغني والرقاص؛ لأن ذلك سخف ودناءة فإذا استحسن هذا ورضيه لنفسه فلا مروءة له, ولا تحصل الثقة بقوله, وروى ابن مسعود قال: قال صلى الله عليه وسلم: "إنما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت" 4. أي: من لا يستحي صنع ما يشاء فإن صنع شيئا من ذلك متخفيا به لم يمنع قبول شهادته؛ لأن مروءته لا تسقط به.
مسألة: "ومن شهد بشهادة يتهم في بعضها ردت كلها" كشهادة الشريك لشريكه
ـــــــ
1 - سورة الأحزاب: الآية 33.
2 - سورة الأحزاب: الآية 53.
3 - رواه أبو داود في الأقضية: حديث رقم 3601.
4 - رواه البخاري في الأنبياء: حديث رقم 3483.

ولا يسمع في الجرح والتعديل ونحوها إلا شهادة اثنين, وإذا تعارض الجرح والتعديل قدم الجرح, وإن شهد شاهد بألف وآخر بألفين قضى له بألف
ـــــــ
والوارث لموروثه لأنه يشهد لنفسه وشهادته لنفسه لا تصح كذا ها هنا.
مسألة: "ولا يسمع في الجرح والتعديل والترجمة ونحوها إلا شهادة اثنين", وعنه تقبل من واحد وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه خبر لا يعبر فيه لفظ الشهادة فقبل من واحد كالرواية, ولنا أن الجرح والتعديل إثبات صفة من يبني الحاكم حكمه على صفته فاعتبر فيه العدد كالحضانة وفارق الرواية لبنائها على المساهلة ولا نسلم أنه لا يفتقر إلى لفظ الشهادة ويعتبر في الجرح والتعديل اللفظ فيقول في التعديل: أشهد أنه عدل ويكفي هذا, وإن لم يقل علي ولا لي لقوله سبحانه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}, فإذا شهد أنه عدل ثبتت عدالته عليه وله ودخل في عموم الآية وأما الترجمة فحكمها كذلك, فإذا تحاكم إلى القاضي أعجميان لا يعرف لسانهما فلا بد من مترجم عنهما ولا يقبل إلا من اثنين عدلين, وعنه تقبل من واحد وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز, وقال ابن المنذر في حديث زيد بن ثابت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود. قال: فكنت أكتب له إذا كتب إليهم وأقرأ له إذا كتبوا إليه؛ ولأنه لا يفتقر إلى لفظ الشهادة أشبه أخبار الديانات, ولنا أنه نقل ما خفي على الحاكم إليه فيما يتعلق بالمتخاصمين فوجب فيه العدد كالشهادة ويفارق أخبار الديانات؛ لأنها لا تتعلق بالمتخاصمين ولا نسلم أنه لا يعتبر لفظ الشهادة ولأن ما لا يفهمه الحاكم وجوده عنده كغيبته فإذا ترجم له كان كنقل الإقرار إليه من غير مجلسه ولا يقبل ذلك إلا من شاهدين كذا ها هنا, فعلى هذا تكون الترجمة شهادة تفتقر إلى العدد والعدالة ويعتبر فيها من الشروط ما يعتبر في الشهادة على الإقرار بذلك الحق فإن كان مما يتعلق بالحدود والقصاص اعتبر فيها الحرية, وإن كان مالا كفى ترجمة رجل وامرأتين وإن كان مما لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين لم يقبل إلا ترجمة رجلين, وإن كان حد زنا ففي الشهادة على الإقرار به روايتان إحداهما لا يكفي إلا شهادة أربعة, والثانية يكفي شهادة اثنين فالترجمة عن الإقرار به تخرج على وجهين ويعتبر في ذلك كله لفظ الشهادة؛ لأنه شهادة وإن قلنا يكتفي بواحد فلا بد من عدالته وتقبل من العبد لأنه من أهل الشهادة.
مسألة: "وإذا تعارض الجرح والتعديل قدم الجرح" قال مالك: ننظر أيهما أعدل, اللذان جرحاه أو اللذان عدلاه, ولنا أن الجارح معه زيادة علم خفيت على المعدل فوجب تقديمه؛ لأن التعديل يتضمن نفي الريبة والمحارم والجارح مثبت لوجود ذلك والإثبات مقدم على النفي, ولأن الجارح يقول: رأيته يفعل كذا وكذا ومستند المعدل أنه لم يره يفعل

وحلف مع شاهده على الألف الآخر إن أحب وإن قال أحدهما: ألف من قرض, وقال الآخر: من ثمن مبيع لم تكمل الشهادة, وإذا شهد أربعة بالزنا أو شهد اثنان على فعل سواه واختلفوا في المكان أو الزمان أو الصفة لم تكمل شهادتهم
ـــــــ
ذلك ويمكن صدقهما والجمع بين قوليهما بأن يكون الجارح رآه يفعل ذلك والمعدل لم يره.
مسألة: "وإن شهد شاهد بألف وآخر بألفين قضى له بألف وحلف مع شهادته على الألف الآخر إن أحب", وذلك أنه متى شهد أحد الشاهدين بشيء وشهد الآخر ببعضه صحت الشهادة وثبت ما اتفقا عليه وحكم بت, وعن أبي حنيفة أنه إذا شهد شاهد أنه أقر بألف وشهد آخر أنه أقر بألفين لم تصح الشهادة؛ لأن الإقرار بالألف غير الإقرار بالألفين ولم يشهد بكل إقرار إلا واحد, ولنا أن الشهادة كملت فيما اتفقا عليه فحكم به كما لو لم يزد أحدهما على صاحبه. فأما ما انفرد به أحدهما فإن للمدعي أن يحلف معه ويستحق وهو قول من يرى الحكم بشاهد ويمين.
مسألة: "وإن قال أحدهما: ألف من قرض, وقال الآخر: من ثمن مبيع لم تكمل الشهادة"؛ لأن كل واحد منهما شهد بغير ما شهد به الآخر, والمسأله الأولى فيما إذا أطلقا الشهادة أوعزواها إلى سبب واحد. فأما مع اختلاف الأسباب كما ذكرناه أو مع اختلاف الصفات مثل أن يشهد أحدهما بألف دينار وآخر بخمسمائة درهم, أو يشهد أحدهما بألف درهم بيض والآخر بخمسمائة سود لم تكمل البينة, لكن له أن يحلف معهما ويستحق ما شهدا به أو مع أحدهما ويستحق ما شهد به وحده. والله أعلم.
مسألة: "وإذا شهد أربعة بالزنا أو شهد اثنان على فعل سواه واختلفوا في المكان أو الزمان والصفة لم تكمل شهادتهم", وإذا شهد أربعة بالزنا واختلفوا في المكان والزمان مثل: ما إذا شهد اثنان أنه زنا بها في بيت وشهد اثنان أنه زنا بها في بيت آخر, أو شهد كل اثنين عليه بالزنا في بلد غير البلد الذي شهد به الآخران أو اختلفوا في الزمان مثل أن يشهد اثنان أنه زنا بها يوم الخميس ويشهد اثنان أنه زنا بها في يوم الجمعة أو اختلفوا في صفة الزنا فاثنان وصفاه على صفة واثنان لم يصفا شيئا إنما شهدا بظاهر الحال لم تكمل شهادتهم؛ لأنهم لم يشهدوا على فعل واحد فأشبه ما لو انفرد بالشهادة اثنان وحدهما, وحكي عن أحمد أنه يجب الحد على المشهود عليه فيما إذا اختلفا في المكان والزمان؛ لأن الشهادة قد كملت عليه وهو اختيار أبي بكر. قال أبو الخطاب: ظاهر هذه الرواية أنه لا يعتبر كمال الشهادة على فعل واحد, وهذا بعيد. قال القاضي: قال أبو بكر: لو شهد اثنان أنه زنا بها بيضاء وشهد اثنان أنه زنا بها وهي سوداء فهم قذفة, وهذا ينقض قوله.
باب الشهادة على الشهادة و الرجوع عنها...
باب الشهادة على الشهادة والرجوع عنها
تجوز الشهادة على الشهادة فيما يجوز فيه كتاب القاضي إذا تعذرت شهادة الأصل بموت أو غيبة أو مرض ونحوه بشرط أن يسترعيه شاهد الأصل فيقول أشهد
ـــــــ
باب الشهادة على الشهادة والرجوع عنها
مسألة: "وتجوز الشهادة على الشهادة فيما يجوز فيه كتاب القاضي إذا تعذرت شهادة الأصل بموت أو غيبة أو مرض" ويجوز كتاب القاضي في المال وما يقصد به المال كالبيع والإجارة والرهن والوصية له, وإنما كان كذلك لأن كتاب القاضي يتضمن الشهادة على القاضي فمهما جاز فيه جاز فيها والشهادة على الشهادة في الجملة جائزة بإجماع أهل العلم. قال أبو عبيد: أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة في الأموال؛ ولأن الحاجة داعية إليها فلو لم تقبل لبطلت الشهادة بالوقوف وما يتأخر إثباته عند الحاكم ثم بموت الشهود وفي ذلك ضرر على الناس ومشقة شديدة فوجب أن تقبل كشهادة الأصل.
مسألة: وإنما تقبل "إذا تعذرت شهادة الأصل" لموت أو مرض أوغيبة إلى مسافة قصر, وعنه لا تقبل إلا أن يموت شاهدا الأصل؛ لأنهما إذا كانا حيين رجي حضورهما فهما كالحاضرين, ودليل جوازها مع التعذر بالغيبة أنه قد تعذرت شهادة الأصل فجاز الحكم بشهادة الفرع كما لو ماتا, ويخالف الحاضرين فإنه لا عذر لهما, إذا ثبت هذا فذكر القاضي أن الغيبة أن يكون شاهد الأصل بموضع لا يمكنه أن يحضر للشهادة, ثم يرجع من يومه لأن على الشاهد في تكليفه لمثل ذلك ضررا, وقد قال الله سبحانه: {وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} 1, وإذا لم يكلف الحضور تعذر سماع شهادته فاحتيج إلى سماع شهادة الفرع, وقال أبو الخطاب: تعتبر مسافة القصر لأن ما دون ذلك في حكم الحاضر في الرخص وفي كون الأقرب من عصبات المرأة إذا كان فيها لم يزوج الأبعد ولا الحاكم, وإذا كان في مسافة القصر زوج غيره فكذا ها هنا.
مسألة: ولا يجوز لشاهد الفرع "أن" يشهد حتى "يسترعيه شاهد الأصل فيقول: اشهد على شهادتي أني أشهد أن فلانا" بن فلان قد عرفته بعينه واسمه ونسبه "أقر عندي أو أشهدني" على نفسه طوعا "بكذا", نص عليه أحمد رحمه الله تعالى, وإنما اشترط الاسترعاء لأنه إذا سمع شاهدا يقول أشهد لفلان على فلان بكذا احتمل أنه أراد أن له ذلك عليه من وعد فلم يجز أن يشهد مع الاحتمال بخلاف ما إذا استرعاه فإنه لا يسترعيه إلا على واجب.
ـــــــ
1 - سورة البقرة: الآية 282.

على شهادتي أني فلانا أقر عندي أو أشهدني بكذا ويعتبر معرفة العدالة في شهود الأصل والفرع, ومتى لم يحكم بشهادة الفرع حتى حضر شهود الأصل وقف الحكم على سماع شهادتهم, وإن حدث من بعضهم ما يمنع قبول الشهادة لم يحكم بها.
فصل
ومتى غير العدل شهادته فزاد فيها أو نقص قبل الحكم قبلت, وإن حدث منه ما يمنع قبولها بعد أدائها ردت وإن حدث ذلك بعد الحكم بها لم يؤثر, وإن رجع
ـــــــ
مسألة: "وتعتبر معرفة العدالة في شهود الأصل والفرع"؛ لأنهم شهود, ومن شرط الشهادة العدالة؛ لقوله سبحانه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}, وقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}.
مسألة: "ومتى لم يحكم بشهادة الفرع حتى حضر شهود الأصل وقف الحكم على سماع شهادتهم"؛ لأنه قدر على الأصل [قبل العمل بالبدل] فأشبه المتيمم إذا قدر على الماء قبل الشروع في الصلاة.
مسألة: "وإن حدث من بعضهم ما يمنع قبول الشهادة لم يحكم بها" يعني إن فسق شهود الأصل أو رجعوا عن الشهادة قبل الحكم لم يحكم بها؛ لأن الحكم ينبني على شهادتهما فأشبه ما لو فسق شهود الفرع أو رجعوا.
"فصل: ومتى غير العدل شهادته قبل الحكم بها فزاد فيها أو نقص قبلت", وذلك أن يشهد بمائة ثم يقول مائة وخمسون أو يقول بل لقي تسعون فإنه يقبل منه رجوعه ويحكم بما شهد به آخرا, وقيل تبطل شهادته وقيل يؤخذ بأول قبوله؛ لأنه أداها وهو غير متهم فلم يقبل رجوعه عنها كما لو اتصل بها الحاكم, ولنا أن شهادته الأخيرة شهادة من عدل غير متهم لم يرجع عنها فوجب أن يحكم بها كما لو لم يتقدمها ما يخالفها, وأما الأولى فلا يحكم بها لأنه رجع عنها فزالت برجوعه وهي شرط الحكم فيعتبر استمرارها إلى انقضائه.
مسألة: "وإن حدث منه ما يمنع قبولها بعد أدائها ردت وإن حدث ذلك بعد الحكم بها لم يؤثر" يعني: إذا فسق الشاهد قبل الحكم بشهادته لم يجز الحكم بها لأن من شرط الحكم بالشهادة العدالة وقد نص تعالى بقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}, وليس هذا بعدل فترد شهادته وإن كان فسقه بعد حكم الحاكم بشهادته لم ينقض الحكم لأن الحكم تم بشرطه لأن شرطه شهادة عدل وقد وجدت.
مسألة: "وإن رجع الشهود بعد الحكم بشهادتهم لم ينقض الحكم" لأنه تم بشرطه فلم

الشهود بعد الحكم بشهادتهم لم ينقض الحكم ولم يمنع الاستيفاء إلا في الحدود والقصاص وعليهم غرامة ما فات بشهادتهم بمثله إن كان مثليا وقيمته إن لم يكن مثليا ويكون ذلك بينهم على عددهم فإن رجع أحدهم فعليه حصته, وإن كان المشهود به قتلا أو جرحا فقالوا: تعمدنا فعليهم القصاص, وإن قالوا: أخطأنا غرموا الدية وأرش الجرح.
ـــــــ
يجز نقضه باحتمال الخطأ كما لو بان للحاكم أنه أخطأ في اجتهاده باجتهاد ثان وبيان احتمال الخطأ أنه يحتمل أن الشهود كذبوا في الرجوع لا في الشهادة, وإذا ثبت هذا فللمشهود له استيفاء الحق المالي سواء كان قائما أو تالفا لأن الحق ثبت له على المشهود عليه فكان له استيفاؤه كما لو لم يرجعوا عن الشهادة "إلا في الحدود والقصاص" إذا رجع الشهود قبل الاستيفاء [لم يجز الاستسفاء لأنه يدرأ بالشبهات و هذا من أعظمها, و إن رجعوا بعد الآستيفاء] وقالوا أخطأنا فعليهم دية ما تلف [بشهادتهم] لأنهم تسببوا إلى الجناية خطأ ولا تحملها العاقلة لأنها وجبت باعترافهما وهي لا تحمل ما وجب بالاعتراف.
مسألة: "وعليهم غرامة ما فات بشهادتهم بمثله إن كان مثليا أو قيمته إن لم يكن مثليا" للمشهود عليه لأنهم حالوا بينه وبين ماله بعدوان فلزمهم الضمان كما لو غصباه.
مسألة: "ويكون" الضمان "بينهم على عددهم" لأن الإتلاف حصل من جهتهم فأشبه ما لو غصبوه فإذا كانوا ثلاثة غرم كل واحد منهم ثلث الواجب "فإن رجع" منهم واحد غرم الثلث.
مسألة: "وإن كان المشهود به قتلا أو جرحا فقالوا تعمدنا فعليهم القصاص" لأنهم تسببوا إلى القتل العمد العدوان فلزمهم القصاص كما لو باشروا "وإن قالوا: أخطأنا غرموا الدية وأرش الجرح" ؛ لأنهم تسببوا إلى القتل الخطأ فلزمهم ضمانه بأرشه كما لو باشروا.

باب اليمين في الدعاوى
اليمين المشروعة في الحقوق هي اليمين بالله تعالى سواء كان الحالف مسلما
ـــــــ
باب اليمين في الدعاوى"اليمين المشروعة في الحقوق هي اليمين بالله تعالى سواء كان الحالف مسلما أو كافرا" لقوله سبحانه: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} 1, وقال: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ}, وقال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}, وقال النبي صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
1 - سورة المائدة: الآية 106.

أو كافرا ويجوز القضاء في الأموال وأسبابها بشاهد ويمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين, والأيمان كلها على البت إلا اليمين على نفي فعل غيره فإنها على نفي
ـــــــ
لركانة بن عبد يزيد في الطلاق: "آلله ما أردت إلا واحدة"؟ قال: والله ما أردت إلا واحدة, وسواء كان المدعى عليه مسلما أو كافرا عدلا أو فاسقا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحضرمي المدعي على الكندي: "ليس لك إلا يمينه". فقال الحضرمي: إنه رجل فاجر لا يبالي ما حلف عليه. قال: "ليس لك إلا ذلك منه" 1. إلا أن الكافر إن كان يهوديا قيل له: قل والله الذي أنزل التوراة على موسى وفلق البحر ونجاه من فرعون وملئه, وإن كان نصرانيا يقول: والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى وجعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص والمجوسي يقول: والله الذي خلقني ورزقني.
مسألة: "وتشرع اليمين في حقوق الآدمي لقول النبي صلى الله عليه وسلم": "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه" 2. متفق عليه, ولحديث الحضرمي والكندي, وقال أبو بكر: تشرع في كل حق لآدمي إلا في النكاح والطلاق؛ لأن هذا مما لا يحل بدله فلم يستحلف فيه كحقوق الله سبحانه ولأن الأبضاع مما يحتاط لها فلا تستباح بالنكول؛ لأنه ليس بحجة قوية لأنه سكوت مجرد يحتمل أن يكون للخوف من اليمين ويحتمل أن يكون للجهل بحقيقة الحال ويحتمل أن يكون لعلمه بصدق المدعي ومع هذه الاحتمالات لا ينبغي أن يقضي به فيما يحتاط له. قال أبو الخطاب: تشرع اليمين في كل حق إلا تسعة أشياء: النكاح والرجعة والطلاق والرق والولاء والإستيلاد والنسب والقذف والقصاص؛ لأن البدل لا يدخلها فلم يستحلف فيها كحقوق الله تعالى.
مسألة: "ويجوز القضاء في الأموال وأسبابها بشاهد ويمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين", رواه سعيد في سننه من حديث أبي هريرة قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد الواحد, وقال الترمذي: حديث حسن غريب, وقال النسائي: إسناد حديث ابن عباس في اليمين مع الشاهد إسناد جيد3. وقد سبق ذلك في أول باب الشهادات.
مسألة: "والأيمان كلها على البت" لأن النبي صلى الله عليه وسلم استحلف رجلا فقال: "قل والله والذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء". رواه أبو داود عن ابن عباس4؛ ولأن له طريقا إلى العلم فيلزمه القطع بنفيه.
مسألة: "إلا اليمين على نفي فعل غيره فإنها على نفي العلم" نص عليه وذكر حديث الشيباني عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تضطروا الناس في أيمانهم أن يحلفوا
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - سبق تخريجه.
3- سبق تخريجه.
4 - رواه أبو داود في الأيمان: حديث رقم 3275.

العلم وإذا كان للميت أو المفلس حق بشاهد فحلف المفلس أو ورثة الميت ثبت وإن لم يحلف فبذل الغرماء اليمين لم يستحلفوا وإذا كانت الدعوى لجماعة فعليه لكل واحد يمين, وإن قال: أنا أحلف يمينا واحدة لجميعهم لم يقبل منه إلا أن يرضوا, وإن ادعى واحد حقوقا على واحد فعليه في كل حق يمين
ـــــــ
على ما لا يعلمون", وفي حديث الحضرمي أحلفه, والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبها, رواه أبو داود1؛ ولأنه لا يمكن الإحاطة بنفي فعل غيره فلم يكلف ذلك وذكر ابن أبي موسى عنه أنه قال: على كل حال اليمين [على نفي العلم] فيما يدعي عليه في نفسه أو فيما يدعي عليه في ميته؛ وعنه في من باع سلعة فظهر المشتري على عيب فأنكره البائع: هل اليمين على علمه أو على البتات؟ على روايتين: إحداهما على البت لأنه يستحق الرد عليه بالعيب القديم سواء علمه أو لم يعلمه فإذا حلف على نفي علمه لم يلزم منه انتفاء استحقاق الرد بالعيب. والثانية: تجزيه اليمين على نفي العلم لأنه من فعل غيره أو أمر في غيره فأشبه ما لو ادعى عليه فعلا من موروثه, وروى الإمام أحمد أن ابن عمر باع زيد بن ثابت عبدا فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالما بعيبه فأنكره ابن عمر فتحاكما إلى عثمان فقال له عثمان: احلف أنك ما علمت به عيبا فأبى أن يحلف فرد عليه العبد.
مسألة: "وإذا كان للميت أو المفلس حق بشاهد فحلف المفلس أو ورثة الميت" معه "ثبت"؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين, أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب2.
مسألة: "وإن لم يحلفوا فبذل الغرماء اليمين لم يستحلفوا", وللشافعي في القديم يحلفون معه لأن حقوقهم تعلقت بالمال فكان لهم أن يحلفوا كالورثة يحلفون على مال موروثهم,ولنا أنهم يثبتون ملكا لغيرهم لتتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز كما لم يجز للزوجة أن تحلف لإثبات ملك زوجها لتعلق نفقتها به وفارق الورثة فإنهم يثبتون ملكا لأنفسهم.
مسألة: "وإذا كانت الدعوى لجماعة فعليه لكل واحد يمين" لأن لكل واحد منهم حقا فيلزمه لكل واحد يمين كما لو انفردوا "وإن قال: أنا أحلف يمينا واحدة لجميعهم لم يقبل منه إلا أن يرضوا بها" لأن الحق لهم لا يخرج عنهم.
مسألة: "وإن ادعى واحد حقوقا على واحد فعليه في كل حق يمين" كما لو كانت الحقوق على جماعة فإن على كل واحد يمينا كذا ها هنا
ـــــــ
1 - سبق تخريجه.
2 - سبق تخريجه.

وتشرع اليمين في كل حق لآدمي ولا تشرع في حقوق الله من الحدود والعبادات.
ـــــــ
مسألة: "وتشرع اليمين في كل حق لآدمي" بدليل ما سبق في أول الباب, "ولا تشرع في حقوق الله" سبحانه "من الحدود والعبادات" فما كان لله خالصا لا تسمع فيه الدعوى كحد الزنا و الخمر؛ لأن الدعوى في الشيء لمستحق له والله سبحانه هو المستحق لذلك فلا تسمع فيه دعوى ابن آدم, وأما العبادات كدعوى ساعي الزكاة على رب المال وأن الحول قد تم أو كمال النصاب فالقول قول رب المال من غير يمين؛ لأنه حق لله سبحانه أشبه الحد.

باب الإقرار
وإذا أقر المكلف الحر الرشيد الصحيح المختار بحق أخذ بت, من أقر بدراهم ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه,ثم قال: زيوفا أو صغارا أو مؤجلة لزمته جيادا وافية
ـــــــ
باب الإقرارمسألة: "الأصل في الإقرار قول الله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} إلى قوله: {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا} 1, وقال سبحانه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} 2, والاعتراف الإقرار, وقال تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}, وروي أن ماعزا أقر بالزنا فرجمه النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الغامدية وقال: "اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" 3, وأجمعوا على صحة الإقرار ولأن الإقرار إخبار على وجه تنتفي عنه التهمة والريبة فإن العاقل لا يكذب على نفسه كذبا يضرها, ولهذا كان آكد من الشهادة فإن المدعى عليه إذا اعترف لم تسمع عليه الشهادة وإنما تسمع إذا أنكر.
مسألة: "وإذا أقر المكلف الرشيد الحر الصحيح المختار بحق أخذ به", فأما الصبي والمجنون فلا يصح إقرارهما لا نعلم فيه خلافا؛ ولأنه لا قول لهما إلا أن يكون الصبي مأذونا له في البيع والشراء فيصح إقراره في قدر ما أذن له فيه كالبيع؛ لأنه صار فيه كالبالغ لأنه عاقل مختار أشبه البالغ ولا يصح فيما زاد لأنه فيه كمن لم يؤذن له أصلا وكذلك العبد المأذون له في التجارة لما ذكرنا.
مسألة: ولا يصح إلا من "رشيد" فأما المحجور عليه لسفه إذا أقر بمال لم يلزمه في حال حجره؛ لأنه محجور عليه بحظ نفسه فلا يصح إقراره بالمال كالصبي ولأنا لو قبلنا إقراره بالمال لبطل معنى الحجر ولأنه أقر بما هو ممنوع من التصرف فيه أشبه إقرار الراهن
ـــــــ
1 - سورة آل عمران: الآية 81.
2 - سورة التوبة: الآية 102.
3 - سبق تخريجه.

حالة وإن وصفها بذلك متصلا بإقراره لزمته كذلك وإن استثنى مما أقر به أقل من نصفه متصلا به صح استثناؤه وإن فصل بينها بسكوت يمكنه الكلام أو بكلام
ـــــــ
على الرهن فإن فك عنه الحجر لزمه ما أقر به لأنه مكلف أقر بما لا يلزمه في الحال فلزمه بعد فك الحجر عنه كالعبد يقر بدين والراهن يقر على الرهن بجناية ونحوها.
مسألة: "ويعتبر في صحة الإقرار الحرية" فإن أقر العبد غير المأذون له بمال لم يقبل في الحال؛ لأنه تصرف فيما هو حق لسيده ويتبع به بعد العتق عملا بإقراره على نفسه وعنه يتعلق برقبته كجنايته.
مسألة: "ويعتبر في صحة الإقرار الصحة" فلو أقر المريض مرض الموت المخوف بمال لغير وارث لم يصح في إحدى الروايتين بزيادة على الثلث؛ لأن ما زاد على الثلث تعلق به حق الورثة فلم يصح إقراره به, وفي الأخرى يصح لأنه غير متهم فيه, وإن أقر لوارث بدين لم يصح إقراره إلا ببينة إلا أن يجيز الورثة لأنه إيصال المال إلى الوارث فلم يصح كالوصية إلا أن يقر لزوجته بمهر مثلها فما دون فيصح لأن سببه ثابت وهو النكاح.
مسألة: "ويعتبر أن يكون مختارا" للإقرار فأما المكره فلا يصح إقراره كما لا يصح طلاقه لقوله عليه السلام: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه", رواه سعيد.
مسألة: "ومن أقر بدراهم ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه ثم قال زيوفا أو صغارا أو مؤجلة لزمته جيادا وافية حالة"؛ لأن إطلاقها يقتضي ذلك بدليل ما لو باعه بألف درهم وأطلق فإنها تلزمه كذلك فإذا سكت استقرت في ذمته كذلك فلا يتمكن من تغييرها.
مسألة: "وإن وصفها بذلك متصلا بإقراره لزمته كذلك" لأنه أقر بها كذلك فلزمه حكم إقراره لا غير, ويحتمل أنه إذا أقر بها مؤجلة أن تلزمه حالة لأن الأجل يمنع من استيفاء الحق في الحال وإن فسر الزيوف بما لا فضة فيه لم يقبل لأنه أثبت في ذمته شيئا وما لا قيمة له لا يثبت في الذمة وإن فسره بمغشوشة قبل لأنه يحتمل لفظه ذلك.
مسألة: "وإن استثنى مما أقر به أقل من نصفه متصلا صح استثناؤه" لأنه استثناء ما دون النصف وهو لغة العرب. قال الله سبحانه: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً} 1.
مسألة: "وإن فصل بينهما بسكوت يمكنه الكلام فيه أو بكلام أجنبي أو استثنى أكثر
ـــــــ
1 - سورة العنكبوت: الآية 14.

أجنبي أو استثنى أكثر من نصفه أو من غير جنسه لزمه كله, ومن قال: له علي دراهم ثم قال: وديعة لم يقبل قوله, ومن أقر بدراهم فأقل ما يلزمه ثلاثة إلا أن يصدقه المقر له في أقل منها ومن أقر بشيء مجمل قبل تفسيره بما يحتمله.
فصل
ولا يقبل إقرار غير المكلف بشيء إلا المأذون له من الصبيان في التصرف في قدر ما أذن له وإن أقر السفيه بحد أو قصاص أو طلاق أخذ بت, وإن أقر بمال لم يقبل إقراره وكذلك الحكم في إقرار العبد إلا أن يتعلق بذمته يتبع به بعد العتق إلا أن يكون مأذونا له في التجارة فيصح إقراره في قدر ما أذن له فيه
ـــــــ
من نصفه أو من غير جنسه لزمه كله" أما إذا فصل بينهما بسكوت أو كلام فإنه يلزمه الكل لأن الاستثناء بعد ذلك جحود بعد إقراره فلا يسمع, وأما إذا استثنى أكثر من النصف فلا يقبل لأنه ليس من لسان العرب. قال أبو إسحاق الزجاج: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير ولو قال مائة إلا تسعة وتسعين لم يكن متكلما بالعربية فلا يقبل, وإن استثنى من غير جنسه كقوله: له عندي مائة إلا ثوبا لم يقبل أيضا لأن الاستثناء صرف اللفظ بحرف الاستثناء عما كان يقتضيه لولاه من قولهم ثنيت عنان دابتي أي رددتها عن وجهها الذي كانت ذاهبة إليه, ولا يوجد هذا في غير الجنس ولأن الاستثناء من غير الجنس لا يكون إلا في الجحد بمعنى لكن والإقرار إثبات.
مسألة: "ومن قال: له علي دراهم ثم قال: وديعة لم يقبل قوله"؛ لأن ذلك على الإيجاب ويقتضي ذلك كونها في ذمته, ولهذا لو قال: ما على فلان علي كان ضامنا.
مسألة: "وإن قال: له عندي ثم قال: وديعة" قبل؛ لأنه فسر لفظه بما يقتضيه فقبل, كما لو قال: له عندي دراهم ثم فسرها بدين ولا نعلم في ذلك خلافا.
مسألة: "ومن أقر بدراهم فأقل ما يلزمه ثلاثة" لأنها أقل الجمع "إلا أن يصدقه المقر له في أقل منها" لأنه يقر على نفسه.
مسألة: "وإن أقر بشيء مجمل" كقوله: له علي شيء "قبل تفسيره بما يحتمله" فلو فسره بدرهم أو دونه صح لأنه يحتمله.
"فصل: ولا يقبل إقرار غير المكلف بشيء إلا المأذون له من الصبيان في التصرف في قدر ما أذن له", فيه وقد سبق ذلك في أول الباب.
مسألة: "وإن أقر السفيه بحد أو قصاص أو طلاق أخذ به" لأنه غير متهم في ذلك.

ويصح إقرار المريض بالدين لأجنبي ولا يصح إقراره في مرض الموت لوارث إلا بتصديق سائر الورثة, ولو أقر لوارث فصار غير وارث لم يصح وإن أقر له وهو غير وارث ثم صار وارثا صح إقراره, ويصح إقراره بوارث وإذا كان على الميت دين لم يلزم الورثة وفاؤه إلا إن خلف تركة فيتعلق دينه بها فإن أحب الورثة وفاء الدين وأخذ التركة فلهم ذلك, وإن أقر جميع الورثة بدين على مورثهم ثبت بإقرارهم وإن أقر به بعضهم ثبت بقدر حقه فلو خلف ابنين ومائتي درهم فأقر أحدهما بمائة دينار على أبيه لزمه خمسون درهما فإن كان عدلا وشهد بها فللغريم
ـــــــ
ولأنه غير محجور عليه في ذلك "وإن أقر بمال لم يقبل إقراره وكذلك العبد" وقد سبق ذلك أيضا "و" كذلك "إقرار المريض بالدين لأجنبي" ولو أقر لوارث ثم صار غير وارث لم يصح؛ لأنه متهم حال الإقرار وإن أقر لغير وارث فصار عند الموت وارثا صح؛ لأنه غير متهم نص عليه أحمد رحمه الله, وذكر أبو الخطاب في المسألتين رواية أخرى خلاف ما قلناه يعني يصح في الأولى, ويبطل في الثانية: لأنه معنى يعتبر فيه عدم الميراث فاعتبر بحال الموت كالوصية.
مسألة: "ويصح إقراره بوارث"؛ لأنه عند الإقرار غير وارث, وعنه لا يصح لأنه عند الموت وارث.
مسألة: "وإذا كان على الميت دين لم يلزم الورثة وفاؤه" كما لا يلزمهم وفاؤه في حياته "فإن خلف تركة تعلق دينه بها" بمنزلة المرتهن يتعلق دينه بالرهن فيقدم حقه على حق الراهن, كذلك التركة يتعلق دين الميت بها فتقدم على الميراث, "فإن أحب الورثة وفاء الدين وأخذ التركة" كان "لهم ذلك" كالراهن مع المرتهن إذا قضى الدين خلص له الرهن وإن لم يقضه بيع واستوفى المرتهن حقه كذا ها هنا.
مسألة: "وإن أقر جميع الورثة بدين على موروثهم ثبت بإقرارهم" لأنهم أقروا على أنفسهم وإقرار العاقل على نفسه لازم بغير خلاف نعلمه, ويلزمهم وفاؤه من التركة لأنه تعلق بها, "وإن أقر به بعضهم ثبت بقدر حقه" كما لو أقر بوصية "فلو خلف ابنين ومائتي درهم فأقر أحدهما بمائة دينار على أبيه لزمه خمسون درهما"؛ لأنه مقر على أبيه بدين ولا يلزمه أكثر من نصف دين أبيه لأنه مقر على نفسه وأخيه فقبل إقراره على نفسه دون أخيه, إلا أن يكون "عدلا فيحلف الغريم مع شهادته ويأخذ" مائة, وتكون المائة الباقية بين الابنين وإنما لزم الآخر الخمسون لأنه يرث نصف التركة فيلزمه نصف الدين؛ لأنه بقدر ميراثه ولو لزمه جميع الدين لم تقبل شهادته على أخيه لكونه يدفع بها عن نفسه ضررا؛ ولأنه يرث نصف التركة فيلزمه نصف الدين كما لو ثبت ببينة.

أن يحلف مع شهادته ويأخذ باقيها من أخيه, وإن خلف ابنا ومائة فادعى رجل مائة على أبيه فصدقه ثم ادعى آخر مثل ذلك فصدقه الابن فإن كانا في مجلس واحد فالمائة بينهما وإن كانا في مجلسين فهو للأول ولا شيء للثاني, وإن كان الأول ادعاها فصدقه الابن ثم ادعاها آخر فصدقه الابن فهي للأول ولا شيء للثاني ويغرمها لأنه فوتها عليه بإقراره
ـــــــ
مسألة: "وإن خلف ابنا ومائة فادعى رجل مائة على أبيه فصدقه ثم ادعى آخر مثل ذلك فصدقه الابن فإن كانا في مجلس واحد فالمائة بينهما"؛ لأن حكم المجلس الواحد حكم الحال الواحد بدليل القبض فيما يعتبر فيه القبض, وإن كان الفسخ في البيع ولحوق الزيادة في العقد فكذلك في الإقرار, "وإن كانا في مجلسين فهي للأول"؛ لأنه استحق تسليمها كلها بالإقرار له فلا يقبل إقرار الورثة بما يسقط حقه؛ لأنه إقرار بحق على غيره لأنه يقر بتعلق حق الثاني بالتركة التي تعلق بها حق الأول واستحقاقه لمشاركته فيها ومزاحمته عليها وإقراره على غيره لا يقبل.
مسألة: "وإن كان الأول ادعاها" وديعة "فصدقه الابن ثم ادعاها آخر فصدقه الابن فهي للأول ولا شيء للثاني ويغرمها" له "لأنه فوتها عليه بإقراره" للأول فقد حال بينه وبين ماله الذي أقر له به فلزمه غرمه كما لو أقر له به ثم أتلفه, وإن أقر بها لهما معا فهي بينهما وإن أقر بها لأحدهما وحده فهي له ويحلف للآخر أنه لا يعلم أنها له وإن نكل قضى عليه بالغرم؛ لأن النكول كالإقرار في الحكم ولو أقر لزمه الغرم فكذلك إذا نكل عن اليمين والله تعالى أعلم بالصواب.
آخر الكتاب والحمد لله رب العالمين
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 .جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق