نزل تشريع الطلاق في سورتين علي مرحلتين متتابعتين تاريخيا 1. سورة البقرة في العام 1 أو 2هجري وتوابعه في سورة النساء والاحزاب وبعض المواضع المتفرقة بين سورة البقرة وسورة الطلاق { في الخمسة اعوام الاولي بعد الهجرة} وبيانات قاعدته في هذه المواضع التلفظ بالطلاق ثم الاعتداد استبراءا ثم التسريح. * 2.ثم نزل التشريع الاخير المحكم في العام 6 او7 هجري بترتيب تشريعي معكوس وبعلم الله الباري في سورة الطلاق في العامين السادس6. او السابع7. الهجري فؤمر كل من يريد التطليق عكس موضعي الطلاق بالعدة والعدة بالطلاق
**
لماذا هذا الاجحاف والظلم الا تعلم ان الظلم ظلمات يوم
القيامة وان الله لا يحب الظالمين وان الظالمين لهم عذاب مقيم يعني جهنم
ابدا لا يخرج الظالمون ابدا من
جهنم **** -------------------------
السبت، 31 يناير 2026
مَعركةُ المَذارِ وهَزيمةُ الفُرْسِ بقِيادةِ خالدِ بن الوَليد . العام الهجري : 12 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 633
مَعركةُ المَذارِ وهَزيمةُ الفُرْسِ بقِيادةِ خالدِ بن الوَليد .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 633 .
تفاصيل الحدث:
كتَب هُرمُز إلى أَرْدَشِير وشِيرَى بخبرِ مَسِيرِ خالدٍ إليه مِن اليَمامةِ، فأَمَدَّهُ بقارَن بن قِرْيانِس، فخرَج قارَنُ مِن المدائن حتَّى إذا انتهى إلى المَذارِ بَلَغَتْهُ الهَزيمةُ، فعَسْكَرَ قارَنُ وفُلولُ الفُرْس بالمَذارِ بالقُربِ مِن نهرِ دِجْلة، واستعمَل على مُجَنِّبَتِهِ قُباذَ وأَنُوشَجان، ولمَّا انتهى الخبرُ إلى خالدٍ عن قارَن قسَمَ الفَيءَ على مَن أفاءَهُ الله عليه، ونَفَّلَ مِن الخُمُسِ ما شاء الله، وبعَثَ ببَقِيَّتِهِ وبالفتحِ إلى أبي بكرٍ. ثمَّ خرَج خالدٌ سائرًا حتَّى نزَل المَذارَ على قارَن في جُموعِه، فالتقَوْا وخالدٌ على تَعْبِيَتِهِ، فاقتتلوا على حَنَقٍ وحَفِيظَةٍ، وخرَج قارَنُ يدعو للبِرازِ، فبرَز له خالدٌ وأبيضُ الرُّكْبان مَعْقِلُ بن الأَعْشى فابْتدَراهُ، فَسَبَقَهُ إليه مَعْقِلٌ فقَتَلَهُ، وقتَل عاصمُ بن عَمرٍو الأَنُوشَجانَ، وقتَل عَدِيُّ بن حاتم قُباذَ, وقُتِلَت فارسٌ مَقتَلةً عظيمةً، فرَكِبَ الفُرْسُ السُّفُنَ، ومنعت المياهُ المسلمين مِن طَلَبِهم، وأقام خالدٌ بالمَذارِ، وسَلَّمَ الأسلابَ لمن سَلَبَها بالغةً ما بَلغَت، وقَسَم الفَيْءَ، ونَفَّلَ مِن الأخماسِ أهلَ البَلاءِ، وبعَث ببَقِيَّةِ الأخماسِ، وقِيلَ: قُتِلَ ليلةَ المَذارِ ثلاثون ألفًا سِوَى مَن غرَق، ولولا المياهُ لأُتِيَ على آخرِهم، ولم يُفْلِتْ منهم مَن أَفْلَت إلَّا عُراةً وأشباهَ العُراةِ. ثمَّ أخَذ خالدٌ يَسْبِي ذَراريَّ المُقاتِلة ومَن أعانهم، وأَقرَّ الفلَّاحين ومَن أجاب إلى الخَراجِ مِن جميعِ النَّاسِ بعدَ ما دُعوا، وكلُّ ذلك أُخِذَ عَنْوَةً ولكن دُعوا إلى الجزاءِ، فأجابوا وتَراجَعوا، وصاروا أهلَ ذِمَّةٍ، وصارت أرضُهم لهم. وكان في السَّبْيِ حبيبٌ أبو الحسنِ -يعني أبا الحسنِ البَصْريَّ- وكان نَصرانِيًّا.
فَتْحُ الحِيرَةِ بقِيادةِ خالدِ بن الوَليد .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 633
تفاصيل الحدث:
كان الآزاذِبَةُ مَرْزُبان الحِيرَةِ أي حكام الحيرة, فلمَّا أَخرَب خالدٌ أَمْغِيشِيا عَلِم الآزاذبةُ أنَّه غيرُ مَتروكٍ، فأخذ في أَمْرهِ وتَهيَّأ لحربِ خالدٍ، لمَّا تَوجَّه خالدٌ إلى الحِيرَةِ وحمَل الرِّحالَ والأثقالَ في السُّفُنِ أَرسلَ الآزاذبةُ ابنَهُ لِيقطَعَ الماءَ عن السُّفُنِ, فتعَجَّلَ خالدٌ في خَيلٍ نحو ابنِ الأزاذبةِ فلَقِيَهُ على فُراتِ بادِقْلَى، فقتَلهُ وقتَل أصحابَهُ، وسار نحو الحِيرَةِ، فهرَب منه الآزاذبةُ، وكان قد بَلغَهُ مَوتُ أَرْدَشِير وقتلُ ابنِه، فهرَب بغيرِ قِتالٍ، فتَحصَّنَ أهلُ الحِيرَةِ فحصَرهُم في قُصورِهم. دخل خالدٌ الحِيرَةَ، وأَمَر بكلِّ قَصْرٍ رجلًا مِن قُوَّادِه يُحاصِر أهلَهُ ويُقاتِلهم، فعَهِدَ خالدٌ إلى أُمرائِهِ أن يَبدءوا بِدَعوَتِه إحدى ثلاثٍ، فإن قَبِلوا قَبِلوا منهم، وإن أَبَوْا أن يُؤَجِّلوهم يومًا، وقال: لا تُمَكِّنوا عَدُوَّكُم مِن آذانِكُم فيَتربَّصوا بِكُم الدَّوائرَ، ولكن ناجِزوهُم ولا تُرَدِّدوا المسلمين عن قِتالِ عَدُوِّهِم. فلمَّا دَعَوْهُم أَبَوْا إلَّا المُنابذَةِ, فنَشَبَ القِتالُ وأَكثرَ المسلمون القتلَ فيهم، فنادى القِسِّيسون والرُّهْبانُ: يا أهلَ القُصورِ، ما يقتلنا غيرُكم. فنادى أهلُ القُصورِ: يا مَعشرَ العربِ، قد قَبِلْنا واحدةً مِن ثلاثٍ، فادعوا بنا وكُفُّوا عَنَّا حتَّى تُبلِّغونا خالدًا. فخرَج قائدٌ مِن كلِّ قصرٍ، فأُرسلوا إلى خالدٍ، مع كلِّ رجلٍ منهم ثِقَةٌ، لِيُصالح عليه أهلَ الحِصْن، فخلا خالدٌ بأهلِ كلِّ قصرٍ منهم دون الآخرين، وقد حاوَر خالدُ بن الوَليد أحدَ رُؤسائِهم وهو عَمرُو بن عبدِ المَسيحِ ابنُ بُقَيْلَةَ، وكان مع خادمِه كِيسٌ فيه سُمٌّ، فأخَذهُ خالدٌ ونَثَرَهُ في يَدِهِ وقال: لِمَ تَستَصْحِب هذا؟ قال: خشيتُ أن تكونوا على غيرِ ما رأيتُ، فكان الموتُ أحبَّ إليَّ مِن مَكروهٍ أُدْخِلُه على قَومي.
معركة ألِّيس وهزيمة نصارى العرب والفرس بقيادة خالد بن الوليد .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 633
تفاصيل الحدث:
لمَّا أصاب خالدٌ يومَ الوَلَجَةِ ما أصاب مِن نَصارى بكرِ بن وائلٍ الذين أعانوا الفُرْسَ غَضِبَ لهم نَصارى قَوْمِهم، فكاتَبوا الفُرْسَ، واجتمعوا على أَلَّيْس وعليهم عبدُ الأسودِ العِجْليُّ وكتَبَ أَرْدَشِير إلى بهمن جاذُوَيْهِ يأمُرهُ بالقُدومِ على نَصارى العربِ بأُلَّيْس، فقَدِمَ بهمن جاذُوَيْهِ جابانَ إليهم، فاجتمع على جابان نَصارى العربِ مِن أهلِ الحِيرَةِ. وكان خالدٌ لمَّا بَلغَهُ تَجَمُّعُ نَصارى بكرٍ وغيرِهم سار إليهم ولا يَشعُرُ بِدُنُوِّ جابان. فلمَّا طلَع جابانُ بأُلَّيْس قالت العَجَمُ له: أَنُعاجِلُهُم أم نغدي النَّاس ولا نُريهِم أَنَّا نَحْفَلُ بهم، ثمَّ نُقاتِلهم؟ فقال جابانُ: إن تَركوكُم فتَهاوَنوا بهم. فعَصَوْهُ وبَسَطوا الطَّعامَ، وانتهى خالدٌ إليهم وحطَّ الأثقالَ، فلمَّا وُضِعت تَوجَّه إليهم، وطلَب مُبارزةَ عبدِ الأسودِ وابنِ أَبْجَرَ ومالكِ بن قيسٍ، فبرَز إليه مالكٌ مِن بينهم، فقَتلَهُ خالدٌ وأَعجَل الأعاجمَ عن طعامِهم. فقال لهم جابانُ: حيث لم تَقدِروا على الأكلِ فسُمُّوا الطَّعامَ، فإن ظَفرتُم فأَيْسَرُ هالِكٍ، وإن كانت لهم هَلكوا بأَكْلِهِ. فلم يفعلوا، واقتتلوا قِتالًا شديدًا، والمشركون يَزيدُهم ثُبوتًا تَوقُّعُهم قُدومِ بهمن جاذُوَيْهِ، فصابَروا المسلمين، فقال خالدٌ: اللَّهمَّ إن هَزمتَهُم فعَلَيَّ أن لا أَسْتَبْقِي منهم مَن أَقدِر عليه حتَّى أُجري مِن دمائهِم نَهرَهُم. فانهزمت فارِسُ فنادى مُنادي خالدٍ: الأُسَراءُ الأُسَراءُ، إلَّا مَن امتنع فاقتلوه. فأقبل بهم المسلمون أُسَراء، ووَكَّل بهم مَن يَضرِب أعناقَهُم يومًا وليلةً. فقال له القَعْقاعُ وغيرُه: لو قتلتَ أهلَ الأرضِ لم تَجْرِ دِماؤهُم، فأَرْسِلْ عليها الماءَ تَبَرَّ يَمينُك، ففعَل فَسالَ النَّهرُ دَمًا عَبيطًا، فلذلك سُمِّيَ نَهْرَ الدَّمِ إلى اليومِ، ووقَف خالدٌ على الطَّعامِ وقال للمسلمين: قد نَفَّلْتُكُموه، فتَعشَّى به المسلمون، وجعَل مَن لم يَرَ الرِّقاقَ يقول: ما هذه الرِّقاقُ البِيضُ؟
فَتْحُ الأَنْبارِ في مَعركةِ ذاتِ العُيونِ بقِيادةِ خالدِ بن الوَليد .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : ربيع الآخر العام الميلادي : 633
تفاصيل الحدث:
رَكِبَ خالدٌ في جُيوشِه بعد فتحِ الحِيرَةِ حتَّى انتهى إلى الأنبارِ وعليها قائدٌ يُقال له: شِيرَزاذ، فأحاط بها خالدٌ، وعليها خندقٌ وحوله أَعرابٌ مِن قَومِهم على دينهم، واجتمع معهم أهلُ أرضِهم، ولمَّا تَواجَه الفَريقانِ أَمَر خالدٌ أصحابَه فَرَشقوهم بالنِّبال حتَّى فَقَأوا منهم ألفَ عَيْنٍ، وسُمِّيَت هذه الغزوة ذات العُيونِ، فراسل شِيرَزاذ خالدًا في الصُّلْحِ، فاشْتَرط خالدٌ أُمورًا فامْتَنع شِيرَزاذ مِن قُبولِها، فتَقدَّم خالدٌ إلى الخندقِ فاسْتَدعى بردايا الأموالِ مِن الإبلِ فذبَحها حتَّى ردَم الخندقَ بها وجاز هو وأصحابُه فوقَها، فلمَّا رأى شِيرَزاذ ذلك أجاب إلى الصُّلحِ على الشُّروط التي اشتَرطها خالدٌ، وسأَله أن يَرُدَّهُ إلى مَأْمَنِهِ فوَفَّى له بذلك، وخرج شِيرَزاذ مِن الأنبارِ وتَسلَّمَها خالدٌ، فنَزَلها واطْمَأنَّ بها، وتَعلَّم الصَّحابةُ ممَّن بها مِن العربِ الكِتابةَ العَربيَّةَ، ثمَّ صالَح خالدٌ أهلَ البَوازِيج وكَلْواذَى.
وَقعةُ عَيْنِ التَّمْرِ وهَزيمةُ العَربِ المُوالين للفُرْسِ بقِيادةِ خالدِ بن الوَليد .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : ربيع الآخر العام الميلادي : 633
تفاصيل الحدث:
لمَّا فَرَغَ خالدُ بن الوَليد مِن الأنبارِ واسْتَحكَمت له اسْتخلَف على الأنبارِ الزِّبْرِقانَ بن بدرٍ، وقصَد عَيْنَ التَّمْرِ، وبها يَومئذٍ مِهرانُ بن بَهْرامَ جُوبِينَ في جَمْعٍ عظيمٍ مِن العَجَمِ، وعَقَّةُ بن أبي عَقَّةَ في جَمْعٍ عظيمٍ مِن العَرَبِ مِن النَّمِرِ وتَغْلِبَ وإيادٍ ومَن لاقاهُم فلمَّا سمِعوا بخالدٍ قال عَقَّةُ لمِهرانَ: إنَّ العربَ أعلمُ بقِتالِ العربِ، فدَعْنا وخالدً.، قال: صدقتَ، لَعَمْري لأنتم أعلمُ بقِتالِ العربِ، وإنَّكم لَمِثْلِنا في قِتالِ العَجَمِ -فخدَعهُ واتَّقى به- وقال: دُونَكُمُوهُم، وإن احْتجتُم إلينا أَعنَّاكُم. فقالت الأعاجِمُ له: ما حمَلَك على هذا؟ فقال: إن كانت له فهي لكم، وإن كانت الأُخرى لم تَبلُغوا منهم حتَّى تَهِنُوا، فنُقاتِلهم وقد ضَعُفوا. فلَزِمَ مِهرانُ العَيْنَ، ونزَل عَقَّةُ لخالدٍ على الطَّريقِ، فقَدِمَ عليه خالدٌ وهو في تَعبِئَةِ جُنْدِهِ، فعَبَّى خالدٌ جُنْدَهُ وقال لِمُجَنِّبَتَيْهِ: اكْفونا ما عنده، فإنِّي حاملٌ. ووَكَّلَ بِنَفْسِه حَوامِيَ، ثمَّ حمَل وعَقَّةُ يُقيمُ صُفوفَهُ، فاحْتضَنَهُ فأَخذَهُ أسيرًا، وانهزَم صَفُّهُ مِن غيرِ قِتالٍ، فأكثروا فيهم الأَسْرَ، واتَّبَعَهُم المسلمون، ولمَّا جاء الخبرُ مِهرانَ هرَب في جُنْدِه، وترَكوا الحِصْنَ، ولمَّا انتهت فُلَّالُ عَقَّةَ مِن العَربِ والعَجَمِ إلى الحِصْنِ اقتحَموه واعتَصموا به، وأقبَل خالدٌ في النَّاس حتَّى ينزِلَ على الحِصْنِ ومعه عَقَّةُ أَسيرٌ، وعَمرُو بن الصَّعِقِ، وهُم يَرجون أن يكونَ خالدٌ كَمَنْ كان يُغِيرُ مِن العربِ، فلمَّا رَأوه يُحاوِلهم سألوه الأمانَ، فأَبَى إلَّا على حُكمِه، وأَمَر خالدٌ بِعَقَّةَ وكان خَفيرَ القَومِ فضُرِبت عُنقُه لِيُوئسَ الأُسَراء مِن الحياةِ، ولمَّا رآه الأُسَراءُ مَطروحًا على الجِسْرِ يَئسوا مِن الحياةِ، ثمَّ دَعا بعَمرِو بن الصَّعِقِ فضرَب عُنقَه، وضرب أعناقَ أهلِ الحِصْن أجمعين، وسَبَى كلَّ مَن حَوى حِصْنُهم، وغَنِمَ ما فيه، ووجد في بِيعَتِهم أربعين غُلامًا يَتَعلَّمون الإنجيلَ، عليهم بابٌ مُغلقٌ، فكَسرَهُ عنهم، وقال: ما أنتم؟ قالوا: رَهْنٌ، فقَسَمَهم في أهلِ البلاءِ، منهم نُصَيرٌ أبو موسى بن نُصيرٍ، وسِيرينُ أبو محمَّدِ بن سِيرينَ.
انتصارُ المسلمين في مَعركةِ الحُصَيْدِ والخَنافِسِ والمُصَيَّخِ .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : شعبان العام الميلادي : 633
تفاصيل الحدث:
بعد أن انصرفَ خالدٌ مِن عَيْنِ التَّمْرِ أقام بدُومَة الجَندلِ فظَنَّ الفُرْسُ أنَّه قد غادَر العِراقَ مُتوجِّهًا إلى الجَزيرةِ العربيَّة مع القسم الأكبر مِن قُوَّاتِه، فأرادوا طَرْد قُوَّاتِه مِن العِراق، واستعادَة الأراضي التي فتَحها المسلمون؛ فطَمِع الأعاجمُ، وكاتَبَهم عربُ الجَزيرةِ غضبًا لِعَقَّةَ، فخرَج زرمهر وروزبه يُريدان الأنبارَ، واتَّعدا حُصيدًا والخَنافِسَ، فسمِع القعقاعُ بن عَمرٍو وهو خَليفةُ خالدٍ على الحِيرَةِ، فأرسل أَعْبَدَ بن فَدَكِيٍّ وأَمَره بالحُصيدِ (وادٍ بين الكوفة والشام)، وأرسَل عُروةَ بن الجَعْدِ البارقيَّ إلى الخَنافِسِ، ورجَع خالدٌ مِن دُومة إلى الحِيرَةِ وهو عازِمٌ على مُصادَمَةِ أهلِ المدائن مَحَلَّةِ كِسرى، لكنَّه كَرِهَ أن يَفعلَ ذلك بغيرِ إذن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وشَغلَه ما قد اجتمع مِن جُيوش الأعاجمِ مع نَصارى الأعرابِ يُريدون حَربَهُ، فبعَث القعقاعَ بن عَمرٍو أميرًا على النَّاس، فالْتَقَوْا بمكانٍ يُقال له: الحُصيد، وعلى العجمِ رجلٌ منهم يُقال له: روزبه، وأَمَدَّهُ أميرٌ آخرٌ يُقال له: زرمهر، فاقتتلوا قِتالًا شديدًا، وهُزِم المشركون وقتَل منهم المسلمون خلقًا كثيرًا، وقَتَل القَعقاعُ بِيَدِهِ زرمهر، وقَتَل رجلٌ يُقال له: عِصْمَةُ بن عبدِ الله الضَّبِّيُّ روزبه. وغَنِمَ المسلمون شيئًا كثيرًا، وهرَب من هرَب مِن العجمِ، فلَجأوا إلى مكان يُقال له: خَنافِس، فسار إليهم أبو ليلى بن فَدَكِيٍّ السَّعديُّ، فلمَّا أحسُّوا بذلك ساروا إلى المُصَيَّخِ، وعندما وصل أبو ليلى إلى الخَنافِس وجدَها خالية مِن الفُرْس، فأقام بها مُدَّةً، ثمَّ أرسل إلى خالدِ بن الوَليد يُنهي إليه أنباءَ استيلائِه على المدينةِ، ويُخبِرهُ بفِرارِ الفُرْس إلى المُصَيَّخ، فلمَّا استقرَّ الفُرْسُ بالمُصَيَّخ بمن معهم مِن الأعاجم والأعارِب قصَدهم خالدُ بن الوَليد بمَن معه مِن الجُنود، وقَسَّم الجيشَ ثلاث فِرَقٍ، وأغار عليهم ليلًا وهُم نائِمون فأَنامَهُم، ولم يُفْلِت منهم إلَّا اليَسيرُ فما شُبِّهُوا إلَّا بِغَنَمٍ مُصَرَّعَةٍ.
مَعركةُ الفِراضِ وهَزيمةُ الرُّوم بقِيادةِ خالدِ بن الوَليد .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
سار خالدُ بن الوَليد رضِي الله عنه بجُيوشِه المُجتمعَة إلى الفِراض على تُخوم الشَّام والعِراق والجَزيرة، وتَعاوَن الفُرْسُ والرُّومُ ضِدَّ المسلمين, فأقام هنالك شهرَ رمضانَ مُفْطِرًا لِشُغلِه بالأعداءِ، ولمَّا بلَغ الرُّومَ أمرُ خالدٍ ومَصيرُهُ إلى قُرْبِ بِلادِهم حَمُوا وغَضِبوا وجَمَعوا جُموعًا كثيرةً، ثمَّ ناهَدوا خالدًا فحالت الفُراتُ بينهم، فقالت الرُّومُ لخالدٍ: اعْبُرْ إلينا. وقال خالدٌ للرُّومِ: بل اعْبُروا أنتم. فعَبَرت الرُّومُ إليهم، فاقتتلوا هنالك قِتالًا عظيمًا بليغًا، ثمَّ هزَم الله جُموعَ الرُّومِ وتَمَكَّنَ المسلمون مِن اقْتِفائِهم، فقُتِلَ في هذه المعركةِ مِن الفُرْسِ والرُّومِ والعَربِ المُتَنَصِّرَةِ أكثر مِن مائةِ ألفٍ، وأقام خالدٌ بعدَ ذلك بالفِراضِ عشرةَ أيَّام، ثمَّ رَتَّبَ لرُجوعِ جَيشِه للحِيرَةِ، ثمَّ اتَّجَه مع بعضِ جُنْدِه للحَجِّ دون عِلْمِ أَحدٍ بهم.
حَجَّةُ خالدِ بن الوَليد رضِي الله عنه أثناءَ عَودةِ جَيشِه مِن الفِراضِ إلى الحِيرَةِ .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
أقام خالدُ بن الوَليد بالفِراضِ عشرةَ أيَّامٍ، ثمَّ أَذِنَ بالقُفولِ إلى الحِيرَةِ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِن ذي القَعدةِ، وأَمَر عاصمَ بن عَمرٍو أن يَسيرَ في المُقدِّمة، وأَمَر شَجَرةَ بن الأعَزِّ أن يَسيرَ في السَّاقَةِ، وأظهرَ خالدٌ أنَّه يَسيرُ في السَّاقَةِ, ثمَّ انطلق في كَوْكَبَةٍ مِن أصحابِه، وقصَد شَطْرَ المسجدِ الحرامِ، وسار إلى مكَّةَ في طريقٍ لم يُسْلك قبلَهُ قَطُّ، وتَأتَّى له في ذلك أَمرٌ لم يقع لغيرِهِ، فجعَل يَسيرُ مُعْتَسِفًا على غيرِ جادَّةٍ، حتَّى انتهى إلى مكَّةَ فأدرك الحَجَّ, ثمَّ عاد فأدرك أَمْرَ السَّاقَةِ قبلَ أن يَصِلوا الحِيرَةَ، ولم يَعلمْ أبو بكرٍ الصِّدِّيق بذلك أيضًا إلَّا بعدَ ما رجَع أهلُ الحَجِّ مِن المَوْسِم، فبعَث يَعْتِبُ عليه في مُفارقتِه الجيشَ، وأَمرهُ بالذِّهابِ إلى الشَّامِ مُمِدًّا جُموعَ المسلمين.
وَقعةُ النَّمارِق وهَزيمةُ الفُرْسِ بقِيادةِ أبي عُبيدِ بن مَسعودٍ الثَّقفيِّ .
العام الهجري : 13 العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
بعَث رُسْتُم جيشًا لِقِتالِ أبي عُبيدِ بن مَسعودٍ الثَّقفيِّ فالْتَقَى الطَّرفانِ في النَّمارِقِ بين الحِيرَةِ والقَادِسِيَّةِ، وكان على خَيلِ المسلمين المُثَنَّى بن حارِثةَ، فهزَم الفُرْسَ وهَربوا وساروا إلى كَسْكَر فلَحِقَهم أبو عُبيدٍ ثمَّ هزَمهم ثانيةً وفَرَّ الفُرْسُ إلى المدائنِ. وجمَع المسلمون الغَنائمَ مِن كَسْكَر، فرَأَوْا مِن الأَطعِمَة شيئًا عظيمًا، فاقْتَسموهُ وجعلوا يُطعِمونه الفلَّاحين، وبَعثوا بخُمُسِه إلى عُمرَ وكتبوا إليه: إنَّ الله أَطعمَنا مَطاعِم كانت الأكاسِرةُ يَحمونها، وأحببنا أن تَرَوْها، ولِتَذكروا إنعامَ الله وإفْضالَه.
خالدُ بن الوَليد يُشارك في فَتحِ بُلدانِ الشَّام .
العام الهجري : 13 العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
كان أبو بكرٍ قد أَمَر خالدَ بن الوَليد بعدَ أن انتهى مِن الفِراض بالانتقالِ إلى الشَّامِ؛ لِمُساندةِ جُيوشِ الفَتحِ هناك، فسار خالدٌ مِن الفِراض حتَّى وصل اليَرْموكَ وجاء كِتابُ عُمَر بعدَ اليَرْموك: أن ابْدَؤوا بِدِمشقَ فإنَّها حِصْنُ الشَّام. ولمَّا وصلت جُيوشُ المسلمين دِمشقَ شَدَّدوا الحِصارَ عليها سبعين يومًا، طَوَّقوها مِن جِهاتِها كُلِّها، ومَنعوا المَدَدَ إليها، فانْكَسرت حَمِيَّتُهم وفُتِحَت المدينةُ بعدَ أن تمَّ احْتِلال الغُوطةِ منعًا للإمدادات، ووُلِّيَ عليها يَزيدُ بن أبي سُفيانَ، ثمَّ سار المسلمون إلى فِحْلٍ، ثمَّ إلى حِمْصَ، ثمَّ إلى قِنَّسْرِينَ واللَّاذِقِيَّةِ وحَلَب.
إجْلاءُ اليَهودِ والنَّصارى مِن جَزيرةِ العَربِ .
العام الهجري : 13 العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
كان الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم قد أَجْلى اليَهودَ مِن المدينة تِباعًا؛ وذلك لِنَقْضِهم العُهود، واسْتِثارتِهم الفِتَن والحُروب، وقد كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (لا يَجتَمِع دِينانِ في أرضِ العَربِ). وكانت اليَهودُ قد اسْتقرَّت في خَيبرَ وما حولها بعدَ جَلائِهم مِن المدينةِ، وبقوا على ذلك حتَّى قام عُمَر بإجلائِهم مِن خَيبرَ إلى الشَّامِ عملًا بحَديثِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا نصارى نجران فقد أجلاهم عمر إلى الشَّام لما كثُر عددُهم وعَظُمَ خطرُهم على معقْل الإسلام.
أبو بكر الصِّدِّيق رضِي الله عنه يَعْقِدُ أَلْوِيَةَ فَتْح الشَّام بعدَ فَراغِه مِن حُروبِ الرِّدَّةِ .
العام الهجري : 13 الشهر القمري : صفر العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
قام الصِّدِّيقُ أبو بكرٍ رضِي الله عنه بعَقْدِ أربعةِ أَلوِيةٍ لفَتْح بِلادِ الشَّام بعدَ أن فَرَغَ مِن حُروبِ الرِّدَّةِ، وجعَل قِيادَتَها لأبي عُبيدةَ بن الجَرَّاحِ، ووِجْهَتُه حِمْصُ، وعَمرِو بن العاصِ ووِجْهَتُه فِلسطينُ، وشُرَحْبِيلِ بن حَسَنَةَ ووِجْهَتُه الأُرْدُنُّ، ويَزيدَ بن أبي سُفيانَ ووِجْهَتُه دِمشقُ. وقد أَدَّتْ هذه الجُيوشُ دورَها الفعَّالَ في مُقاتلةِ الرُّومِ وانتصروا في مَواقعَ كثيرةٍ، وكان الرُّومُ في جَميعِها أكثرَ عددًا وعُدَّةً.
مَسيرُ خالدِ بن الوَليد مِن العِراقِ لِدَعْمِ أَجنادِ الشَّامِ وفَتْحُ مَدينةِ بُصْرى .
العام الهجري : 13 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
لمَّا رأى المسلمون مُطاوَلةَ الرُّومِ لهم بالشَّام اسْتمَدُّوا أبا بكرٍ، فكتَب إلى خالدِ بن الوَليد يأمُرهُ بالمَسيرِ إليهم وبالحَثِّ، وأن يَأخُذَ نِصفَ النَّاس ويَسْتخلِفَ على النِّصفِ الآخرِ المُثَنَّى بن حارِثةَ الشَّيبانيَّ، ولا يَأْخُذَنَّ مَن فيه نَجْدَةٌ إلَّا وَيَتْرك عند المُثَنَّى مِثْلَهُ، وإذا فتَح الله عليهم رجَع خالدٌ وأصحابُه إلى العِراقِ. اتَّجَه خالدٌ مِن العِراقِ إلى الشَّام وفتَح عددًا مِن المُدُنِ، وصالَح بعضَها، وصل شَرقِيَّ جَبَلِ حَوْرانَ، ثمَّ تَدْمُرَ، ثمَّ القَرْيَتينِ مِن أَعمالِ حِمْصَ، ثمَّ قاتَل غَسَّانَ في مَرْجِ راهِطٍ وانتصر عليهم، ثمَّ سار إلى بُصْرى الشَّامِ وكانت أوَّلَ مدينةٍ افتتَحها مِن بِلادِ الشَّامِ حتَّى بلَغ جموع المسلمين في اليرموك، وكان ممَّا مَرَّ به خالدٌ مع جَيْشِهِ مَفازَة بين قُراقِر وسُوَى لا ماءَ فيها ولا كَلَأ، الدَّاخِلُ فيها مَفقودٌ، والخارِجُ منها مَولودٌ، لكنَّ خالدًا استعان بدَليلٍ يُقال له: رافِعُ بن عُميرَةَ الطَّائيُّ، ساعَدهُ على تَجاوُزِ المَفازةِ بسَلامٍ مع جَيشٍ قِوامُه تِسعةُ آلافِ مُقاتلٍ.
مَعركةُ "مَرْجِ الصُّفَّرِ" بين الرُّوم والمسلمين بقِيادةِ خالدِ بن سعيدٍ .
العام الهجري : 13 الشهر القمري : جمادى الأولى العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
وقعت مَعركةُ "مَرْجِ الصُّفَّرِ" بين الرُّوم بقِيادةِ ماهان، والمسلمين بقِيادةِ خالدِ بن سعيدٍ، وذلك في بِدايات فتحِ المسلمين لبِلاد الشَّام، حيث أخذ خالدٌ طريقَهُ لِمَرْجِ الصُّفَّرِ للهُجومِ على الرُّومِ ممَّا أَدَّى بقائِدهِم ماهان إلى أن يَنحَدِرَ بجَيشِهِ حتَّى يَستدرِجَ جُيوشَ المسلمين التي اتَّجهَت إلى الجَنوبِ ووصلت إلى مَرْجِ الصُّفَّرِ شرق بُحيرَةِ طَبَرِيَّةَ، واغتنم الرُّومُ على المسلمين الفُرصةَ وأوقعوا بهم الهزيمةَ، وصادَف ماهانُ سعيدَ بن خالدِ بن سعيدٍ في كَتيبةٍ مِن العَسكَرِ فقتَلهم وقتَل سعيدًا في مُقدِّمتِهم، وبلغ خالدًا مَقتلُ ابنِه، ورأى نَفْسَهُ قد أُحيطَ به فخرَج هاربًا في كَتيبةٍ مِن أصحابِه على ظُهورِ الخيلِ والإبلِ، وقد نجَح عِكرِمةُ بن أبي جهلٍ في سَحْبِ بَقِيَّةِ الجيشِ إلى حُدودِ الشَّام، وانتهت المعركةُ بانتصارِ الرُّومِ.
وَفاةُ أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضِي الله عنه .
العام الهجري : 13 الشهر القمري : جمادى الآخرة العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق عبدُ الله بن عُثمانَ بن عامرِ بن كعبِ بن سعدِ بن تَيْمِ بن مُرَّةَ بن كعبِ بن لُؤَيٍّ. وهو أحدُ العشرةِ المُبشَّرين بالجنَّةِ، وأوَّلُ الخُلفاءِ الرَّاشِدين، مِن أَوائلِ المُصَدِّقين للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنين به، بَقِيَ معه في مكَّة حتَّى هاجَر معه فكان صاحِبَه في ذلك، قَدَّمَهُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم للصَّلاةِ بالنَّاس في مَرَضِ مَوتِه، أَنفقَ في سبيلِ الله كُلَّ مالِه، كان وَزيرَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصاحِبَ مَشورَتِهِ، بايَعَهُ المسلمون على الخِلافَةِ بعدَ مَوْتِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كما هو مَذكور، تُوفِّيَ أبو بكرٍ الصِّدِّيق بعدَ أن بَقِيَ خَليفةً مُدَّةَ سَنتين وثلاثةِ أَشهُر وعشرةِ أيَّام، تُوفِّيَ بعدَ أن مَرِضَ، وقد قام خِلالَ هذه المُدَّةِ القصيرةِ بِرَدِّ المُرْتَدِّين وحَرْبِهِم والتي شَمِلَتْ أجزاءَ الجزيرةِ كلَّها، ثمَّ كانت الحُروبُ مع الفُرْسِ والرُّومِ حيث أظهرت قُوَّةَ المسلمين وإمكاناتِهم القِتاليَّة التي لا يُستهان بها، دُفِنَ بجانِبِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حُجْرَةِ عائشةَ، فكان مع صاحِبِه كما كان معه في الدُّنيا، فجزاهُ الله عن الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ خيرًا ورضِي الله عنه وأَرضاهُ.
عُمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه يَتولَّى الخِلافةَ بعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه .
العام الهجري : 13 الشهر القمري : جمادى الآخرة العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
لمَّا مَرِض أبو بكرٍ الصِّدِّيق رضِي الله عنه وأَحَسَّ بِدُنُوِّ أَجَلِه جمَع عددًا مِن الصَّحابة الذين كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُشاوِرهُم وعرَض عليهم أن يُؤمِّروا رجلًا يَرضَوْنهُ في حَياتِه؛ ولكنَّهم لم يَستقِرُّوا على أَمْرٍ، ثمَّ بدَأ يسألُ النَّاس عن عُمَرَ بن الخطَّاب، ثمَّ استَقرَّ رَأيُه على اسْتِخلاف عُمَرَ، فكتَب بذلك كِتابًا نَصُّهُ: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، هذا ما عَهِدَ أبو بكرٍ بن أبي قُحافةَ إلى المسلمين، أمَّا بعدُ، فإنِّي قد اسْتخلَفتُ عليكم عُمَرَ بن الخطَّاب، ولم آلُكُم خيرًا منه. وقال: اللَّهمَّ إنِّي اسْتخلَفتُ على أهلِك خيرَ أهلِك. وبَلَّغَ بذلك النَّاسَ، ورَضوا به، فكانت تلك خِلافة عُمَرَ رضِي الله عنه.
مَوقِعةُ الجِسْرِ وهَزيمةُ المسلمين .
العام الهجري : 13 الشهر القمري : شعبان العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
بعدَ أن هُزِمَ الفُرْسُ في النَّمارِق وما بعدَها اجتمعوا إلى رُسْتُم فأرسل جيشًا كثيفًا ومعهم رايةُ كِسرى ورايةُ أفريدون فالتقوا مع المسلمين وبينهم جِسْرٌ فعَبَر أبو عُبيدِ بن مَسعودٍ الثَّقفيُّ الجِسْرَ إليهم وجَرَت المعركةُ، وكانت فِيَلَةُ الفُرْسِ تُؤذي المسلمين وتُؤذي خُيولَهم، فقُتِل عددٌ مِن قادَةِ المسلمين منهم أبو عُبيدٍ القائدُ، واسْتَحَرَّ القَتلُ في المسلمين فمَضَوْا نحوَ الجِسْر فقَطَعهُ أحدُ المسلمين وقال: قاتِلوا عن دِينِكُم. فاقْتَحَم النَّاسُ الفُراتَ فغَرِقَ ناسٌ كثيرٌ، ثمَّ عقَد المُثَنَّى الجِسْرَ وعَبَر المسلمون واسْتُشْهِد يَومئذٍ مِن المسلمين ألفٌ وثمانمائةٍ، وقِيلَ أربعةُ آلافٍ بين قَتيلٍ وغَريقٍ، وانحاز بالنَّاس المُثَنَّى بن حارِثةَ الشَّيبانيُّ.
مَوقِعةُ البُوَيْب وانتِصارُ المسلمين بقِيادةِ المُثَنَّى بن حارِثةَ الشَّيبانيِّ .
العام الهجري : 13 الشهر القمري : رمضان العام الميلادي : 634
تفاصيل الحدث:
بعدَ أن تَوَلَّى المُثَنَّى بن حارِثةَ قِيادةَ المسلمين وكان عُمَر رضِي الله عنه يُمِدُّهُ بالمُقاتلين، الْتَقَى المُثَنَّى مع الفُرْسِ في البُوَيْب قُرْب الكوفةِ، وطلَبَت الفُرْسُ أن يَعبُرَ المسلمون إليهم، أو أن يَعبُروا هُم إليهم، فاختار المُثَنَّى أن يَعبُر الفُرْسُ فعَبَروا, وجرَت مَعركةٌ عَنيفةٌ هُزِم فيها الفُرْسُ هزيمةً مُنكَرةً، وقُتِلَ منهم الكثيرُ قتلًا أو غَرَقًا في النَّهرِ، وقُتِلَ فيها قائدُ الفُرْسِ مِهرانُ.
بِناءُ مَدينةِ البَصْرَةِ .
العام الهجري : 14 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 635
تفاصيل الحدث:
لمَّا نزَل عُتبةُ بن غَزْوان الخُرَيْبَةَ -مَسالِح الفُرْسِ قَريبة مِن الأُبُلَّةِ- كتب إِلى عُمَر بن الخطَّاب يُعلِمه نُزولَه إيَّاها، وأنَّه لابُدَّ للمسلمين مِن مَنزلٍ يَشْتُون به إذا شَتَوْا، ويَكْنِسون فيه إذا انصرفوا مِن غَزوِهم، فكتب إليه: اجْمَع أصحابَك في مَوضِع واحد وليَكُنْ قريبًا مِن الماء والرَّعْي، واكْتُبْ إِلىَّ بصِفَتِه. فكتب: إليه إنِّي وجدتُ أرضًا كثيرةَ القَصَبَةِ -أي كثيرةَ الحَصَبَةِ- في طَرْفِ البَرِّ إِلى الرِّيفِ، ودونَها مَناقِعُ ماءٍ فيها قَصْباءُ. فلمَّا قرَأ الكِتابَ قال: هذه أرضٌ نَضِرَةٌ، قَريبةٌ مِن المَشارِب والمَراعي والمُحْتَطَب، وكتَب إليه: أن أَنْزِلْها النَّاسَ. فأنزلهم إيَّاها، فكان عُتبةُ هو أوَّل مَن مَصَّرَ البَصْرةَ.
مَعركةُ القادِسِيَّةِ وانتِصارُ المسلمين على الفُرْسِ بقِيادةِ سعدِ بن أبي وقَّاصٍ .
العام الهجري : 14 الشهر القمري : شعبان العام الميلادي : 635
تفاصيل الحدث:
اجتمَع المسلمون في القادِسيَّة ثلاثون ألفًا بقِيادةِ سعدِ بن أبي وقَّاص بعدَ أن أَمَّرَهُ عُمَر بن الخطَّاب بَدَلَ خالدِ بن الوَليد، مكَث سعدٌ في القادِسيَّة شهرًا يَبُثُّ السَّرايا في كلِّ الجِهاتِ، ويأتي بالغَنائِم، فأَمَّر يزدجردُ رُسْتُمَ على جيشٍ كثيفٍ مِن مائةٍ وعشرين ألفًا، ومِثلِها مِن المَدَدَ، فبعَث سعدٌ إليه مَن يَدعوه للإسلامِ وحاوَل الفُرْسُ أن يغروا المسلمين، فطلبوا إرسالَ أكثرِ مِن رجلٍ فأتاهُم رِبْعِيٌّ، ثمَّ حُذيفةُ بن مِحْصَنٍ، وأخيرًا أتاهُم المُغِيرةُ ولم تنفع في شيءٍ، فبدأ القِتالُ بعدَ الظَّهيرةِ وبَقِيَت المعركةُ ثلاثةَ أيَّام، وفي اليومِ الرَّابع اشْتدَّ أَثَرُ الفِيَلَةِ على المسلمين، ثمَّ في هذا اليومِ هَبَّتْ رِيحٌ شديدةٌ على الفُرْسِ أزالت خِيامَهم فهربوا وقُتِلَ رُستمُ قائدُهم، وتَمَّتْ الهزيمةُ على الفُرْسِ، وقُتِلَ منهم ما لا يُحْصى، ثمَّ ارتحلَ سعدٌ ونزَل غَربيَّ دِجْلة، على نهرِ شير، قُبالةَ مَدائنِ كِسرى، ودِيوانِه المشهورِ، ولمَّا شاهَد المسلمون إيوانَ كِسرى كَبَّروا وقالوا: هذا أبيضُ كِسرى، هذا ما وَعَدَ الله ورسولُه. واسْتُشْهِدَ مِن المسلمين ألفٌ وخمسمائةٍ، وقُتِلَ مِن الفُرْسِ عشرون ألفًا، وغَنِمَ المسلمون الكثيرَ، وقِيلَ: إنَّها كانت في سَنَةِ خمسةَ عشرَ.
خروج الأسود العنسي في اليمن وقتله على يد فيروز الديلمي . العام الهجري : 10 الشهر القمري : ذي الحجة العام الميلادي : 632
خروج الأسود العنسي في اليمن وقتله على يد فيروز الديلمي .
العام الهجري : 10 الشهر القمري : ذي الحجة العام الميلادي : 632
.
تفاصيل الحدث:
خرج الأسوَدُ العَنْسيُّ -واسمُه عَبهلةُ بنُ كَعبِ بنِ
غَوثٍ- في آخِرِ حياةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَبْعِمائةِ مقاتلٍ، فكَتَب إلى عمَّالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّها المتمَرِّدون علينا، أمسِكوا علينا ما أخَذْتُم مِن أرضِنا، ووفِّروا ما جمعتُم؛ فنحن أَولى به، وأنتم على ما أنتم عليه، ثمَّ توجَّه مع مقاتِلِيه إلى نجرانَ فأخَذَها، ثمَّ قَصَد صنعاءَ، فخرج إليه شَهرُ بنُ باذامَ فتقاتلا، فغَلَبه الأسوَدُ وقتَلَه وتزوَّج بامرأةِ شَهرِ بنِ باذامَ، وهي ابنةُ عَمِّ فيروز الدَّيلميِّ، واسمُه آزاذُ، وكانت مؤمنةً باللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن الصَّالحاتِ، واحتَلَّ العَنسيُّ صنعاءَ، فذهب معاذُ بنُ جبَلٍ وأبو موسى الأشعريِّ إلى حَضرَموتَ، وانحاز عُمَّالُ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى الطَّاهِرِ، ورجَعَ عُمَرُ بنُ حرامٍ وخالِدُ بنُ سعيدِ بنِ العاصِ إلى المدينةِ، واستوثقَت اليمَنُ للأسودِ العَنسيِّ، وجَعَل أمرُه يستطيرُ استطارةَ الشَّرارةِ، واشتَدَّ مُلكُه، واستغلظ أمرُه، وارتَدَّ خَلقٌ مِن أهلِ اليَمَنِ، وعامَله المسلمون الذين هناك بالتَّقِيَّةِ فبعث رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين بلغَه خَبَرُ الأسودِ العَنسيِّ كِتابَه مع قيسِ بنِ مكشوحٍ يأمرُ فيه المسلمين الذين هناك بمُقاتلةِ العَنْسيِّ ومُصاولتِه، فقام معاذُ بنُ جَبَلٍ بهذا الكتابِ أتمَّ قيامٍ، واتَّفَق معاذُ بنُ جبَلٍ ومَن التَفَّ حولَه مِن أهلِ اليَمَنِ، وقيسُ بنُ عبدِ يغوثَ أميرُ جندِ الأسوَدِ، وفَيروز الدَّيلميُّ؛ على الفتكِ بالأسوَدِ وقَتْلِه، وتعاقدوا عليه، فلمَّا كان الليلُ دَخَلوا عليه البيتَ؛ تقَدَّم إليه فيروز الدَّيلميُّ، وكان الأسوَدُ نائمًا على فراشٍ من حريرٍ، قد غَرِقَ رأسُه في جَسَدِه، وهو سَكْرانُ يَغطُّ، والمرأةُ جالسةٌ عنده، فعاجله وخالَطَه، وهو مِثلُ الجَمَلِ، فأخَذَ رأسَه، فدَقَّ عُنُقَه ووَضَع رُكبتَيه في ظَهْرِه حتى قَتَلَه، وجلس قيسٌ وداذويه وفيروز يأتمرونَ كيف يُعلِمونَ أشياعَهم، فاتَّفَقوا على أنَّه إذا كان الصَّباحُ ينادون بشِعارِهم الذي بينهم وبين المسلمين، فلمَّا كان الصَّباحُ قام أحَدُهم -وهو قيس- على سُورِ الحِصنِ، فنادى بشِعارِهم، فاجتمع المسلِمون والكافِرون حول الحِصنِ، فنادى قيسٌ: أشهَدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، وأنَّ عَبهلةَ كذَّابٌ، وألقى إليهم رأسَه، فانهزم أصحابُه، وتَبِعَهم النَّاسُ يأخُذونهم ويرصُدونهم في كلِّ طريقٍ يأسِرونَهم، وظهر الإسلامُ وأهلُه، وتراجَعَ نوَّابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أعمالِهم، واتَّفَقوا على معاذِ بنِ جَبَلٍ يصلِّي بالنَّاسِ، وكتبوا بالخَبَرِ إلى رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكانت مُدَّةُ مُلكِه منذ ظهر إلى أن قُتِلَ ثلاثةُ أشهُرٍ أو أربعةُ أشهرٍ.
أبو بكر الصديق يتصدي لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة .
العام الهجري : 11 العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
لَمَّا قُبِضَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ارتدَّت العَرَبُ، واشرأَبَّ النِّفاقُ، وعَظُمَ الخَطْبُ واشتدَّت الحالُ، وأنفذ الصِّديقُ جَيشَ أُسامةَ، فقَلَّ الجندُ عند الصِّدِّيقِ، فطمَعِتَ كثيرٌ من الأعرابِ في المدينةِ، وراموا أن يَهجُموا عليها، فجَعَل الصِّدِّيقُ على أنقابِ المدينةِ حُرَّاسًا يبَيتون بالجُيوشِ حولَها، وجعَلَت وفودُ العَرَبِ تَقدَمُ المدينةَ يُقِرُّونَ بالصَّلاةِ ويمتنعون من أداء الزكاةِ، ومنهم من امتَنَع مِن دَفْعِها إلى الصِّدِّيقِ، وقد تكلَّم الصَّحابةُ مع الصِّدِّيقِ في أن يترُكَهم وما هم عليه مِن مَنْعِ الزَّكاةِ ويتألَّفَهم حتى يتمكَّنَ الإيمانُ في قلوبِهم، ثم هُم بعد ذلك يزكُّونَ، فامتنع الصِّدِّيقُ من ذلك وأباه، فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لأبي بكرٍ: علامَ تقاتِلُ النَّاسَ؟ وقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أُمِرتُ أن أقاتِلَ النَّاسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، فإذا قالوها عصَمَوا مني دِماءَهم وأموالَهم إلَّا بحَقِّها؟ فقال أبو بكرٍ: واللهِ لو منعوني عَناقًا -وفي روايٍة: عِقالًا- كانوا يؤدُّونه إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لأقاتِلَنَّهم على مَنْعِها؛ إنَّ الزكاةَ حقُّ المالِ، واللهِ لأقاتِلَنَّ مَن فَرَّق بين الصَّلاةِ والزكاةِ. قال عُمَرُ: فما هو إلَّا أن رأيتُ اللهَ قد شَرَح صَدْرَ أبي بكرٍ للقِتالِ، فعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ، وقاتلهم الصِّدِّيق رضي الله عنه حتى لم يَبْقَ بجزيرةِ العَرَبِ إلَّا أهلُ طاعةٍ لله ولرَسولِه، وأهلُ ذِمَّةٍ مِن الصِّدِّيقِ، كأهلِ نجرانَ وما جرى مجراهم، وعامَّةُ ما وقع من هذه الحروبِ كان في أواخِرِ سنةِ إحدى عَشْرةَ وأوائِلِ سنةِ اثنتي عَشْرةَ.
إرسالُ خالدِ بن الوَليد لِدَعْم عَمليَّات فَتْح العِراق .
العام الهجري : 11 العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
لمَّا انتهى خالدُ بن الوَليد رضِي الله عنه مِن اليَمامَة جاء الأَمْر بالتَّوَجُّهِ للعِراق لِدَعْم المُثَنَّى بن حارِثةَ، فسار خالدٌ إلى الحِيرَةِ والْتَقى بجيشِ المُثَنَّى وجيشِ عِياضِ بن غَنْمٍ بهُرْمُزَ في الأُبُلَّةِ، وقد حَدَثت عِدَّةُ مَعارك في تلك المناطق التي تُعرَف بالمنطقة الشَّرقيَّة التي كانت تحت سَيطرة الفُرْس، وفُتِحَت عِدَّةُ مناطق كالحِيرَةِ والأَنْبارِ ودُومَةِ الجَنْدَلِ والفِراضِ وغيرِها مِن المناطق العِراقيَّة، كما انتصر خالدٌ في عدد مِن المعارك على الفُرْس وحُلفائِهِم مِن مُتَنَصِّرَةِ العَرَبِ.
خروج أبي بكر إلى ذي القصة (موضع قريب من المدينة المنورة) حين عقد ألوية الأمراء الأحد عشر .
العام الهجري : 11 العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
بعد ما جَمَّ جيشُ أسامةَ واستراحوا، ركِبَ الصِّدِّيقُ في المسلمين شاهِرًا سيفَه مسلولًا، من المدينةِ إلى ذي القصَّةِ، وعلي بن أبي طالبٍ يقودُ براحلةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهما، فسأله الصَّحابةُ، وألحُّوا عليه أن يرجِعَ إلى المدينةِ، وأن يَبعَثَ لقِتالِ الأعرابِ غيرَه ممَّن يؤمِّرُه من الشُّجعانِ الأبطالِ، فأجابهم إلى ذلك، وعَقَد لهم الألْوِيَةَ لأحَدَ عَشَرَ أميرًا، وذلك لقتال طليحة بن خويلد، ومالك بن نويرة ومسيلمة الكذاب، والعنسي وعُيَينةُ بنُ حِصنٍ وغيرهم من المرتدين، وقد كَتَب لكُلِّ أميرٍ كِتابَ عَهْدِه على حِدَتِه، ففَصَل كلُّ أميرٍ بجُندِه مِن ذي القصَّةِ، ورجع الصِّدِّيقُ إلى المدينةِ.
قتال خالد بن الوليد طليحة الأسدي ومن التف حوله .
العام الهجري : 11 العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
لَمَّا توجَّه خالِدُ مِن ذي القصَّةِ وفارقه الصِّدِّيقُ، واعَدَه أنَّه سيلقاه من ناحيةِ خيبَرَ بمَن معه من الأمراءِ، وأظهروا ذلك ليُرعِبوا الأعرابَ، وأمَرَه أن يذهَبَ أوَّلًا إلى طليحةَ الأسديِّ، ثمَّ يذهَبَ بعده إلى بني تميمٍ، وكان طليحةُ بنُ خُوَيلدٍ في قَومِه بني أسَدٍ، وفي غَطفانَ، وانضَمَّ إليهم بنو عبسٍ وذبيان، وبَعَث إلى بني جديلةَ والغوثِ وطَيِّئ يستدعيهم إليه، وجَعَل خالدُ بن الوليدِ يتأتَّى بطُلَيحةَ ويُرسِلُ إليه الرُّسُلَ ويحَذِّرُه سَفْكَ دماءِ أصحابِه، وطُلَيحةُ يأبى ذلك ووَلَج في طغيانِه، فعندها عزَمَ خالدٌ على حربِه، ووقَفَت أحياءٌ كثيرةٌ من الأعرابِ ينظُرونَ على من تكونُ الدَّائِرةُ، وجاء طُلَيحةُ فيمن معه من قَومِه ومن التَفَّ معهم وانضاف إليهم، وانهزم النَّاسُ عن طُلَيحةَ، فلمَّا جاءه المسلمون ركب على فرسٍ كان قد أعَدَّها له، وأركَبَ امرأتَه النوارَ على بعيرٍ له، ثم َّانهزم بها إلى الشَّامِ، وتفَرَّقَ جمعُه، وقد قَتَل اللهُ طائفةً ممَّن كان معه، وقد كان طُلَيحةُ الأسديُّ ارتَدَّ في حياةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا مات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قام بمؤازرتِه عُيَينةُ بنُ حِصنٍ بعد أن ارتَدَّ عن الإسلامِ، وأسَرَ خالِدٌ عُيَينةَ بنَ حِصنٍ، وبعث به إلى المدينةِ مجموعةً يداه إلى عنُقِه، فدخل المدينةَ وهو كذلك، فجعل الوِلدانُ والغلمانُ يَطعَنونَه بأيديهم، ويقولون: أيْ عَدُوَّ اللهِ، ارتدَدْتَ عن الإسلامِ؟ فيقولُ: واللهِ ما كنتُ آمنتُ قطُّ! فلمَّا وقف بين يَدَيِ الصِّدِّيق ِاستتابه وحَقَن دَمَه، ثمَّ حَسُنَ إسلامُه بعد ذلك، وأمَّا طُلَيحةُ فإنَّه راجَعَ الإسلامَ بعد ذلك أيضًا، وذهب إلى مكَّةَ مُعتَمِرًا أيَّامَ الصِّدِّيقِ، واستحيا أن يواجِهَه مدَّةَ حياتِه، وقد رَجَع فشَهِدَ القِتالَ مع خالدٍ، وكَتَب الصِّدِّيقُ إلى خالدٍ: أنِ استَشِرْه في الحربِ ولا تُؤَمِّرْه.
قصة سجاح وبني تميم وزواجها من مسيلمة الكذاب .
العام الهجري : 11 العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
كانت بنو تميمٍ قد اختَلَفت آراؤُهم أيَّامَ الرِّدَّةِ؛ فمنهم من ارتدَّ ومَنَع الزَّكاةَ، ومنهم من بَعَث بأموالِ الصَّدَقاتِ إلى الصِّدِّيقِ، ومنهم من توقَّف لينظُرَ في أمرِه، فبينما هم كذلك إذ أقبَلَت سَجاحُ بنتُ الحارِثِ بنِ سُوَيدِ بنِ عقفانَ التَّغلِبيَّةُ من الجزيرةِ، وهي من نصارى العَرَبِ، وقد ادَّعَت النبُوَّة، ومعها جنودٌ مِن قَومِها ومن التَفَّ بهم، وقد عزموا على غَزوِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، فلمَّا مَرَّت ببلادِ بني تميمٍ دَعَتْهم إلى أمرِها، فاستجاب لها عامَّتُهم، ثمَّ قَصَدَت بجنودِها اليمامةَ؛ لتأخُذَها مِن مُسَيلِمةَ بنِ حَبيبٍ الكَذَّابِ، فهابه قومُها، وقالوا: إنَّه قد استفحَلَ أمرُه وعَظُمَ، فلمَّا سَمِعَ بمَسيرِها إليه خافها على بلادِه، فبَعَث إليها يستأمِنُها ويضمَنُ لها أن يُعطيَها نِصفَ الأرضِ الذي كان لقُرَيشٍ لو عَدَلَتْ، وراسَلَها ليجتَمِعَ بها في طائفةٍ مِن قَوِمه، فركِبَ إليها في أربعينَ مِن قَومِه، وجاء إليها فاجتَمَعا في خيمةٍ، فلما خلا بها وعَرَض عليها ما عَرَض من نِصفِ الأرضِ، وقَبِلَت ذلك، ثمَّ انثَنَت راجعةً إلى بلادِها، وذلك حين بلَغَها دُنُوُّ خالدٍ مِن أرضِ اليمامةِ، فكَرَّت راجعةً إلى الجزيرةِ بَعدَما قَبَضَت من مُسَيلِمةَ نِصفَ خَراجِ أرضِه.
قتال خالد بن الوليد رضي الله عنه مالك بن نويرة اليربوعي التميمي .
العام الهجري : 11 العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
كان مالِكُ بنُ نُوَيرةَ قد صانَعَ سَجاحَ حينَ قَدِمَت من أرضِ الجزيرةِ، فلمَّا اتَّصَلت بمُسَيلِمةَ الكَذَّابِ، ثمَّ ترحَّلَت إلى بلادِها، نَدِمَ مالِكٌ على ما كان من أمرِه، وتلَوَّم في شأنِه، وهو نازِلٌ بمكانٍ يقالُ له: البِطاحُ في نجد، فقَصَدَها خالدٌ بجُنودِه وتأخَّرت عنه الأنصارُ، وقالوا: إنَّا قد قَضَينا ما أمَرَنا به الصِّدِّيقُ، فقال لهم خالِدٌ: إنَّ هذا أمرٌ لا بدَّ مِن فِعْلِه، وإنَّه لم يأتِني فيها كتابٌ، وأنا الأميرُ وإليَّ تَرِدُ الأخبارُ، ولستُ بالذي أجبُرُكم على المسيرِ، وأنا قاصِدٌ البِطاحَ، فسار يومينِ ثمَّ لَحِقَه رسولُ الأنصارِ يَطلُبون منه الانتِظارَ، فلَحِقوا به، فلمَّا وَصَل البِطاحَ وعليها مالِكُ بنُ نُوَيرةَ، بَثَّ خالِدٌ السَّرايا في البِطاحِ يَدْعونَ النَّاسَ، فاستقبَلَه أمراءُ بني تميمٍ بالسَّمعِ والطَّاعة، وبَذَلوا الزكَواتِ، إلَّا ما كان من مالكِ بنِ نُوَيرةَ؛ فإنَّه متحيِّرٌ في أمرِه، مُتَنَحٍّ عن النَّاسِ، فجاءته السَّرايا فأسَروه وأسَروا معه أصحابَه، واختَلَفت السَّرِيةُ فيهم؛ فشَهِدَ أبو قتادةَ -الحارثُ بنُ ربعيٍّ الأنصاريُّ- أنَّهم أقاموا الصَّلاةَ، وقال آخرون: إنَّهم لم يؤذِّنوا ولا صَلَّوا، فيقالُ: إنَّ الأُسارى باتوا في كُبولِهم في ليلةٍ شديدةِ البردِ، فنادى منادي خالدٍ: أنْ أَدْفِئوا أَسْراكم، فظَنَّ القومُ أنَّه أراد القَتلَ، فقتلوهم، وقَتَل ضرارُ بنُ الأزوَرِ مالِكَ بنَ نُوَيرةَ، فلمَّا سَمِعَ الدَّاعية خرجَ وقد فرَغوا منهم، فقال: إذا أراد اللهُ أمرًا أصابه، ودخل خالِدٌ على أبي بكرٍ فاعتَذَر إليه فعَذَره وتجاوزَ عنه ما كان منه في ذلك، ووَدَى مالِكَ بنَ نُوَيرةَ.
قتال العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه أهل البحرين (الساحل الشرقي من الجزيرة العربية) .
العام الهجري : 11 العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
كان مِن خَبَرِ أهلِ البَحرين أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان قد بَعَث العلاءَ بنَ الحَضْرميِّ إلى مَلِكِها؛ المنذِرِ بن ساوى العَبْديِّ، وأسلَمَ على يَدَيه وأقام فيهم الإسلامَ والعَدْلَ، فلمَّا توفِّيَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، توفِّي المنذِرُ بعده بقليلٍ، فلما مات المنذِرُ ارتدَّ أهلُ البحرينِ، وملَّكوا عليهم الغَرورَ، وهو المنذِرُ بنُ النُّعمانِ بنِ المنذِرِ. وقال قائِلُهم: لو كان محمَّدٌ نبيًّا ما مات. ولم يَبْقَ بها بلدةٌ على الثَّباتِ سِوى قريةٍ يقالُ لها جواثا من قرى الأحساء، كانت أوَّلَ قريةٍ أقامت الجُمُعةَ مِن أهلِ الرِّدَّةِ وبعث الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنه إليهم العلاءَ بنَ الحَضْرميِّ، فلمَّا دنا من البحرينِ جاء إليه ثمامةُ بنُ أُثالٍ في محفَلٍ كبيرٍ، وجاء كُلُّ أمراءِ تلك النَّواحي فانضافوا إلى جيشِ العلاءِ بنِ الحَضرميِّ ثمَّ لَمَّا اقتَرَب من جيوشِ المرتدَّةِ -وقد حَشَدوا وجمَعوا خَلقًا عظيمًا- نزل ونزلوا، وباتوا متجاورينَ في المنازِلِ، فبينما المسلِمونَ في الليلِ إذ سَمِع العلاءُ أصواتًا عاليةً في جيشِ المرتدِّينَ، فقال: مَن رجُلٌ يكشِفُ لنا خبَرَ هؤلاء؟ فقام عبدُ اللهِ بنُ حذفٍ، فدخَلَ فيهم فوجَدَهم سُكارى لا يَعقِلون؛ مِن الشَّرابِ، فرجع إليه فأخَبَره، فركب العلاءُ مِن فَورِه والجَيشُ معه، فكَبَسوا أولئك فقَتَلوهم قتلًا عظيمًا، وقَلَّ مَن هَرَب منهم، واستولى على جميعِ أموالِهم وحواصِلِهم وأثقالِهم، فكانت غنيمةً عظيمةً جسيمةً، وكَتَب إلى الصِّدِّيقِ فأعلَمَه بذلك.
قتال خالد بن الوليد رضي الله عنه مسيلمة الكذاب ووقعة حديقة الموت .
العام الهجري : 11 العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
بعث الصِّدِّيقُ خالدَ بنِ الوليدِ إلى قِتالِ مُسَيلِمةَ الكَذَّابِ وقَومِه من بني حَنيفةَ باليمامةِ، وأوعب معه المسلمون، وعلى الأنصارِ ثابتُ بنُ قيسِ بنِ شماسٍ، فسار لا يمُرُّ بأحدٍ مِن المرتدِّين إلَّا نكَّل بهم، وقد اجتاز بخُيولٍ لأصحابِ سَجاحٍ فشَرَّدهم وأمَرَ بإخراجِهم مِن جزيرةِ العَرَبِ، وأردف الصِّدِّيقُ خالِدًا بسَرِّيةٍ لتكونَ رِدءًا له من ورائِه، فلمَّا سَمِع مُسَيلِمةُ بقدومِ خالدٍ عَسكَرَ بمكانٍ يقالُ له عقربا في طَرَفِ اليمامةِ، والريفُ وراء ظهورِهم، ونَدَب النَّاسَ وحَثَّهم، فحَشَد له أهلُ اليمامةِ، فاصطدم المسلِمون والكُفَّارُ، فكانت جولةٌ عظيمة وجَعَلت الصَّحابةُ يتواصَون بينهم ويقولون: يا أصحابَ سُورةِ البَقَرةِ، بَطَل السِّحرُ اليومَ، ودارت رحى المسلمين، وقد مَيَّز خالِدٌ المهاجرينَ من الأنصارِ من الأعرابِ، وكُلُّ بني أبٍ على رايتِهم، يقاتِلون تحتَها، حتى يَعرِفَ النَّاسُ مِن أين يُؤتَون، وصَبَرَت الصَّحابةُ في هذا الموطِنِ صبرًا لم يُعهَدْ مِثْلُه، ولم يزالوا يتقدَّمون إلى نحورِ عَدُوِّهم حتى فتح اللهُ عليهم، ووَلَّى الكُفَّارُ الأدبارَ، ودخل المسلِمونَ الحديقةَ مِن حيطانِها وأبوابِها يقتُلونَ من فيها من المرتَدَّةِ من أهلِ اليمامةِ، حتى خَلَصوا إلى مُسَيلِمةَ، فتقَدَّم إليه وَحشِيُّ بنُ حَربٍ مولى جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، فرماه بحَرْبتِه فأصابه وخَرَجَت من الجانِبِ الآخَرِ، وسارع إليه أبو دُجانةَ سِماكُ بنُ خَرشةَ، فضَرَبه بالسَّيفِ فسقط، فكان جملةُ مَن قُتِلوا في الحديقةِ وفي المعركةِ قريبًا مِن عَشرةِ آلافِ مُقاتِلٍ. وقيل: أحدٌ وعشرون ألفًا، وقُتِل من المسلمين سِتُّمائةٍ، وقيل: خمسُمائةٍ.
ردة أهل عمان والمهرة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
العام الهجري : 11 العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
نبَغَ في أهلِ عُمانَ رجُلٌ يقالُ له: ذو التَّاجِ؛ لقيطُ بنُ مالكٍ الأزديُّ، وكان يسَمَّى في الجاهليَّةِ الجلنديَّ، فادَّعى النبُوَّةَ، وتابعه الجَهَلةُ مِن أهلِ عُمانَ، فتغَلَّب عليها وقَهَر جيفرًا وعبادًا وألجأَهما إلى أطرافِها من نواحي الجبالِ والبَحرِ، فبعث جيفرٌ إلى الصِّدِّيقِ فأخبَرَه الخَبَر واستجاشَه، فبعث إليه الصِّدِّيقُ بأميرينِ، وهما حُذَيفةُ بنُ محصنٍ الحِمْيَريَّ، وعَرْفجةُ البارقيُّ من الأزْدِ، حذيفةُ إلى عمانَ، وعَرْفجةُ إلى مهرةَ، وأمرهما أن يجتَمِعَا ويتَّفِقا ويبتَدِئا بعمانَ، وحذيفةُ هو الأميرُ، فإذا ساروا إلى بلادِ مهرةَ فعَرْفجةُ الأميرُ. ثم كتب الصِّدِّيقُ لخالدِ بن ِالوليدِ بعد أنْ قَهَر مُسَيلِمةَ: لا أرَيَنَّكَ ولا أسمعَنَّ بك إلَّا بعدَ بلاءٍ، وأمَرَه أن يَلحَقَ بحُذَيفةَ وعَرفجةَ إلى عمانَ، وكُلٌّ منكم أميرٌ على جَيْشِه، وحُذَيفةُ ما دمتُم بعمانَ فهو أميرُ النَّاسِ، فإذا فرغتُم فاذهَبوا إلى مهرةَ، فإذا فرغتُم منها فاذهَبْ إلى اليَمَنِ وحَضرَموتَ، فكُنْ مع المهاجرِ بنِ أبي أُمَيَّةَ، ومَن لَقِيتَه مِن المرتدَّةِ بين عمانَ إلى حَضرَموتَ واليَمَنِ، فنَكِّلْ به، فلمَّا وصلوا إليهم كان الفَتحُ والنَّصرُ، فولى المُشرِكون مُدبِرينَ، وركِبَ المسلِمون ظُهورَهم، فقَتَلوا منهم عَشرةَ آلافِ مقاتلٍ وسَبَوا الذَّراريَّ، وأخذوا الأموالَ والسوقَ بحذافيرِها، وبَعَثوا بالخُمُسِ إلى الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عنه.
مُصيبَةُ المسلمين الكُبرى بِوَفاةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
العام الهجري : 11 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
اشْتَكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعدَ عَودتِه مِن حَجَّةِ الوَداعِ، حتَّى اشْتَدَّ وَجَعُهُ وهو في بيت مَيمونَةَ رضي الله عنها، فدَعا نِساءَهُ فاسْتأذَنَهُنَّ في أن يُمَرَّضَ في بيتِ عائشةَ رضي الله عنها، قالت عائشةُ رضي الله عنها: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ في مَرضِهِ الذي مات فيه: «يا عائشةُ ما أَزالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعامِ الذي أَكلتُ بِخَيبرَ، فهذا أَوانُ وَجَدْتُ انْقِطاعَ أَبْهَري مِن ذلك السُّمِّ ». واسْتغرَقَ مَرضُهُ عشرةَ أيَّامٍ، قال ابنُ حَجَرٍ: (واخْتُلِفَ في مُدَّةِ مَرضِه، فالأكثرُ على أنَّها ثلاثةَ عشرَ يومًا، وقِيلَ بزيادةِ يَومٍ، وقِيلَ بِنَقصِه، وقِيلَ: عشرةُ أيَّامٍ. وبه جزَم سُليمانُ التَّيميُّ في مَغازيهِ، وأَخرَجهُ البَيهقيُّ بإسنادٍ صَحيحٍ). ثمَّ تَوفَّاهُ الله تعالى يَومَ الاثنين في الثَّاني عشر من رَبيعٍ الأوَّلِ، وقد تَمَّ له مِنَ العُمُرِ 63 سَنَةً، وكُفِّنَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في ثلاثةِ أَثوابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِن كُرْسُفٍ، ليس فيها قَميصٌ ولا عِمامَةٌ، وصلَّى النَّاسُ عليه أَرْسالًا، ودُفِنَ في مكانِ مَوتِهِ في حُجرَةِ عائشةَ رضي الله عنها، وجَزاهُ الله تعالى عن المسلمين خيرَ ما جَزَى نَبِيًّا عن أُمَّتِهِ.
أبو بكرٍ الصِّدِّيق رضِي الله عنه يَتولَّى الخِلافةَ (بَيْعة السَّقيفَة) .
العام الهجري : 11 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
توفِّي رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يَنُصَّ على الخليفةِ مِن بعدِه صَراحةً - وإنَّ كانت هناك إشاراتٌ ودِلالاتٌ مِن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم على تَوْلِيَةِ أبي بكرٍ -والله أعلم- ثمَّ اجتمع الأنصارُ في سَقيفَة بني ساعِدة ليُبايعوا رجلًا منهم، وهو سعدُ بن عُبادَة، فحضر المُهاجرون إليهم، وأخبرهم أبو بكرٍ أنَّ هذا الأمْرَ يجب أن يكونَ في قُريش، فهُمْ أوسطُ العرب نَسَبًا ودارًا، ثمَّ رشَّح عُمرَ، أو أبا عُبيدةَ للخِلافة؛ ولكنَّ عُمر أبى إلَّا أنَّ يُبايَع لأبي بكرٍ، مُبَيِّنًا فَضلَه وصُحبتَه للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. فبايَعهُ عُمرُ، ثمَّ بايَعهُ أهلُ السَّقيفةِ، ثمَّ بايَعهُ النَّاسُ في اليوم الثَّاني البَيْعةَ العامَّة، أمَّا تَخلُّف علِيّ عن البيعة في السَّقيفَة فكان لانشغالِه بتَجهيزِ وتَكفينِ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا ما يُقال مِن أنَّه تأخَّر عن البَيْعة حتَّى وَفاة فاطمةَ رضِي الله عنها فليس له مُسْتَنَدٌ صحيح، ويبعد أن يَبقى ستَّة أَشهُر غير مُبايع له وهو الذي أعانه وكان تحت إمْرتِه كلّ تلك الفَترة، وخاصّة في حُروب الرِّدَّةِ، بل إنَّ البيعة الثَّانية من عليٍّ لأبي بكر بعد وفاة فاطمة رضي الله عنهم كانت تأكيدًا للبيعة الأولى وحسمًا لمادة الفتنة.
بَعْثُ أُسامةَ بن زيدٍ رضِي الله عنه إلى الشَّام .
العام الهجري : 11 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
كان زيدُ بن حارِثةَ قد اسْتُشْهِدَ في مُؤْتةَ، فلمَّا أراد رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم غزوَ تلك الجِهات جَهَّز جيشًا وأَمَّر عليهم أُسامةَ بن زيدِ بن حارِثةَ، وأَمَرهُ أن يَصِلَ إلى البَلْقاء، فتَجَهَّزَ الجيشُ وتَعَبَّأَ، ولكنَّ هذا الجيشَ لم يَنفذْ بسبب وَفاة النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا تَولَّى أبو بكرٍ الخِلافةَ كان أوَّل شيء فعله هو إنفاذ جيشِ أُسامةَ وإرساله كما أراد النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومع أنَّ أبا بكرٍ قد أشاروا عليه بعدم إرساله لكنَّه أَبَى إلَّا إنفاذَ ما كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أراد إنفاذَهُ، وشَيَّعَهُم أبو بكرٍ بنفسه ماشيًا، وأوصى الجيشَ، وكان مِن آثار هذا الفِعل مِن أبي بكر دِلالة على بقاء قوَّة المسلمين وارتِفاع معنوياتهم.
خروج أبي بكر الصديق بالمسلمين لقتال المرتدين الذين غاروا على المدينة وانتصاره عليهم .
العام الهجري : 11 الشهر القمري : جمادى الآخرة العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
لم يَلبَثِ المسلمون بعد تحذيرِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ لهم من الأعرابِ المرتدِّينَ إلَّا ثلاثًا، حتى طَرَقوا المدينةَ غارةً، وخَلَّفوا نِصفَهم بذي حسى ليكونوا رِدءًا لهم، فأرسَلَ الحَرَسُ إلى أبي بكرٍ يخبرونَه بالغارةِ، فبعث إليهم: أنِ الزَموا مكانَكم، ثمَّ ركِبَ الصِّدِّيقُ في أهلِ المدينةِ وأمراءِ الأنقابِ، إلى مَن حَولَ المدينةِ مِن الأعرابِ الذين أغاروا عليها، فما طَلَع الفَجرُ إلَّا وهم والعَدُوُّ في صعيدٍ واحدٍ، فما سمعوا للمسلمين حِسًّا ولا همسًا، حتى وضعوا فيهم السُّيوفَ، فما طلعت الشَّمسُ حتى ولَّوهم الأدبارَ، وغلبوهم على عامَّةِ ظَهرِهم، وكان أوَّلَ الفَتحِ، وذَلَّ بها المشركون، وعزَّ بها المسلِمون، ووَثَب بنو ذُبيانَ وعَبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، وفَعَل مَن وراءهم كفِعْلِهم، فحلف أبو بكرٍ ليقتُلَنَّ من كلِّ قبيلةٍ بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، فكانت هذه الوقعةُ من أكبرِ العونِ على نصرِ الإسلامِ وأهله، وذلك أنَّه عزَّ المسلمون في كلِّ قبيلةٍ، وذَلَّ الكُفَّارُ في كلِّ قبيلةٍ، ورجع أبو بكرٍ إلى المدينةِ مُؤَيَّدًا منصورًا، سالِمًا غانمًا.
غزو أبي بكر بني عبس وذبيان في الربذة بالأبرق .
العام الهجري : 11 الشهر القمري : رجب العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
لَمَّا قَدِمَ أسامةُ بنُ زيدٍ مِن بَعْثِه للرُّومِ استخلفه أبو بكرٍ على المدينةِ، وأمره ومن معه أن يُريحوا ظَهْرَهم، ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معه من المسلمين، فقالوا له: لو رجعتَ إلى المدينةِ وأرسلْتَ رجلًا، فقال: واللهِ لا أفعَلُ، ولأواسِيَنَّكم بنفسي، فخرج في تعبئتِه النُّعمانُ وعبدُ اللهِ وسُوَيدُ بنو مُقرنٍ على ما كانوا عليه في الوقعةِ السابقةِ، حتى نزل على أهلِ الربذةِ بالأبرَقِ، وهناك جماعةٌ من بني عَبسٍ وذبيانَ، وطائفةٌ من بني كِنانةَ، فاقتتلوا، فهزم اللهُ الحارِثَ وعَوفًا، وأُخِذ الحُطَيئةُ أسيرًا، فطارت بنو عبسٍ وبنو بكرٍ، وأقام أبو بكرٍ على الأبرَقِ أيَّامًا، وقد غَلَب بني ذُبيان على البلادِ، وقال: حرامٌ على بني ذُبيانَ أن يتمَلَّكوا هذه البلادَ؛ إذ غَنَّمَناها اللهُ، وحمى الأبرَقَ بخيولِ المسلمينَ، وأرعى سائِرَ بلادِ الربذةِ، ولَمَّا فَرَّت عبسٌ وذبيانُ صاروا إلى مؤازرةِ طَلحةَ وهو نازلٌ على بزاخةَ.
وَفاةُ فاطِمةَ رضِي الله عنها بنتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
العام الهجري : 11 الشهر القمري : شعبان العام الميلادي : 632
تفاصيل الحدث:
سَيِّدةُ نِساءِ العالمين في زمانِها، بنتُ سَيِّدِ الخَلْقِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبي القاسم محمَّد بن عبدِ الله بن عبدِ المُطَّلِب بن هاشم بن عبدِ مَناف القُرشيَّة الهاشِميَّة وأمّ الحَسَنَيْنِ. أمّها خديجةُ بنتُ خويلدٍ، وُلِدَتْ قبلَ البعثة بقليلٍ، وتَزوَّجها علِيُّ بن أبي طالبٍ بعدَ بدرٍ، وقِيلَ: بعدَ أُحُدٍ, فوَلدَت له الحسنَ والحُسينَ ومُحسنًا وأمَّ كُلثومٍ وزَينبَ. وهي أصغرُ بناتِ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كانت مِن أحبِّ النَّاس إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ومَناقِبُها غَزيرة، وكانت صابرة دَيِّنَة خَيِّرَة صَيِّنَة قانِعة شاكِرة لله تُوفِّيت بعدَ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بخَمسة أَشهُر أو نحوها، وهي أوَّل أهلِ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لُحوقًا به. وأَوْصَتْ في وَفاتِها أن تُغَطَّى، فكانت أوَّل امرأة يُغَطَّى نَعْشُها في الإسلامِ، غَسَّلَها زَوجُها علِيٌّ وأسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ وقد كانت تحت أبي بكر رضي الله عنهم، وصَلَّى عليها علِيٌّ، وقِيلَ: العبَّاس، وأَوْصَت أن تُدْفَنَ ليلًا، ففُعل ذلك بها، ونزَل في قبرِها علِيٌّ والعَبَّاسُ، والفَضلُ بن العَبَّاس. انقطع نَسْلُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلَّا منها رضِي الله عنها.
مَعركةُ ذاتِ السَّلاسِل وهَزيمةُ الفُرْس بقِيادةِ خالدِ بن الوَليد .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 633
تفاصيل الحدث:
قَدِمَ خالدٌ العِراقَ لِمُساندَةِ المُثَنَّى بأَمْرٍ مِن أبي بكرٍ ومعه عشرةُ آلافِ مُقاتِل، ومع المُثَنَّى وأصحابِه ثَمانيةُ آلافٍ، وجعل على مُقَدِّمَتِه المُثَنَّى وبَعدَهُ عَدِيَّ بن حاتم، وجاء خالدٌ بَعدهُما، وواعدهما الحَفِيرَ ليُصادِموا عَدُوَّهُم، وكان ذلك الفَرْجُ أعظمَ فُروجِ فارِسَ وأشدَّها شَوْكةً، وكان صاحبُهُ هُرْمَزَ، وهو سيِّئُ المُجاورةِ للعربِ، فكلُّهم عليه حنق، وكانوا يَضرِبونه مثلًا فيقولون: أَكْفر مِن هُرمُزَ, فلمَّا سمِع أنَّهم تواعدوا الحَفِيرَ، سبَقهُم إليه ونزَل به، وجعَل على مُقدِّمتِه قُباذُ وأَنُوشَجَان، وكانا مِن أولادِ أَرْدَشِير الأكبر، واقترنوا في السَّلاسِل، لذلك سُمِّيَت بذلك، فسمِع بهم خالدٌ، فَمالَ بالنَّاس إلى كاظمةٍ، فسبَقهُ هُرمُزُ إليها، وقَدِم خالدٌ فنزَل على غيرِ ماءٍ فقال له أصحابُه في ذلك: ما تفعل؟ فقال لهم: لعَمْري ليَصيرَنَّ الماءُ لأَصْبَرِ الفريقين. فحطّوا أثقالَهُم، وتَقدَّم خالدٌ إلى الفُرْس فلاقاهُم، وأرسل الله سحابةً فأغدَرَت وراءَ صَفِّ المسلمين، فقَوِيَت قلوبُهم، وخرَج هُرمُز ودعا خالدًا إلى البِرازِ، وأَوْطأ أصحابُه على الغَدْرِ بخالدٍ، فبرَز إليه خالدٌ ومَشى نحوه راجلًا، ونزَل هُرمُز أيضًا وتَضارَبا، فاحتَضنَهُ خالدٌ، وحمَل أصحابُ هُرمُز، فما شَغَلهُ ذلك عن قتلِه، وحمَل القَعْقاعُ بن عَمرٍو فأَزاحَهُم، وانهزم أهلُ فارس ورَكِبَهم المسلمون، وسُمِّيَت الوقعة ذات السَّلاسِل، ونجا قُباذُ وأَنُوشَجَان، وأخَذ خالدٌ سَلَبَ هُرمُز، وكانت قَلنسوتُه بمائة ألف. كان أهلُ فارس يجعلون قَلانِسهم على قدر أحسابِهم فمَن تمَّ شَرفُه فقيمةُ قَلنسوتِه مائةُ ألفٍ، فكان هُرمُز ممَّن تمَّ شَرفُه، وبعَث خالدٌ بالفَتح والأخماسِ إلى أبي بكرٍ.
أبو بكرٍ الصِّدِّيق رضِي الله عنه يأمُر بجَمْعِ القُرآنِ .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 633
تفاصيل الحدث:
عَهِدَ أبو بكرٍ الصِّدِّيق رضِي الله عنه إلى زيدِ بن ثابتٍ بجَمْعِ نُصوصِ القُرآن وخاصّة بعدَ مَوت عددٍ كبيرٍ من حفظة القرآن في اليَمامةِ، وكان هذا الأمرُ غيرَ مقبول لدى الصَّحابة رضِي الله عنهم في البداية، ولكنَّ الله شرَح صُدورَهم له كما شرَح صدر أبي بكرٍ له، فكَلَّفَ أبو بكرٍ زيدَ بن ثابتٍ بمُهِمَّةِ الكِتابة، فقال لزيدٍ: إنَّك رجلٌ شابٌّ عاقل لا نَتَّهِمك, قد كُنتَ تكتبُ الوَحيَ لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم, فتَتَبَّعْ القُرآن فاجْمَعْهُ. فقلتُ: كيف تفعلون شيئًا لم يفعلْهُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟! قال: هو -والله- خيرٌ. فلم يزل أبو بكرٍ يراجعني حتَّى شرَح الله صدري للذي شرَح له صدرَ أبي بكر وعُمرَ, فكنتُ أتتبَّعُ القُرآن أَجمعُه مِن الرِّقاع والأكتافِ والعُسُبِ وصُدورِ الرِّجالِ. وكان الأمْرُ شديدًا على زيدٍ لكنَّه قام بها خيرَ قِيامٍ، فكان هذا الأمْرُ أوَّلَ جمعٍ للقُرآن، وبَقِيَ المصحفُ عند أبي بكرٍ في خِلافتِه.
فَتْحُ بَلدةِ أَمْغِيشِيا بقِيادَةِ خالدِ بن الوَليد .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : صفر العام الميلادي : 633
تفاصيل الحدث:
فتَح المسلمون بقِيادةِ خالدِ بن الوَليد بلدَةَ أَمْغِيشِيا، وكانت مِصْرًا كالحِيرَةِ، وقِيلَ: اسمها منيشيا، وهي تقعُ على نهرِ الفُراتِ، ولم يقع بأَمْغِيشِيا قِتالٌ، وإنَّما هجرها أهلُها بعدَ هزيمةِ الفُرْس في أُلَّيْس، فدخَلها المسلمون فاتحين، وأصابوا فيها ما لم يُصيبوا مِثلَه لأنَّ أهلَها أَعجَلَهُم المسلمون أن يَنقُلوا أموالَهم وأثاثَهم وكِراعَهم وغيرَ ذلك، بلَغ سهمُ الفارسِ ألفا وخمسمائة، سِوى النَّفْلِ الذي نَفَلَهُ أهلُ البَلاءِ, وأَرسَل إلى أبي بكرٍ بالفَتحِ والغَنائمِ والسَّبْيِ، وأَخْرَب أَمْغِيشِيا. فلمَّا بلغ ذلك أبا بكرٍ قال: عجَز النِّساءُ أن يَلِدْنَ مِثلَ خالدٍ.
وَقعةُ الوَلَجَةِ وهَزيمةُ الفُرْسِ بقِيادةِ خالدِ بن الوَليد .
العام الهجري : 12 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 633
تفاصيل الحدث:
قامت وَقعةُ الوَلَجَةِ بين الفُرْس والمسلمين بقيادةِ خالدِ بن الوَليد رضِي الله عنه، والوَلَجَةُ مكان في العِراق، وسُمِّيت المعركة باسمه لوُقوع الأحداثِ فيه, لمَّا وقع الخبرُ بأَرْدَشِير بمُصابِ قارَنَ وأهلِ المَذارِ، جَنَّدَ المَلِكُ جيشًا عظيمًا مِن قبيلةِ بكرِ بن وائلٍ والقبائل الأُخرى المُواليةِ له, تحت قِيادةِ قائدٍ مشهور منهم يُدْعى الأندرزغر, وكان فارِسيًّا مِن مولدي السَّوادِ. وأرسل بهمن جاذُوَيْهِ في إثْرِهْ ليقودَ جُيوشَ المَلِكِ, وحشَرَ الأندرزغر مِن بين الحِيرَةِ وكَسْكَر ومِن عَربِ الضَّاحيَةِ, فلمَّا اجتمع للأندرزغر ما أراد واستتمَّ أَعجبَهُ ما هو فيه، وأَجْمَعَ السَّيْرَ إلى خالدٍ، ولمَّا بلغ خالدًا وهو بالقُرْبِ مِن نهرِ دِجْلة خبرُ الأندرزغر ونزوله الوَلَجَة، نادى بالرَّحيلِ، وخَلَّفَ سُوَيدَ بن مُقَرِّنٍ، وأَمرَهُ بِلُزومِ الحَفِيرِ، وتَقدَّم إلى مَن خَلَّفَ في أَسفلِ دِجْلة، وأَمَرَهُم بالحَذَرِ وقِلَّةِ الغَفْلَةِ، وتَرْك الاغْتِرارِ، وخرج خالدٌ سائرًا في الجُنود نحو الوَلَجَةِ، حتَّى نزَل على الأندرزغر بالوَلَجَةِ، فاقتتَلوا بها قِتالًا شديدًا، حتَّى ظن الفريقان أنَّ الصَّبرَ قد فَرَغَ، واسْتبطَأَ خالدٌ كَمينَهُ، وكان قد وضَع لهم كَمينًا في ناحيتين، عليهم بُسْرُ بن أبي رُهْمٍ، وسعيدُ بن مُرَّةَ العِجْليُّ، فخرَج الكَمينُ في وَجهينِ فانْهزمَت صُفوف الأعاجِم ووَلَّوْا، فأخذَهُم خالدٌ مِن بين أيديهم والكَمينُ مِن خَلفِهم، وكانت الهَزيمةُ كاملةً؛ ففَرَّ الفُرْسُ وفَرَّ العَربُ المُوالون لهم, بعد أن قتَل وأسَر منهم عددًا عظيمًا, ومضى الأندرزغر مُنهزمًا, فمات عَطَشًا في الفَلاةِ, وبذَل خالدٌ الأمانَ للفلَّاحين؛ فعادوا وصاروا أهلَ ذِمَّةٍ, وسَبَى ذراريَّ المُقاتِلة ومَن أَعانَهُم.
ج6.سَرِيَّةُ أبي عُبيدةَ بنِ الجَرَّاحِ رضِي الله عنه إلى سِيفِ البَحرِ . العام الهجري : 8 الشهر القمري : رجب العام الميلادي : 629
سَرِيَّةُ أبي عُبيدةَ بنِ الجَرَّاحِ رضِي الله عنه إلى سِيفِ البَحرِ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : رجب العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم أبا عُبيدةَ
بنَ الجَرَّاحِ على رأسِ ثلاثمائةِ رجلٍ إلى سِيفِ البَحرِ, وكان الغَرَضُ مِن هذه السَّرِيَّةِ رَصْدَ عِيرٍ لقُريشٍ، ومُحارَبةَ حَيٍّ مِن جُهينةَ, وزَوَّدَهُم جِرابًا مِن تمرٍ, فجعل أبو عُبيدةَ يَقُوتُهُم إيَّاهُ, حتَّى صار إلى أن يَعُدَّهُ لهم عددًا, حتَّى كان يُعطي كُلَّ رجلٍ منهم كُلَّ يومٍ تمرةً, فقَسَمَها يومًا فنَقصَتْ تمرةٌ عن رجلٍ, فوَجَد فَقْدَها ذلك اليومَ, فلمَّا نَفَدَ ما كان معهم مِنَ الزَّادِ أَكلوا الخَبَطَ وهو وَرَقُ السَّلِمِ, فسُمِّيَ الجيشُ لذلك "جيشَ الخَبَطِ"، وأصابَهُم جوعٌ شَديدٌ, فنَحَرَ قيسُ بنُ سعدِ بنِ عُبادةَ -وكان أحدَ جُنودِ هذه السَّرِيَّةِ- ثلاثَ جَزائِرَ، ثمَّ نَحَرَ ثلاثَ جَزائِرَ، ثمَّ نَحَرَ ثلاثَ جَزائِرَ، ثمَّ إنَّ أبا عُبيدةَ نَهاهُ، فأَلقى إليهم البَحرُ دابَّةً يُقالُ لها: العَنْبَرُ، فأكلوا منها عِشرين ليلةً، وادَّهَنوا منه, حتَّى ثابَتْ منه أَجسامُهم، وصَلحتْ، وأخَذ أبو عُبيدةَ ضِلعًا مِن أَضلاعِه فنظَر إلى أَطولِ رجلٍ في الجيشِ وأَطولِ جَملٍ فحُمِلَ عليه ومَرَّ تَحتَهُ، وتَزوَّدوا مِن لَحمِه وَشَائِقَ، فلمَّا قَدِموا المدينةَ، أَتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فذَكَروا له ذلك، فقال: "هو رِزقٌ أَخرَجهُ الله لكم، فهل معكم مِن لَحمِه شيءٌ تُطْعِمونا؟). فأَرسلوا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم منه فأَكلَهُ".
سَرِيَّةُ أبي قَتادةَ الأَنصاريِّ إلى خَضِرَة .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : شعبان العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا قَتادةَ بنَ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه في سَرِيَّةٍ إلى خَضِرَة؛ وذلك لأنَّ بني غَطَفَانَ كانوا يَحْتَشِدون في خَضِرَة -وهي أرضُ مُحَارِبٍ بِنَجْدٍ- فبعَثهُ صلى الله عليه وسلم في خمسةَ عشرَ رجلًا، فقَتَلَ منهم، وسَبَى وغَنِمَ، وكانت غَيبتُه خمسَ عشرةَ ليلةً.
سَرِيَّةُ أبي قَتادةَ رضِي الله عنه إلى بَطْنِ إِضَمٍ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : رمضان العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
لمَّا نَقضَتْ قُريشٌ ومَن معها العهدَ الذين الذي بينهم وبين المسلمين في الحُديبيةِ عزَم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على المَسيرِ إليهم، أمَر النَّاسَ بالجِهازِ وأَعلمَهُم أنَّه سائِرٌ لمكَّةَ، وقال: (اللَّهمَّ خُذِ العُيونَ والأَخبارَ عن قُريشٍ حتَّى نَبْغَتَها في بِلادِها). وزِيادةٌ في الإخفاءِ والتَّعمِيَةِ بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً قَوامُها ثَمانيةُ رِجالٍ، تحت قِيادةِ أبي قَتادةَ بنِ رِبْعِيٍّ، إلى بَطْنِ إِضَمٍ، فيما بين ذي خَشَبٍ وذي المَروَةِ، على ثلاثةِ بُرُدٍ مِنَ المدينةِ، في أوَّلِ هذا الشَّهرِ الكريمِ؛ لِيَظُنَّ الظَّانُ أنَّه صلى الله عليه وسلم يتَوَجَّهُ إلى تلك النَّاحيةِ، ولِتذهَبَ بذلك الأَخبارُ، وواصلت هذه السَّرِيَّةُ سَيْرَها حتَّى إذا وصلت حيثما أُمِرَتْ بلَغها أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرَج إلى مكَّةَ، فسارت إليه حتَّى لَحِقْتُه.
غَزوةُ فَتحِ مكَّةَ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : رمضان العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
كان سببُها أنَّ المشركين نقَضوا العهدَ الذي بينهم وبين رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فأَغاروا على إحدى القَبائلِ المُحالفةِ للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهي قَبيلةُ خُزاعةَ، ولمَّا عَلِمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالأَمرِ أَمَرَ النَّاسَ بالتَّجَهُّزِ دون أن يُخبِرَهُم بوِجْهَتِه، ثمَّ مضى حتَّى نزَل بمَرِّ الظَّهرانِ وهو وادٍ قَريبٌ مِن مكَّةَ. فعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضِي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خرَج في رَمضانَ مِنَ المدينةِ ومعه عشرةُ آلافٍ، وذلك على رأسِ ثمانِ سِنين ونِصفٍ مِن مَقْدَمِه المدينةَ، فسار هو ومَن معه مِنَ المسلمين إلى مكَّةَ، يَصومُ ويَصومون، حتَّى بلَغ الكَدِيدَ، وهو ماءٌ بين عُسْفانَ، وقُدَيْدٍ أَفطَر وأَفطَروا. وكان أبو سُفيانَ قد رَأى جيشَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قبلَ دُخولِه مكَّةَ، فهالَهُ ما رَأى، ثمَّ أَسلَم في أثناءِ ذلك، ثمَّ جاء إلى قومِه وصرَخ فيهم مُحذِّرًا لهم بأن لا قِبَلَ لهم بِجيشِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وقال لهم ما قاله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَن دخَل دارَ أبي سُفيانَ فهو آمِن، ومَن أَغلَق عليه دارَهُ فهو آمِن، ومَن دخَل المسجِدَ فهو آمِن. فتَفرَّقَ النَّاسُ إلى دورِهِم وإلى المسجِدِ.
وعن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دخَل عامَ الفتحِ مِن كَداءٍ التي بأعلى مكَّةَ. وقد أَهدَر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم دَمَ بعضِ المشركين يومَ الفتحِ، ووجَد عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حولَ البيتِ ثلاثمائةٍ وسِتِّين نُصُبًا، فجعل يَطعنُها بِعودٍ في يَدِه ويقولُ: (جاء الحقُّ وزَهَقَ الباطلُ، جاء الحقُّ، وما يُبْدِئُ الباطلُ وما يُعيدُ). وقد تَفاوَتت الرِّواياتُ في مُدَّةِ إقامتِه صلى الله عليه وسلم عامَ الفتحِ، و الأرجحُ -والله أعلم- أنَّها كانت تِسعةَ عشرَ يومًا.
سَرِيَّةُ خالدِ بنِ الوليدِ رضِي الله عنه إلى العُزَّى بنَخْلَةَ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : رمضان العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
لمَّا اطْمأَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعدَ الفتحِ بعَث خالدَ بنَ الوليدِ إلى العُزَّى لخمسِ ليالٍ بَقِينَ مِن هذا الشَّهرِ الكريمِ لِيَهدِمَها، وكانت بِنَخْلَةَ، وكانت لقُريشٍ وجميعِ بني كِنانةَ, وهي أَعظمُ أَصنامِهم. وكان سَدَنَتُها بني شَيبانَ؛ فخرَج إليها خالدٌ في ثلاثين فارسًا حتَّى انتهى إليها فهَدمَها. ولمَّا رجَع إليها سألهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (هل رأيتَ شيئًا؟). قال: لا. قال: (فإنَّك لم تَهدِمْها فارجِعْ إليها فاهْدِمْها). فرجع خالدٌ مُتَغَيِّظًا قد جَرَّدَ سَيفَهُ فخَرجتْ إليه امرأةٌ عُريانةٌ سَوداءُ ناشِرَةُ الرَّأسِ، فجعَل السَّادِنُ يَصيحُ بها، فضربها خالدٌ فجزَلها بِاثْنتَينِ، ثمَّ رجَع إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأخبرَهُ، فقال: (نعم، تلك العُزَّى، وقد أَيِسَتْ أن تُعْبَدَ في بلادِكُم أبدًا).
سَرِيَّةُ عَمرِو بنِ العاصِ رضِي الله عنه إلى سُواعٍ، صَنَمِ هُذيلٍ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : رمضان العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَمرَو بنَ العاصِ إلى سُواعٍ لِيَهدِمَهُ، وسُواعٌ صَنَمٌ لقومِ نوحٍ عليه السَّلامُ، ثمَّ صار بعدَ ذلك لقَبيلةِ هُذيلٍ المُضَريَّةِ, وظَلَّ هذا الوَثَنُ مَنصوبًا تَعبُدهُ هُذيلٌ وتُعَظِّمُهُ, حتَّى إنَّهم كانوا يَحُجُّون إليه حتَّى فُتِحَتْ مكَّةُ ودخلَت هُذيلٌ فيمَن دخَل في دينِ الله أفواجًا، وكان مَوضعُه بِرُهاطٍ على قُرابةِ 150 كيلو مترًا شمالَ شرقيِّ مكَّةَ، فلمَّا انتهى إليه عَمرٌو قال له السَّادِنُ: ما تُريدُ؟ قال: أمَرني رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن أَهدِمَهُ. قال: لا تَقدِرُ على ذلك. قال: لِمَ ؟ قال تُمْنَعُ. قال: حتَّى الآنَ أنت على الباطلِ؟ وَيْحَكَ فهل يَسمعُ أو يُبصِرُ؟ ثم دَنا فكسَرهُ، وأمَر أصحابَهُ فهدموا بيتَ خَزانَتِهِ فلم يَجِدوا فيه شيئًا، ثمَّ قال للسَّادِنِ: كيف رأيتَ؟ قال: أَسلمتُ لله.
سَرِيَّةُ خالدِ بنِ الوليدِ رضِي الله عنه إلى بني جَذِيمَةَ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : شوال العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
لمَّا رجَع خالدُ بنُ الوليدِ مِن هَدْمِ العُزَّى بعَثهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى بني جَذيمَةَ داعِيًا إلى الإسلامِ لا مُقاتِلًا, فخرَج في ثلاثمائةٍ وخمسين رجلًا مِنَ المُهاجرين والأنصارِ وبني سُليمٍ، فانتهى إليهم فدَعاهُم إلى الإسلامِ فلم يُحسِنوا أن يَقولوا: أَسلَمْنا، فجعلوا يَقولون: صَبَأْنا، صَبَأْنا. -فحملها خالد على أنها سُخرية بالإسلام لأن قريشًا كانت تقول لمن أسلم صبأ تعييرا له- فجعَل خالدٌ يَقتُلُهم ويَأْسِرُهُم, ودفَع إلى كُلِّ رجلٍ ممَّن كان معه أَسِيرًا، فأمَر يومًا أن يَقتُلَ كُلُّ رجلٍ أَسِيرَهُ, فأبى ابنُ عُمَرَ وأصحابُه حتَّى قَدِموا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فذكَروا له، فرفَع صلى الله عليه وسلم يَديهِ وقال: (اللَّهمَّ إنِّي أَبْرَأُ إليك ممَّا صنَع خالدٌ ) مَرَّتين. وكانت بنو سُليمٍ هُم الذين قَتَلوا أَسْراهُم دون المُهاجرين والأنصارِ, وبعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم علِيًّا, فَوَدَى لهم قَتلاهُم وما ذهَب منهم.
غزوة الطَّائفِ بعد أن حاصرها المسلمون أربعين ليلة .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : شوال العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
بعدَ أن تَعقَّبَ المسلمون فُلولَ الهارِبين مِن هَوازِنَ في أَوْطاسٍ ونَخْلةَ، تَوجَّهوا للقَضاءِ على ثَقيفٍ التي فَرَّتْ مِن حُنينٍ وأَوْطاسٍ، وتَحصَّنتْ بحُصونِها المَنيعَةِ في الطَّائفِ، وفي صَحيحِ مُسلمٍ: أنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم ومَن معه مِنَ المسلمين حاصروا المشركين في الطَّائفِ أربعين ليلةً.
عن أبي نَجيحٍ السُّلميِّ قال: حاصَرْنا مع نَبيِّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حِصْنَ الطَّائفِ فسمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ: مَن بلَغ بِسَهْمٍ فَلهُ دَرجةٌ في الجنَّةِ. قال: فبلَغتُ يَومئذٍ سِتَّةَ عشرَ سَهْمًا.....). وقد هرَب مِن ذلك الحِصنِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثلاثةٌ وعشرون رجلًا، عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ، قال: لمَّا حاصَر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الطَّائفَ، فلم يَنَلْ منهم شيئًا قال: «إنَّا قافِلون إن شاء الله. فثَقُلَ عليهم، وقالوا: نَذهبُ ولا نَفتَحُه. فقال: «اغْدوا على القِتالِ». فغَدَوْا فأَصابَهم جِراحٌ، فقال: «إنَّا قافِلون غَدًا إن شاء الله». فأَعجبَهُم، فضَحِكَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.
غَزوةُ حُنينٍ (هَوازِنَ) .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
حُنينُ: وادٍ إلى جَنبِ ذي المَجازِ، قريبٌ مِنَ الطَّائفِ، وبينه وبين مكَّةَ بضعةَ عشرَ مِيلًا مِن جِهَةِ الشرائع والسيل الكبير، وقِيلَ سُمِّيَ بِحُنَيْنٍ؛ نِسبَةً إلى رَجلٍ يُدعَى: حُنينَ بنَ قابِثَةَ بنِ مَهْلائِيلَ.
وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قد أقامَ بمكَّةَ 19 يومًا، حتَّى جاءَتْ هَوازِنُ وثَقيفٌ فنزلوا بحُنينٍ يُريدون قِتالَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكانوا قد جمَعوا قبلَ ذلك حين سَمِعوا بمَخرجِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ المدينةِ، وهُم يَظنُّون أنَّه إنَّما يُريدُهم، فلمَّا أَتاهُم أنَّه قد نزَل مكَّةَ، أخَذوا في الاسْتِعدادِ لِمُواجهَتِه، وقد أَرادوها مَوقِعَةً حاسِمةً، فحَشدوا الأموالَ والنِّساءَ والأَبناءَ حتَّى لا يَفِرَّ أَحدُهم ويَترك أهلَهُ ومالَهُ، وكان يَقودُهم مالكُ بنُ عَوفٍ النَّضْريُّ، واسْتنفَروا معهم غَطَفانَ وغيرَها. فاسْتعَدَّ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم لِمُواجَهتِهم، فاسْتَعارَ مِن يَعْلى بنِ أُميَّةَ ثلاثين بَعيرًا وثلاثين دِرْعًا، واسْتَعارَ مِن صَفوانَ بنِ أُميَّةَ مائةَ دِرْعٍ، واسْتعمَل عَتَّابَ بنَ أَسِيدِ بنِ أبي العاصِ أَميرًا على مكَّةَ، وقد ثبَت في الصَّحيحين أنَّ الطُّلقاءَ قد خرَجوا معه إلى حُنينٍ. واسْتقبَل الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم بجَيشِه وادِيَ حُنينٍ في عَمايَةِ الصُّبْحِ، وانْحَدروا فيه، وعند دُخولِهم إلى الوادي حَملوا على هَوازِنَ فانْكشَفوا، فأَكَبَّ المسلمون على ما تَركوهُ مِن غَنائِمَ، وبينما هُم على هذه الحالِ اسْتقبَلَتْهُم هَوازِنُ وأَمطَرتْهُم بِوابِلٍ مِنَ السِّهامِ، ولم يكنْ المسلمون يَتوقَّعون هذا فضاقَتْ عليهم الأَرضُ بما رَحُبَتْ، فوَلَّوْا مُدْبِرين لا يَلْوِي أحدٌ على أحدٍ، وانْحازَ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم ذاتَ اليَمينِ وهو يقولُ: (أين النَّاسُ؟ هَلُمُّوا إليَّ، أنا رسولُ الله، أنا رسولُ الله، أنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله). وأمَر الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم عَمَّهُ العبَّاسَ -وكان جَهْوَرِيَّ الصَّوتِ- أن يُنادِيَ النَّاسَ بالثَّباتِ، وخَصَّ منهم أصحابَ بَيعةِ الرِّضوانِ، فأَسرَعوا إليه، ثمَّ خَصَّ الأَنصارَ بالنِّداءِ، ثمَّ بني الحارثِ بنِ الخَزرجِ، فطاروا إليه قائِلِين: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ. ودارت المَعركةُ قَويَّةً ضِدَّ هَوازِنَ، وقال الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم عندما رأى المَعركةَ تَشْتَدُّ: (هذا حين حَمِيَ الوَطيسُ). ثمَّ أخَذ حَصَياتٍ -أو تُرابا- فرَمى به وُجوهِ الكُفَّارِ وهو يقولُ: (شاهَتِ الوُجوهُ). فما خلَق الله تعالى منهم إنسانًا إلَّا مَلأَ عَينَيْهِ تُرابًا بتلك القَبضةِ، فوَلَّوْا مُدْبِرين، والرَّسولُ صلى الله عليه وسلم يقولُ: (انْهزَموا ورَبِّ محمَّدٍ)، وفي رِوايةٍ أُخرى: (انْهزَموا ورَبِّ الكَعبةِ, انْهزَموا ورَبِّ الكَعبةِ). وقد رُوِيَ: أنَّ قَتْلى بني مالكٍ مِن ثَقيفٍ لِوَحدِها قد بلَغ 70 قَتيلًا، وقُتِلَ بأَوْطاسٍ مِن بني مالكٍ 300، وقُتِلَ خُلَقٌ كَثيرٌ مِن بني نَصرِ بنِ مُعاوِيَةَ ثمَّ مِن بني رِئابٍ، ورُوِيَ: أنَّ سَبْيَ حُنينٍ قد بلَغ 6000 مِنَ النِّساءِ والأَبناءِ. بينما قُتِلَ مِنَ المسلمين أربعةٌ.
عُمرَةُ الجِعْرانَةِ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
ثبَت أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتمَرَ مِنَ الجِعْرانةِ عامَ حُنينٍ، وهذه العُمرَةُ هي الثَّالثةُ بعدَ عُمرَةِ الحُديبيَةِ وعُمرَةِ القَضاءِ. قال ابنُ حَجَرٍ: فإنَّه صلى الله عليه وسلم أَحرَمَ مِنَ الجِعْرانةِ ودخَل مكَّةَ ليلًا فقَضى أمْرَ العُمرَةِ ثمَّ رجَع ليلًا فأَصبحَ بالجِعْرانةِ كَبائِتٍ. قال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: كانوا يَستَحِبُّون أن يَدخلوا مكَّةَ نهارًا ويَخرُجوا منها ليلًا. وعن عطاءٍ: إن شِئْتُم فادْخُلوا ليلًا إنَّكم لَستُم كرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، إنَّه كان إمامًا فأَحَبَّ أن يَدخُلَها نهارًا لِيَراهُ النَّاسُ. انتهى. وقَضيَّةُ هذا أنَّ مَن كان إمامًا يُقْتَدى به اسْتُحِبَ له أن يَدخُلَها نهارًا.
وَفاةُ أمِّ كُلثومٍ بنتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
العام الهجري : 9 العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
هي أمُّ كُلثومٍ بنتُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم- البَضْعَةُ الرَّابعةُ النَّبَوِيَّةُ، أمُّها خَديجةُ بنتُ خُويلدٍ رضي الله عنها، يُقالُ تَزوَّجها عُتَيْبةُ بنُ أبي لَهبٍ ثمَّ فارَقَها، وأَسلَمتْ وهاجَرتْ بعدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا تُوفِّيتْ أُختُها رُقيَّةُ تزَوَّجَ بها عُثمانُ في رَبيعٍ الأوَّلِ سَنةَ ثلاثٍ فلم تَلِدْ له.
عامُ الوُفودِ .
العام الهجري : 9 العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
كان مِن أَبرَزِ نَتائجِ فَتحِ مكَّةَ أن أَخذتْ قَبائلُ العربِ وأَفرادُها يُبادِرون بإسلامِهم؛ لأنَّهم كانوا يَنتظِرون نَتيجةَ الصِّراعِ بين المسلمين وقُريشٍ، فعن عَمرِو بنِ سَلمةَ قال: كُنَّا بماءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وكان يَمُرُّ بِنا الرُّكبانُ فنسألُهم: ما للنَّاسِ، ما للنَّاسِ؟ ما هذا الرَّجلُ؟ فيقولون: يَزعُم أنَّ الله أَرسلَهُ، أَوْحى إليه -أو: أَوْحى الله بكذا- فكنتُ أَحفظُ ذلك الكلامَ، وكأنَّما يُقَرُّ في صدري، وكانتِ العربُ تَلَوَّمُ بإسلامِهم الفَتحَ، فيَقولون: اتْرُكوهُ وقَومَهُ، فإنَّه إن ظهَر عليهم فهو نَبِيٌّ صادِقٌ. فلمَّا كانت وَقعةُ أهلِ الفَتحِ بادَر كُلُّ قومٍ بإسلامِهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامِهم.
نزول فريضة الحج .
العام الهجري : 9 العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
كان الحَجُّ مَعروفًا قبلَ البعثة، فإبراهيمُ أَذَّنَ في النَّاسِ بالحَجِّ، وحَجَّ موسى وغيرُه مِنَ الأنبياءِ، وبَقِيَ الحَجُّ مَعروفًا ولكن بَدَّلَ فيه المُشركون ما بَدَّلوا، وأَوَّلُ مَن بَدَّلَ عَمرُو بنُ لُحَيٍّ، ثمَّ فرَض الله تعالى الحَجَّ على المسلمين لِمَن اسْتَطاع إليه سَبيلًا، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، وبَيَّن الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم مَناسِكَهُ بِتَمامِها في حَجَّةِ الوَداعِ في سَنَةِ 10هـ، واخْتُلِف في أيِّ عامٍ فُرِضَ الحَجُّ، قِيلَ: فُرِضَ في سَنَةِ سِتٍّ. وقِيلَ: سَنَةَ سبعٍ. وقِيلَ: سَنَةَ ثَمانٍ. وقِيلَ غيرَ ذلك.
وَفاةُ النَّجاشِيِّ صاحِبِ الحَبشةِ رضِي الله عنه .
العام الهجري : 9 الشهر القمري : رجب العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
هو أَصْحَمَةُ بنُ أَبْجَرَ مَلِكُ الحَبشةِ، والنَّجاشيُّ لَقبٌ له ولمُلوكِ الحَبشةِ، ومَعْنى: أَصْحَمَةَ: عَطِيَّةُ، وقِيلَ: عَطِيَّةُ الله، وقِيلَ: عَطاءٌ.
تَوَلَّى الحُكمَ بعدَ مَوتِ عَمِّهِ، وبعدَ سَنواتٍ مِن حُكمِهِ وانْتِشارِ عَدْلِه أَسلمَ في عَهدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأَحسنَ إلى المسلمين الذين هاجَروا إلى أَرضِه، قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأَصحابِه عن النَّجاشيِّ: لو خَرجتُم إلى أرضِ الحَبشةِ فإنَّ بها مَلِكًا لا يُظْلَمُ عنده أحدٌ، وهي أرضُ صِدْقٍ، حتَّى يَجعلَ الله لكم فَرَجًا. ولمَّا ماتَ صلَّى عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ صَلاةَ الغائِبِ، فعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَعى لهم النَّجاشيَّ صاحِبَ الحَبشةِ، في اليَومِ الذي مات فيه، وقال: «اسْتَغْفِروا لأَخيكُم ». وعن جابرٍ رضي الله عنه: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حين مات النَّجاشيُّ: «مات اليَومَ رَجلٌ صالِحٌ، فقوموا فصَلُّوا على أَخيكُم أَصْحَمَةَ».
غَزوةُ تَبوكَ وجَيشُ العُسْرَةِ .
العام الهجري : 9 الشهر القمري : رجب العام الميلادي : 630
تفاصيل الحدث:
تَبوكُ مَوضِعٌ بين وادي القُرى والشَّامِ، قال أبو موسى الأَشعريُّ رضي الله عنه: (أَرسلَني أَصحابي إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَسأَلُه الحُمْلانَ لهم إذ هُم معه في جَيشِ العُسْرَةِ، وهي غَزوةُ تَبوكَ..). وحديث أبي موسى رضي الله عنه فيه دِلالةٌ على ما كان عليه الصَّحابةُ مِنَ العُسْرِ الشَّديدِ في المالِ والزَّادِ والرَّكائِبِ، كما رَوى مُسلمٌ أيضًا عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه ما وقع للمسلمين في طَريقِ هذه الغَزوةِ مِن نَقْصٍ في الزَّادِ حتَّى مَصُّوا النَّوَى وشَرِبوا عليه الماءَ، وفي رِوايةٍ أُخرى لمُسلمٍ: أنَّهم اسْتأذَنوا الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم في نَحْرِ مَطاياهُم لِيأكُلوا. وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117]. قال ابنُ كَثيرٍ: فعزَم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على قِتالِ الرُّومِ؛ لأنَّهم أَقربُ النَّاسِ إليه؛ وأَوْلى النَّاسِ بالدَّعوَةِ إلى الحقِّ لقُربِهِم إلى الإسلامِ وأَهلِه، وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123]. وقد بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم وِجْهَةَ هذه الغَزوةِ، فعن مُعاذٍ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (سَتأْتون غدًا إن شاء الله عَيْنَ تَبوكَ، وإنَّكم لن تَأْتوها حتَّى يَضْحى النَّهارُ، فمَن جاءَها مِنكم فلا يَمَسَّ مِن مائِها شيئًا حتَّى آتي). والمشهورُ والرَّاجحُ أنَّ جَيشَ تَبوكَ كان ثلاثين ألفًا، ولكنَّ الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يَلْقَ حَربًا مِنَ الأعداءِ، فرجَع إلى المدينةِ مُنتصِرًا بعدَ أن أقامَ بتَبوكَ عِشرين ليلةً.
وَفاةُ رَأْسِ المُنافقين عبدِ الله بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ .
العام الهجري : 9 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 631
تفاصيل الحدث:
هو عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ بن ابنُ سَلولَ، رَأْسُ المُنافقين، مَرِضَ في ليالٍ بَقِينَ مِن شَوَّالٍ بعدَ أن رجَع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن غَزوةِ تَبوكَ, ولمَّا مات اسْتَغفَرَ له رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم، وصلَّى عليه بعدَ أن حاوَلَ عُمَرُ مَنْعَهُ عن الصَّلاةِ عليه، وقد نزَل القُرآنُ بعدَ ذلك بِمُوافَقَةِ عُمَرَ رضي الله عنه، وإنَّما صلَّى عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إجراءً له على حُكمِ الظَّاهرِ وهو الإسلامُ؛ ولِما فيه مِن مَصلَحةٍ شَرعيَّةٍ؛ وهو تَأليفُ قُلوبِ قَومِه وتابِعيهِ، فقد كان يَدِينُ له بالوَلاءِ فِئَةٌ كَبيرةٌ مِنَ المُنافقين، فعسى أن يَتأثَّروا ويَرجِعوا عن نِفاقِهم ويَعتبِروا ويُخلِصوا لله ولِرسولِهِ.
حَجَّةُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ونُزولُ سُورةِ بَراءَة .
العام الهجري : 9 الشهر القمري : ذي الحجة العام الميلادي : 631
تفاصيل الحدث:
بعَث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ أَميرًا على الحَجِّ بعدَ انْسِلاخِ ذي القَعدةِ لِيُقيمَ للمسلمين حَجَّهُم -والنَّاسُ مِن أهلِ الشِّركِ على مَنازِلهم مِن حَجِّهِم- فخرَج أبو بكرٍ رضِي الله عنه ومَن معه مِنَ المسلمين، وقد بعَث عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلِيًّا رضي الله عنه بعدَ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه لِيكونَ معه، ويَتوَلَّى علِيٌّ بِنَفْسِه إبلاغَ البَراءةِ إلى المشركين نِيابَةً عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لِكونِهِ ابنَ عَمِّهِ، مِن عَصَبَتِهِ، قال أبو هُريرةَ: بعَثَني أبو بكرٍ في تلك الحَجَّةِ في مُؤَذِّنين يَومَ النَّحْرِ، نُؤَذِّنُ بمِنًى: أن لا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشركٌ، ولا يَطوفَ بالبيتِ عُريانٌ. قال حُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ: ثمَّ أَردَفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا، فأَمَرهُ أن يُؤَذِّنَ ببَراءَة. قال أبو هُريرةَ: فأَذَّنَ مَعَنا علِيٌّ في أهلِ مِنًى يَومَ النَّحْرِ: لا يَحُجُّ بعدَ العامِ مُشرِكٌ، ولا يَطوفُ بالبيتِ عُريانٌ.
تَتابُعُ الوُفودِ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
العام الهجري : 10 العام الميلادي : 631
تفاصيل الحدث:
بَقِيَتِ الوُفودُ تَتابَعُ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان بينها وَفْدُ نَصارى نَجْرانَ، ومصالحتهم وصالَحَهُم على الجِزْيَةِ، وجعَل لهم ذِمَّةً.
وَفاةُ إبراهيمَ ابنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
العام الهجري : 10 العام الميلادي : 631
تفاصيل الحدث:
إبراهيمُ ابنُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمُّهُ مارِيَةُ القِبْطِيَّةُ، وقد كان جَميعُ أَولادِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن خَديجةَ رضي الله عنها، ما عَدا إبراهيمَ فمِن مارِيَةَ القِبطيَّةِ المِصريَّةِ رضي الله عنها، قال أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه: «ما رَأيتُ أحدًا كان أَرحمَ بالعِيالِ مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. قال: كان إبراهيمُ مُسْتَرْضِعًا له في عَوالي المَدينةِ، فكان يَنطلِقُ ونحن معه فيَدخُلُ البيتَ وإنَّه لَيُدَخَّنُ، وكان ظِئْرُهُ قَيْنًا، فيَأخُذهُ فيُقَبِّلُهُ، ثمَّ يَرجِع. قال عَمرٌو: فلمَّا تُوفِّيَ إبراهيمُ قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ إبراهيمَ ابْنِي، وإنَّه مات في الثَّدْيِ، وإنَّ له لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلانِ رَضاعَهُ في الجنَّةِ ». عن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ قال: كَسَفتِ الشَّمسُ على عَهدِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يَومَ مات إبراهيمُ، فقال النَّاسُ: كَسَفتِ الشَّمسُ لِمَوتِ إبراهيمَ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّمسَ والقَمرَ لا يَنْكَسِفانِ لِمَوتِ أَحدٍ ولا لِحَياتِه، فإذا رَأيْتُم فصَلُّوا، وادْعوا الله ». عن أبي بَكرةَ قال: خَسَفتِ الشَّمسُ على عَهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فخرَج يَجُرُّ رِداءَهُ حتَّى انْتَهى إلى المسجدِ، وَثابَ النَّاسُ إليه، فصلَّى بهم رَكعتينِ، فانْجَلتِ الشَّمسُ، فقال: «إنَّ الشَّمسَ والقَمرَ آيتانِ مِن آياتِ الله، وإنَّهما لا يَخْسِفانِ لِمَوتِ أَحدٍ، وإذا كان ذاك فصَلُّوا وادْعوا حتَّى يُكْشَفَ ما بكم». وذاك أنَّ ابْنًا للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مات يُقالُ له: إبراهيمُ. فقال النَّاسُ في ذاك. وُلِدَ له إبراهيمُ بالمدينةِ مِن سُرِّيَّتِهِ مارِيَةَ القِبطيَّةِ، سَنَةَ ثَمانٍ مِن الهِجرةِ، وبَشَّرَهُ به أبو رافعٍ مَولاهُ، فوَهَبَ له عَبدًا، ومات طِفلًا قَبلَ الفِطامِ، واخْتُلِف هل صلَّى عليه أم لا؟ على قَولين.
حَجَّةُ الوَداعِ وتسمى حَجَّةُ الإسلامِ أو حَجَّةُ البَلاغِ .
العام الهجري : 10 العام الميلادي : 631
تفاصيل الحدث:
سُمِّيَتْ حَجَّةَ الوَداعِ؛ لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وَدَّعَ النَّاسَ فيها، ولم يَحُجَّ بعدَها، وسُمِّيَتْ حَجَّةَ الإسلامِ؛ لأنَّه عليه السَّلامُ لم يَحُجَّ مِنَ المدينةِ غيرَها، وسُمِّيَتْ حَجَّةَ البَلاغِ؛ لأنَّه عليه السَّلامُ بلَّغَ النَّاسَ شَرْعَ الله في الحَجِّ قَولًا وفِعلًا، ولم يكنْ بَقِيَ مِن دَعائِمِ الإسلامِ وقَواعِدِهِ شيءٌ إلَّا وقد بيَّنَهُ عليه السَّلامُ، فلمَّا بيَّنَ لهم شَريعَةَ الحَجِّ ووَضَّحَهُ وشَرحَهُ أَنزلَ الله عزَّ وجلَّ عليه وهو واقِفٌ بِعَرفةَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]. وعندما أَعلنَ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم عَزمَهُ على الحَجِّ في هذا العامِ قَدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كَثيرٌ، كُلُّهُم يَلتَمِسُ أن يَأْتَمَّ بِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ويَعملَ مِثلَ عَملِهِ. وخرَج مِنَ المدينةِ لِخمسٍ بَقِينَ مِن ذي القَعدةِ. وقد وقعَت للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في مَسيرِهِ هذا ورُجوعِهِ أَحداثٌ كَثيرةٌ.
ج5.مُحاوَلةُ اليَهودِ مع النبي - ص -
مُحاوَلةُ اليَهودِ تَسميمِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
لمَّا اطْمأنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بخَيبرَ بعدَ فَتحِها أَهدَتْ له زَينبُ بنتُ الحارثِ -امرأةُ سَلاَّمِ بنِ مِشْكَمٍ- شاةً مَصْلِيَّةً، وقد سَألتْ أيَّ عُضْوٍ أَحَبُّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقِيلَ لها: الذِّراعُ، فأَكثرتْ فيها مِنَ السُّمِّ، ثمَّ سَمَّتْ سائرَ الشَّاةِ، ثمَّ جاءت بها، فلمَّا وَضعتْها بين يَدي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تناوَلَ الذِّراعَ، فَلاكَ منها مُضغةً فلم يسغْها، ولَفَظَها، ثمَّ قال: (إنَّ هذا العَظمُ لَيخبِرُني أنَّه مَسمومٌ). ثم دَعا بها فاعْترَفتْ، فقال: (ما حمَلكِ على ذلك؟). قالتْ: قلتُ إن كان مَلِكاً استَرحتُ منه، وإن كان نَبِيًّا فسيُخبَرُ، فتجاوَز عنها. وكان معه بِشْرُ بنُ البَراءِ بنِ مَعْرورٍ، أخَذ منها أَكلةً فأَساغَها، فمات منها, واخْتلفَتِ الرِّواياتُ في التَّجاوُزِ عنِ المرأةِ وقَتْلِها، وأجمعوا بأنَّه تَجاوَز عنها أوَّلًا، فلمَّا مات بِشْرُ قَتَلَها قِصاصًا.
مراسلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المُلوكِ يَدعوهُم إلى الإسلامِ .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
بعدَ رُجوعِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الحُديبيةِ كتَب إلى المُلوكِ يَدعوهُم إلى الإسلامِ, ولمَّا أراد أن يُكاتِبَهُم قِيلَ له: إنَّهم لا يَقرءون كِتابًا إلَّا وعليه خاتمٌ، فاتَّخذَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خاتمًا مِن فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: محمَّدٌ رسولُ الله، وكان هذا النَّقْشُ ثلاثةَ أَسطُرٍ: محمَّدٌ سطرٌ، ورسولُ سطرٌ، والله سطرٌ. وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: « فَكأنِّي بِوَبِيصِ -أو بِبَصِيصِ- الخاتمِ في إصبعِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم -أو في كَفِّهِ-». واختار مِن أصحابِه رُسُلًا لهم مَعرفةٌ وخِبرةٌ، وأَرسلَهُم إلى المُلوكِ فبعَث دِحيةَ بنَ خَليفةَ الكَلبيَّ إلى قَيصرَ مَلِكِ الرُّومِ، فقَرأ الكِتابَ ولم يُسْلِمْ, وبعَث عبدَ الله بنَ حُذافةَ السَّهميَّ إلى كِسرى مَلِكِ الفُرْسِ، فلمَّا قُرِئَ الكِتابُ عليه مَزَّقَهُ، ولمَّا بلَغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَزَّقَ الله مُلْكَهُ). وقد كان كما قال, وبعَث عَمرَو بنَ أُميَّةَ الضَّمْريَّ إلى النَّجاشيِّ مَلِكِ الحَبشةِ، فلمَّا أَعطاهُ كِتابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَخَذهُ ووَضعَهُ على عَينِه، ونزَل عن سَريرهِ على الأرضِ، وبعَث حاطِبَ بنَ أبي بَلْتَعَةَ إلى المُقَوْقِسِ مَلِكِ الإسكندريَّةِ, فأخَذ كِتابَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فجَعلهُ في حُقِّ مِن عاجٍ، وختَم عليه، ثم كتَب إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كِتابًا, ولم يُسْلِمْ, وأَهداهُ جاريتين هُما مارِيَةُ، وشيرين وسِيرينُ، وبَغلةً تُسمَّى دُلْدُلَ. وبعَث عَمرَو بنَ العاصِ السَّهميَّ إلى جَيْفَرٍ وعياد عَبَّادٍ ابْنَي الجُلُنْديِّ الأَزديِّين مَلِكَي عُمانَ، فأجابا إلى الإسلامِ جميعًا، وصدَّقا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم, وبعَث سَليطَ بنَ عَمرٍو أَحَدَ بني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ إلى هَوذةَ بنِ عليٍّ الحَنفيِّ مَلِكِ اليَمامةِ, فرَدَّ عليه رَدًّا دون رَدٍّ، وكتَب إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (ما أحسنَ ما تدعو إليه وأَجملَهُ، والعربُ تَهابُ مَكاني، فاجعلْ لي بعضَ الأمرِ أَتَّبِعُكَ). وبعَث العَلاءَ بنَ الحَضرميِّ إلى المُنذِرِ بنِ ساوى العَبديِّ مَلكِ البَحريْنِ فلمَّا أَتاهُ كِتابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَسلمَ, وبعَث شُجاعَ بنَ وَهْبٍ الأَسَديَّ إلى الحارثِ بنِ أبي شِمْرٍ الغسَّانيِّ مَلِكِ تُخومِ الشَّامِ, فلمَّا بلَغهُ الكِتابُ رَمى به وقال: مَن يَنزِعُ مُلكي مِنِّي؟ أنا سائرٌ إليه, ولم يُسْلِمْ. واسْتأذنَ قَيصرَ في حربِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فثَنَّاهُ عن عزمِه، فأَجازَ الحارثُ شُجاعَ بنَ وَهْبٍ بالكِسْوَةِ والنَّفَقةِ، ورَدَّهُ بالحُسنى, وبعَث المُهاجرَ بنَ أبي أُميَّةَ المَخزوميَّ إلى الحارثِ بنِ عبدِ كُلالٍ الحِمْيَريِّ مَلِكِ اليَمنِ وقد أَسلمَ هو وأَخواهُ جميعًا.
غَزوةُ ذاتِ الرِّقاعِ .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
قال جابرُ بنُ عبدِ الله رضي الله عنه: خرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى ذاتِ الرِّقاعِ مِن نخلٍ، فلَقِيَ جمعًا مِن غَطَفانَ، فلم يكن قِتالٌ، وأخاف النَّاسُ بعضُهم بعضًا، فصَلَّى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ركعتي الخوفِ، وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: خرجنا مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في غَزوةٍ ونحن سِتَّةُ نفرٍ، بيننا بَعيرٌ نَعْتَقِبُه، فنَقِبَتْ أَقدامُنا، ونَقِبَتْ قَدمايَ، وسقَطت أَظفاري، وكُنَّا نَلُفُّ على أَرجُلِنا الخِرَقَ، فسُمِّيت غزوةَ ذاتِ الرِّقاعِ، لِما كُنَّا نَعصِبُ مِنَ الخِرَقِ على أَرجُلِنا. وحدَّث أبو موسى بهذا ثمَّ كَرِهَ ذاك، قال: ما كنتُ أصنعُ بأن أذكُرَهُ، كأنَّه كَرِهَ أن يكونَ شيءٌ مِن عملِه أَفشاهُ. وعن صالحِ بنِ خَوَّاتٍ، عمَّن شَهِدَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يومَ ذاتِ الرِّقاعِ صلَّى صلاةَ الخوفِ: أنَّ طائفةً صَفَّتْ معه، وطائفةٌ وِجاهَ العَدُوِّ، فصلَّى بالتي معه ركعةً، ثمَّ ثبَت قائمًا، وأتمُّوا لأَنفُسِهم ثمَّ انصرفوا، فصَفُّوا وِجاهَ العَدُوِّ، وجاءتِ الطَّائفةُ الأُخرى فصَلَّى بهم الرَّكعةَ التي بَقِيتْ مِن صلاتِه ثمَّ ثبَت جالسًا، وأتمُّوا لأَنفُسِهم، ثمَّ سلَّم بهم. وهي غَزوةُ مُحارِبِ خَصَفَةَ وبني ثَعلبةَ مِن غَطَفانَ، وعن جابرِ بنِ عبدِ الله رضِي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى بأصحابهِ في الخوفِ في غَزوةِ السَّابعةِ، غَزوةِ ذاتِ الرِّقاعِ. وعن جابرٍ قال: صلَّى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بهم يومَ مُحارِبٍ، وثَعلبةَ.
سَرِيَّةُ غالبِ بنِ عبدِ الله اللَّيثيِّ إلى بني المُلَوَّحِ بُقدَيْدٍ .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةَ غالبِ بنِ عبدِ الله اللَّيثيِّ إلى بني المُلَوَّحِ بِقُدَيْدٍ، وكان بنو المُلَوَّحِ قد قَتلوا أصحابَ بشيرِ بن سُوَيْدٍ، فبُعِثت هذه السَّرِيَّةُ لأَخذِ الثَّأرِ، فشَنُّوا الغارةَ في اللَّيلِ فقَتلوا مَن قَتلوا، وساقوا النَّعَمِ، وطاردَهُم جيشٌ كَبيرٌ مِنَ العَدُوِّ، حتَّى إذا قرب مِنَ المسلمين نزل مَطَرٌ، فجاء سَيلٌ عَظيمٌ حال بين الفَريقين. ونجَح المسلمون في بَقِيَّةِ الانسِحابِ.
سرية زيد بن حارثة إلى أرض حِسْمى .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : جمادى الآخرة العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
أرسل الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم بكِتابٍ إلى قَيصرِ الرُّومِ وكان حاملَ الكِتابِ هو دِحيةُ بنُ خَليفةَ الكَلبيُّ، فلمَّا كان مِن قَيصرَ ما كان أجاز دِحيةَ بنَ خَليفةَ الكَلبيَّ بمالٍ وكِسوَةٍ، ولمَّا كان دِحيةُ بحِسْمَى في الطَّريقِ لَقِيَهُ ناسٌ مِن جُذَامَ، فقَطعوها عليه، فلم يتركوا معه شيئًا، فجاء دِحيةُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قبلَ أن يَدخُلَ بيتَه فأخبرَهُ، فبعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زيدَ بنَ حارثةَ إلى حِسْمَى، وهي وَراءَ وادي القُرى، في خمسمائةِ رجلٍ، فشَنَّ زيدٌ الغارةَ على جُذامَ، فقَتل فيهم قتلًا ذَريعًا، واسْتاقَ نَعَمَهُم ونِساءَهُم، فأخذ مِنَ النَّعَمِ ألفَ بَعيرٍ، ومِنَ الشَّاةِ خمسةَ آلافٍ، والسَّبْيِ مائةً مِنَ النِّساءِ والصِّبيانِ. وكان بين النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وبين قَبيلةِ جُذامَ مُوادَعةٌ، فأسرعَ زيدُ بنُ رِفَاعةَ الجُذاميُّ أَحَدُ زُعماءِ هذه القَبيلةِ بتَقديمِ الاحْتِجاجِ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان قد أَسلمَ هو ورِجالٌ مِن قومِه، ونَصَروا دِحيةَ حين قُطِعَ عليه الطَّريقُ، فقَبِلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم احْتِجاجَهُ، وأَمَر بِرَدِّ الغَنائمِ والسَّبْيِ.
سَرِيَّةُ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضِي الله عنه إلى (تُرَبَةَ) طائفةٍ مِن هَوازِنَ .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : شعبان العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رضِي الله تعالى عنه في ثلاثين رجلًا إلى عَجُزِ هَوازِنَ -مَحِلٌّ بينه وبين مكَّةَ أربعُ ليالٍ بطَريقِ صَنعاءَ يُقالُ له: تُرَبَةُ-. وأَرسلَ صلى الله عليه وسلم دليلًا مِن بني هِلالٍ فكان يَسيرُ اللَّيلَ ويَكْمُنُ النَّهارَ، فأتى الخبرُ لِهَوازنَ فهَربوا، فجاء عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضِي الله تعالى عنه مَحالَّهُم فلم يَجِدْ منهم أحدًا فانصرَف راجعًا إلى المدينةِ فلمَّا كان بِمَحِلٍّ بينه وبين المدينةِ سِتَّةُ أميالٍ قال له الدَّليلُ هل لك جَمْعٌ آخرُ مِن خَثْعَمَ؟ فقال له عُمَرُ رضِي الله تعالى عنه: لم يَأمُرْني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بهم، إنَّما أَمرَني بقِتالِ هَوازِنَ.
سَرِيَّةُ بَشيرِ بنِ سعدٍ الأَنصاريِّ إلى بني مُرَّةَ بِناحِيةِ فَدَكٍ .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : شعبان العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةَ بَشيرِ بنِ سعدٍ الأَنصاريِّ إلى بني مُرَّةَ بِناحِيةِ فَدَكٍ، في ثلاثين رجلًا. وخرَج إليهم واسْتاقَ الشَّاءَ والنَّعَمَ، ثمَّ رجَع فأَدْركَهُ الطَّلَبُ عند اللَّيلِ، فرَمَوْهُم بالنَّبْلِ حتَّى فَنِيَ نَبْلُ بَشيرٍ وأصحابِه، فقُتِلوا جميعًا إلَّا بَشيرًا، فإنَّه حُمِلَ وبه رَمَقٌ إلى فَدَكٍ، فأقام عند يَهودَ حتَّى بَرَأَتْ جِراحُهُ، فرجَع إلى المدينةِ.
سَرِيَّةُ غالبِ بنِ عبدِ الله اللَّيثيِّ إلى بني عُوَالٍ .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : رمضان العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةَ غالبِ بنِ عبدِ الله اللَّيثيِّ، إلى بني عُوَالٍ وبني عبدِ بنِ ثَعلبةَ بالمَيْفَعَةِ، وقِيلَ إلى الحُرَقَاتِ مِن جُهَيْنَةَ في مائةٍ وثلاثين رجلًا؛ فهجَموا عليهم جميعًا، وقتَلوا مَن أَشرفَ لهم، واسْتاقوا نَعَمًا وشَاءً، وفي هذه السَّرِيَّةِ قَتَلَ أُسامةُ بنُ زيدٍ نَهِيكَ بن مِرْدَاسٍ بعدَ أن قال: لا إلَه إلَّا الله. فلمَّا قَدِموا وأُخْبِرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، كَبُرَ عليه وقال: (أَقَتلتَهُ بعدَ ما قال: لا إلَه إلَّا الله؟!). فقال: إنَّما قالها مُتَعَوِّذًا قال: (فَهَلَّا شَققتَ عن قَلبِه فتَعلمُ أَصادِقٌ هو أم كاذبٌ؟).
سَرِيَّةُ عبدِ الله بنِ رَواحةَ إلى خَيبرَ لِقَتلِ يَسيرِ بنِ رِزامٍ اليَهوديِّ .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : شوال العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
بلَغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ يَسيرَ بنَ رِزامٍ اليَهوديَّ يَجمعُ غَطَفانَ لِيَغزو بهم المدينةَ، فبعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بنَ رَواحةَ في ثلاثين راكبًا إلى يَسيرِ بنِ رِزامٍ حتَّى أَتَوْهُ بِخَيبرَ، فقالوا: أَرسلَنا إليك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِيَستعمِلَك على خَيبرَ, فلم يزالوا به حتَّى تَبِعَهُم في ثلاثين رجلًا مع كُلِّ رجلٍ منهم رَديفٌ مِنَ المسلمين، فلمَّا بلغوا قَرْقَرَةَ نِيارٍ نَدِمَ يَسيرُ بنُ رِزامٍ فأَهوى بيدِه إلى سَيفِ عبدِ الله بنِ رَواحةَ، ففَطِنَ له عبدُ الله بنُ رَواحةَ فزَجَر بَعيرَهُ ثمَّ اقْتَحَم يَسوقُ بالقَومِ، حتَّى اسْتمكَن مِن يَسيرٍ فضرَب رِجلَهُ فقطَعها، واقْتحَم يَسيرٌ وفي يدِه مِخْراشٌ مِن شَوْحَطٍ فضرَب به وَجْهَ عبدِ الله بنِ رَواحةَ فشَجَّهُ شَجَّةً مَأمومةً, وانْكفَأ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ المسلمين على رَديفِه فقَتلهُ، غَيرَ رَجُلٍ واحدٍ مِنَ اليَهودِ أعَجزَهُم شَدًّا ولم يُصِبْ مِنَ المسلمين أحدًا، فبَصَقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في شَجَّةِ عبدِ الله بنِ رَواحةَ فلم تُقَيَّحْ ولم تُؤْذِهِ حتَّى مات.
سَرِيَّةُ أبي حَدْرَدٍ الأَسلميٍّ إلى الغابةِ .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةَ أبي حَدْرَدٍ الأسلميِّ إلى الغابةِ، وسببُ ذلك أنَّ رجلًا مِن جُشَمِ بنِ مُعاويةَ أَقبلَ في عددٍ كبيرٍ إلى الغابةِ، يُريدُ أن يَجمعَ قَيسًا على مُحارَبةِ المسلمين، فبعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا حَدْرَدٍ مع رَجلينِ ليأتوا منه بِخَبرٍ وعِلْمٍ، فوصلوا إلى القومِ مع غُروبِ الشَّمسِ، فكَمَنَ أبو حَدْرَدٍ في ناحيةٍ، وصاحِباهُ في ناحيةٍ أُخرى، وأَبطأَ على القومِ رِاعيهِم حتَّى ذهَبتْ فَحْمَةُ العِشاءِ، فقام رَئيسُ القومِ وَحدَهُ، فلمَّا مَرَّ بأبي حَدْرَدٍ رَماهُ بِسَهمٍ في فُؤادِه فسقَط ولم يَتكلَّمْ، فاحْتَزَّ أبو حَدْرَدٍ رَأسَهُ، وشَدَّ في ناحيةِ العَسكرِ وكَبَّرَ، وكَبَّرَ صاحِباهُ وشَدَّا، فما كان مِنَ القومِ إلَّا الفِرارُ، واسْتاقَ المسلمون الثلاثةُ الكَثيرَ مِنَ الإبلِ والغَنَمِ.
عُمرَةُ الحُديبيةِ وتُسَمَّى (عُمرَةَ القَضاءِ) .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
قال ابنُ عبَّاسٍ رضِي الله عنهما: قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه مكَّةَ، وقد وَهَنَتْهُم حُمَّى يَثْرِبَ، قال المشركون: إنَّه يَقدُمُ عليكم غَدًا قومٌ قد وَهَنَتْهُم الحُمَّى، ولَقوا منها شِدَّةً، فجلسوا ممَّا يَلِي الحِجْرَ، وأَمرَهُم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يَرمُلوا ثلاثةَ أَشواطٍ، ويَمشوا ما بين الرُّكنَينِ، لِيَرى المشركون جَلَدَهُم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زَعمْتُم أنَّ الحُمَّى قد وَهَنَتْهُم، هؤلاء أَجلدُ مِن كذا وكذا. قال ابنُ عبَّاسٍ: ولم يَمنعْهُ أن يَأمُرَهُم أن يَرمُلوا الأشواطَ كُلَّها إلَّا الإبْقاءُ عليهم. وفي هذه العُمرَةِ تَزوَّجَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بمَيمونَةَ بنتِ الحارثِ رضي الله عنها.
سَرِيَّةُ ابنِ أبي العَوجاءِ إلى بني سُلَيْمٍ .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : ذي الحجة العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى بني سُلَيْمٍ سَرِيَّةِ ابنِ أبي العَوجاءِ، في خمسين رجلاً، وذلك لِيَدعُوَهُم إلى الإسلامِ؛ فقالوا: لا حاجةَ لنا إلى ما دَعوتَنا، ثمَّ قاتَلوا قِتالًا شَديدًا. جُرِحَ فيه أبو العَوجاءِ، وأُسِرَ رَجُلان مِنَ العَدُوِّ.
وَفاةُ زَينبَ رضِي الله عنها بنتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
العام الهجري : 8 العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
هي زينبُ بنتُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأَكبرُ أَخواتِها، تَزوَّجَها في حياةِ أمِّها ابنُ خالتِها أبو العاصِ بنُ الرَّبيعِ، فوَلدتْ له أُمامَةَ التي تَزوَّجَ بها عليُّ بنُ أبي طالبٍ بعدَ فاطمةَ، ووَلدتْ له عليَّ بنَ أبي العاصِ، أَسلمتْ زَينبُ وهاجرتْ قبلَ إسلامِ زَوجِها بسِتِّ سنين، قالت أمُّ عَطيَّةَ: لمَّا ماتتْ زَينبُ بنتُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال لنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اغْسِلْنَها وِترًا ثلاثًا، أو خمسًا، واجْعَلْنَ في الخامسةِ كافورًا، أو شيئًا مِن كافورٍ، فإذا غَسَّلْتُنَّها، فأَعْلِمْنَني». قالت: فأَعلَمْناهُ، فأعطانا حِقْوَهُ وقال «أَشْعِرْنَها إيَّاهُ ».
سريَّة أَوْطاسٍ (وادٍ بين مكة والطائف) .
العام الهجري : 8 العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
لمَّا فرَغ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن حُنينٍ بعَث أبا عامرٍ على جيشٍ إلى أَوْطاسٍ، فلَقِيَ دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّةِ، فقُتِلَ دُريدٌ وهزَم الله أصحابَهُ، قال أبو موسى الأَشعريُّ: وبعَثني مع أبي عامرٍ عُبيدٍ الأَشعريِّ، فرُمِيَ أبو عامرٍ في رُكْبَتِهِ، رَماهُ جُشَمِيٌّ بِسَهمٍ فأَثْبَتَهُ في رُكبتِهِ، فانتَهيتُ إليه فقلتُ: يا عمِّ مَن رَماك؟ فأَشار إليه فقال: ذاك قاتِلي الذي رَماني. فقصدتُ له فلَحِقْتُهُ، فلمَّا رَآني وَلَّى، فاتَّبَعْتُه وجعلتُ أقولُ له: ألا تَسْتَحْيِي، ألا تَثْبُتُ، فكَفَّ، فاخْتلَفْنا ضَربتين بالسَّيفِ فقَتلتُه، ثمَّ قلتُ لأبي عامرٍ: قتَل الله صاحِبَك. قال: فانْزَعْ هذا السَّهمَ. فنَزعْتُه فنَزا منه الماءُ قال: يا ابنَ أخي أَقْرِئْ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم السَّلامَ، وقُلْ له: اسْتَغْفِرْ لي. واسْتخلَفني أبو عامرٍ على النَّاسِ، فمكَث يَسيرًا ثمَّ مات، فرجعتُ فدخلتُ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في بيتِه على سَريرٍ مُرْمَلٍ وعليه فِراشٌ، قد أَثَّرَ رِمالُ السَّريرِ بِظَهْرِهِ وجَنْبَيْهِ، فأَخبرتُه بخَبرِنا وخَبرِ أبي عامرٍ، وقال: قُلْ له اسْتَغْفِرْ لي. فدَعا بماءٍ فتَوضَّأَ، ثمَّ رفَع يَديهِ فقال: «اللَّهمَّ اغْفِرْ لعُبيدٍ أبي عامرٍ». ورَأيتُ بَياضَ إِبْطَيْهِ، ثمَّ قال: «اللَّهمَّ اجْعَلْهُ يومَ القِيامةِ فوقَ كَثيرٍ مِن خَلقِك مِنَ النَّاسِ». فقلتُ: وَلِي فَاسْتَغْفِرْ. فقال: «اللَّهمَّ اغْفِرْ لعبدِ الله بنِ قَيسٍ ذَنْبَهُ، وأَدْخِلْهُ يومَ القِيامةِ مُدخَلًا كَريمًا» قال أبو بُردةَ: إحداهُما لأبي عامرٍ، والأُخرى لأبي موسى .
إِسلامُ عَمرِو بنِ العاصِ وخالدِ بنِ الوليدِ وعُثمانَ بنِ طلحةَ رضِي الله عنهم .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : صفر العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
قال خالدُ بنُ الوليدِ: لمَّا أراد الله عزَّ وجلَّ ما أَراد مِنَ الخيرِ قذَف في قلبي الإسلامَ وحضَرني رُشدي, وقلتُ قد شَهِدتُ هذه المواطِنَ كُلَّها على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم فليس مَوطنٌ أَشهدُه إلَّا أَنصرِفُ وأنا أَرى في نَفْسي أنِّي في غيرِ شيءٍ وأنَّ محمَّدًا سيَظهرُ، فلمَّا خرَج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الحُديبيةِ خَرجتُ في خيلِ المشركين فقمتُ بإزائِه في عُسْفانَ وتَعرَّضتُ له، فصلَّى بأصحابِه الظُّهرَ أمامَنا فهَمَمْنا أن نُغِيرَ عليه فلم نُمَكَّنْ منه, فصلَّى بأصحابِه صلاةَ العَصرِ صلاةَ الخَوفِ فوقع ذلك مِنَّا مَوقِعًا، وقلتُ: الرَّجلُ ممنوعٌ. فافْتَرقنا, فلمَّا صالح قُريشًا بالحُديبيةِ, ثمَّ دخَل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مكَّةَ في عُمرَةِ القَضاءِ طَلبَني فلم يَجِدْني، وكتَب إليَّ كِتابًا فيه: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم أمَّا بعدُ، فإنِّي لم أَرَ أَعجبَ مِن ذِهابِ رَأيكِ عنِ الإسلامِ وعَقلِكَ, ومِثلُ الإسلامِ يَجهلُه أَحدٌ؟. ثمَّ سأل عَنِّي, فقِيلَ: له يأتي الله به. فقال: ما مِثلُه جَهِلَ الإسلامَ, ولو كان يجعل نِكايتَهُ مع المسلمين على المشركين كان خيرًا له، ولَقَدَّمْناهُ على غَيرِه. فلما جاءَني كِتابُه نَشَطْتُ للخُروجِ، وزادني رَغبةً في الإسلامِ، وسَرَّني سُؤالُه عَنِّي, فلمَّا أَجمعتُ الخُروجَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لَقِىيتُ عُثمانَ بنَ طلحةَ فعَرضتُ عليه الإسلامَ فأَسرعَ الإجابةَ، فخرج معي حتى انتهينا إلى الهَدةِ فوَجدْنا عَمرَو بنَ العاصِ بها, فقال: مرحبًا بالقومِ. فقُلنا: وبِكَ. قال: إلى أين مَسيرُكُم؟ قُلنا: الدُّخولُ في الإسلامِ، واتِّباعُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم. فقال: وذاك الذي أَقدَمني. فاصْطحَبْنا جميعًا حتَّى دخَلنا المدينةَ, فلَبِسْتُ مِن صالحِ ثِيابي ثمَّ عَمدتُ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم, وقد أُخبِرَ بِنا فَسُرَّ بقُدومِنا, فما زال يَتَبَسَّمُ حين رآني حتَّى وَقفتُ عليه، فسَلَّمتُ عليه بالنُّبُوَّةِ فرَدَّ عليَّ السَّلامَ بوَجْهٍ طَلْقٍ، فقلتُ: إنِّي أَشهدُ أن لا إلَه إلَّا الله، وأنَّك رسولُ الله. فقال الحمدُ لله الذي هَداك، قد كنتُ أَرى لك عَقلًا رَجَوْتُ أن لا يُسْلِمَكَ إلَّا إلى خيرٍ. قلتُ: يا رسولَ الله قد رأيتَ ما كنتُ أشهدُ مِن تلك المواطنِ عليك، فادعُ الله يَغفِرُها لي. فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: الإسلامُ يَجُبُّ ما كان قَبلَهُ.
سَرِيَّةُ غالبِ بنِ عبدِ الله اللَّيثيِّ إلى أَصحابِ بَشيرِ بنِ سعدٍ بفَدَكٍ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : صفر العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى مُصابِ أَصحابِ بَشيرِ بنِ سعدٍ بفَدَكٍ سَرِيَّةَ غالبِ بنِ عبدِ الله، في مِائتي رجلٍ؛ فأصابوا مِن بني مُرَّةَ نَعَمًا، وقتلوا منهم قَتْلى.
سَرِيَّةَ كعبِ بنِ عُميرٍ الأنصاريِّ إلى بني قُضَاعَةَ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةَ ذاتِ أطلح بقِيادةِ كعبِ بنِ عُميرٍ الأنصاريِّ في خمسةَ عشرَ رجلًا إلى بني قُضَاعَةَ؛ حيث كانت قد حَشدتْ جُموعًا كَبيرةً للإغارَةِ على المسلمين، فلَقوا العَدُوَّ، فدَعَوْهُم إلى الإسلامِ، فلم يَستَجيبوا لهم، وأَرشَقوهُم بالنَّبْلِ حتَّى قُتِلوا كُلُّهم إلَّا رجلًا واحدًا، فقد ارْتُثَّ مِن بين القَتْلى.
سَرِيَّةُ شُجاعِ بنِ وَهْبٍ رضِي الله عنه إلى بني هَوازِنَ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
كانت بنو هَوازِنَ قد مَدَّتْ يدَ المَعونَةِ لأعداءِ المسلمين مِرارًا, فأَرسلَ إليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شُجاعَ بنَ وَهْبٍ الأَسديَّ في خمسةٍ وعشرين رجلًا، وهم بالسِّيِّ, ناحيةَ رُكْبَةَ, مِن وراءِ المَعدِن, وهي مِنَ المدينةِ على خمسِ ليالٍ، وأَمرهُ أن يُغِيرَ عليهم, فكان يَسيرُ اللَّيلَ ويكَمُنُ النَّهارَ, حتَّى صَبَّحَهُم وهُم غارون، وقد أَوعزَ إلى أصحابِه ألَّا يُمْعِنوا في الطَّلَبِ، فأصابوا نَعَمًا كَثيرًا وشاءً, ولم يَلقوا كَيْداً, واسْتاقوا ذلك حتَّى قَدِموا المدينةَ, واقْتسَموا الغَنيمةَ, فكانت سهمانهم خمسةَ عشرَ بَعيرًا لِكُلِّ رَجلٍ, وعَدلوا البَعيرَ بِعشرٍ مِنَ الغَنَمِ، وكان مَغيبُهم خمسَ عشرةَ ليلةً.
غَزوةُ مُؤْتَةَ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : جمادى الأولى العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً في ثلاثةِ آلافِ مُقاتلٍ على الجيشِ زيدُ بنُ حارثةَ، فإن أُصيبَ فجَعفرُ بنُ أبي طالبٍ، فإنْ أُصيبَ فعبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ، وشَيَّعهُم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ووَدَّعهُم، ثمَّ انْصرَف ونهَضوا، فلمَّا بلغوا مَعانَ مِن أرضِ الشَّامِ، أَتاهُم الخبرُ: أنَّ هِرقلَ مَلِكَ الرُّومِ قد نزل أرضَ بني مآبٍ، -أرضَ البَلقاءِ- في مائةِ ألفٍ مِنَ الرُّومِ، ومائةِ ألفٍ أُخرى مِن نَصارى أهلِ الشَّامِ، فأقام المسلمون في مَعانَ لَيلتينِ، يتَشاوَرون في أمرِ اللِّقاءِ بِعَدُوِّهِم البالغِ مِائتي ألفٍ فقالوا: نَكتُب إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نُخبِرُهُ بعَددِ عَدُوِّنا، فيَأمُرنا بأَمرِهِ أو يُمِدُّنا. فقال عبدُ الله بنُ رَواحةَ: يا قومُ، إنَّ الذي تَكرَهون لَلَّتِي خَرجتُم تَطلُبون -يعني الشَّهادةَ- وما نُقاتِلُ النَّاسَ بِعدَدٍ ولا قُوَّةٍ، وما نُقاتِلُهُم إلَّا بهذا الذي أَكرَمَنا الله به، فانْطَلِقوا فهي إحدى الحُسْنَيينِ: إمَّا ظُهورٌ، وإمَّا شَهادةٌ. فَوافقَهُ الجيشُ على هذا الرَّأيِ ونهَضوا، حتَّى إذا كانوا بتُخومِ البَلقاءِ لَقوا بعضَ الجُموعِ التي مع هِرقلَ بالقُربِ مِن قريةٍ يُقالُ لها: مُؤْتَةُ. فاقتَتَلوا، فقُتِلَ زيدُ بنُ حارثةَ، فأخَذ الرَّايةَ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ، فقاتَل حتَّى قُطِعَتْ يَمينُه، فأخَذ الرَّايةَ بِيُسْراهُ فقُطِعَتْ، فاحْتضَنَها فقُتِلَ كذلك، فأخَذ عبدُ الله بنُ رَواحةَ الرَّايةَ، وتَرَدَّدَ عنِ النُّزولِ بعضَ التَّرَدُّدِ، ثمَّ صَمَّمَ، فقاتَل حتَّى قُتِلَ، فأخَذ الرَّايةَ ثابتُ بنُ أَقرمَ، وقال: يا مَعشرَ المسلمين، اصْطَلِحوا على رجلٍ منكم. فقالوا: أنت. قال: لا. فاصطَلَح النَّاسُ على خالدِ بنِ الوليدِ، فلمَّا أخَذ الرَّايةَ دافَع القَومَ وحاشى بهِم، ثمَّ انْحازَ وانْحِيزَ عنه، حتَّى انْصرَف بالنَّاسِ، فتَمَكَّنَ مِنَ الانْسِحابِ بمَن معه مِنَ المسلمين، قال خالدُ بنُ الوليدِ: لقد انقْطَعَتْ في يَدي يومَ مُؤْتَةَ تِسعةُ أَسيافٍ فما بَقِيَ في يَدي إلَّا صَفيحةٌ يَمانِيَّةٌ». وهذا يقتضي أنَّهم أثْخَنوا فيهم قَتْلًا، ولو لم يكن كذلك لَما قَدَروا على التَّخَلُّصِ منهم، ولهذا السَّببِ ولِغيرِهِ ذهَب بعضُ المُحقِّقين إلى أنَّ المسلمين قد انتصروا في هذه المعركةِ ولم يُهزَموا. عن أنسٍ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، نَعَى زيدًا، وجعفرًا، وابنَ رَواحةَ للنَّاسِ، قبلَ أن يَأتِيَهُم خَبرُهُم، فقال: «أخَذ الرَّايةَ زيدٌ فأُصيبَ، ثمَّ أخَذ جعفرٌ فأُصيبَ، ثمَّ أخَذ ابنُ رَواحةَ فأُصيبَ، وعَيناهُ تَذْرِفانِ حتَّى أخَذ سيفٌ مِن سُيوفِ الله حتَّى فتَح الله عليهم».
غَزوةُ ذاتِ السَّلاسِلِ .
العام الهجري : 8 الشهر القمري : جمادى الآخرة العام الميلادي : 629
تفاصيل الحدث:
كانت بعدَ غزوة مُؤْتَةَ، وسُمِّيتْ ذاتَ السَّلاسِلِ لأنَّها وقعت بالقُرْبِ مِن ماءٍ يُقالُ له: السَّلْسَلُ. بلَغ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أنَّ جمعًا مِن قُضاعةَ تَجَمَّعوا وأَرادوا أن يَدنوا مِن أَطرافِ المدينةِ فَدعا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَمرَو بنَ العاصِ فعقَد له لِواءً أَبيضًا وبَعثَهُ في ثلاثمائةٍ مِن سَراةِ المُهاجرين والأنصارِ، فكان أَميرُها عَمرَو بنَ العاصِ رضي الله عنه. قال عَمرٌو: بعَث إليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: خُذْ عليك ثِيابَك وسِلاحَك ثمَّ ائْتِني. فأَتيتُه وهو يتَوضَّأُ، فصَعَّد فِيَّ النَّظرَ، ثمَّ طَأْطَأَ، فقال: إنِّي أُريدُ أن أَبعثَكَ على جَيشٍ، فيُسَلِّمَك الله ويُغْنِمَك، وأَرْغَبُ لك مِنَ المالِ رَغبةً صالِحةً، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، ما أَسلمتُ مِن أجلِ المالِ، ولكنِّي أَسلمتُ رَغبةً في الإسلامِ، وأن أكونَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عَمرُو، نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالحِ ).
وفي الغَزوةِ سأَلهُ أصحابُه أن يُوقِدوا نارًا فمَنعَهُم فكَلَّموا أبا بكرٍ فكَلَّمهُ في ذلك فقال: لا يُوقِدُ أحدٌ منهم نارًا إلَّا قَذفْتُه فيها. قال: فلَقوا العَدُوَّ فهَزموهُم فأرادوا أن يَتَبَعوهُم فمنَعهُم، فلمَّا انصرَف ذلك الجيشُ ذَكَروا للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وشَكَوْهُ إليه، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي كَرِهتُ أن آذنَ لهم أن يُوقِدوا نارًا فيَرى عَدُوُّهم قِلَّتَهُم، وكَرِهتُ أن يَتْبَعُوهم فيكونُ لهم مَدَدٌ فيَعْطِفوا عليهم. فحمِد رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَمْرَهُ...). وفيها صلَّى عَمرٌو بالنَّاسِ وهو جُنُبٌ ومعه ماءٌ، لم يَزِدْ على أن غسَل فَرْجَهُ وتَيمَّمَ، فلمَّا قَدِمَ عَمرٌو على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم سأَلهُ عن صلاتِه، فأَخبرَهُ فقال: والذي بعثَك بالحقِّ لو اغْتسَلتُ لَمُتُّ، لم أَجِدْ بَردًا قَطُّ مِثلَهُ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، فضَحِك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولم يَقُلْ له شيئًا.
ج4.نُزولُ آيةِ الحِجابِ . العام الهجري : 5 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 627
نُزولُ آيةِ الحِجابِ .
العام الهجري : 5 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 627
.
تفاصيل الحدث:
وكان سببُ نُزولِها أنَّ عُمَرَ رضي الله عنه كان يَقولُ
لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: لو أَمرتَ نِساءَك أن يَحْتَجِبْنَ، فإنَّه يُكلِّمُهُنَّ البَرُّ والفاجرُ، فنزَل قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ... إلى قوله تعالى:..وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ".
غَزوةُ يَهودِ بني قُرَيْظَةَ .
العام الهجري : 5 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 627
تفاصيل الحدث:
وقعَت هذه الغَزوةُ بعدَ غَزوةِ الأحزابِ مُباشرةً، وكان سببُها نقضَ بني قُريظةَ العهدَ الذي بينهم وبين النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بتَحريضٍ مِن حُيَيِّ بنِ أَخطبَ النَّضْريِّ. وكان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد أَرسلَ الزُّبيرَ لِمعرفةِ نِيَّتِهم، ثمَّ أَتبَعهُ بالسَّعدَيْنِ –سَعدِ بنِ عُبادةَ وسَعدِ بنِ مُعاذٍ- وابنِ رَواحةَ، وخَوَّاتِ بنِ جُبيرٍ لِذاتِ الهدفِ ليَتأكَّدَ مِن غَدرِهم. وقد أمَر الله تعالى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم، بقِتالِهم بعدَ عَودتِه مِنَ الخَندقِ ووَضْعِهِ السِّلاحَ، فأَوْصى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أصحابَهُ أن يَتوجَّهوا إلى بني قُريظةَ، وقال لهم: (لا يُصَلِّيَنَّ أَحدُكم العَصرَ إلَّا في بني قُريظةَ). كما في رِوايةِ البُخاريِّ، أو (الظُّهرَ) كما في رِوايةِ مُسلمٍ. فضرَب الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم الحِصارَ على بني قُريظةَ لمُدَّةِ خمسٍ وعِشرين ليلةً على الأرجحِ، حتَّى نزلوا على حُكمِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم، فأَحَبَّ أن يَكِلَ الحُكمَ عليهم إلى واحدٍ مِن رُؤساءِ الأَوْسِ؛ لأنَّهم كانوا حُلفاءَ بني قُريظةَ، فجعل الحُكمَ فيهم إلى سعدِ بنِ مُعاذٍ، فلمَّا دَنا مِنَ المسلمين قال الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم للأنصارِ: قوموا إلى سَيِّدِكُم -أو خَيرِكُم- ثمَّ قال: إنَّ هؤلاءِ نزلوا على حُكمِك. قال -أي سعدُ بنُ مُعاذٍ-: تُقْتَلُ مُقاتِلَتُهم، وتُسْبى ذَرارِيُّهُم، وتُقْسَمُ أَموالُهم. فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: قَضيتَ بحُكمِ الله تعالى. ونَفَّذَ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم هذا الحُكمَ فيهم، وكانوا أَربعمائةٍ على الأرجحِ. ولم يَنْجُ إلَّا بعضُهم، ثمَّ قَسَّمَ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم أَموالَهم وذَراريَّهُم بين المسلمين.
مَقتلُ سَلَّامِ بنِ أبي الحُقَيْقِ اليَهوديِّ .
العام الهجري : 6 العام الميلادي : 627
تفاصيل الحدث:
هو أبو رافعٍ سَلَّامُ بنُ أبي الحُقَيْقِ شاعرٌ وفارسٌ يَهوديٌّ، أحدُ الذين حَزَّبوا الأحزابَ ضِدَ المسلمين في غزوةِ الأحزابِ، وأَعانَهُم بالمُؤَنِ والأَموالِ الكَثيرةِ، ولمَّا قتَل الله كعبَ بنَ الأشرفِ على يدِ رجالٍ مِنَ الأَوسِ بعدَ وقعةَ بدرٍ كان أبو رافعٍ سَلَّامُ بنُ أبي الحُقيقِ ممَّن أَلَّبَ الأحزابَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولم يُقتلْ مع بني قُريظةَ كما قُتِلَ صاحبُه حُيَيُّ بنُ أَخطبِ، رَغِبتِ الخَزرجُ في قتلِه طلبًا لِمُساواةِ الأَوسِ في الأَجرِ. وكان الله سُبحانه قد جعَل هذين الحَيَّيْنِ يَتَصاولانِ بين يدي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الخيراتِ، فاسْتأذَنوا رسولَ الله في قتلِه فأَذِن لهم، فعنِ البَراءِ بنِ عازبٍ قال: بعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافعٍ اليَهوديِّ رِجالًا مِنَ الأنصارِ، فأَمَّرَ عليهم عبدَ الله بنَ عَتيكٍ، وكان أبو رافعٍ يُؤذي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ويُعينُ عليه، وكان في حِصنٍ له بأرضِ الحجازِ، فلمَّا دَنَوْا منه وقد غَربتِ الشَّمسُ، وراح النَّاسُ بِسَرْحِهِم، فقال عبدُ الله لأصحابِه: اجْلِسوا مَكانَكُم، فإنِّي مُنطلِقٌ، ومُتَلَطِّفٌ للبَوَّابِ، لَعلِّي أن أَدخُلَ، فأقبل حتَّى دَنا مِنَ البابِ، ثمَّ تَقَنَّعَ بِثَوبهِ كأنَّه يَقْضي حاجةً، وقد دخل النَّاسُ، فهتَف به البَوَّابُ: يا عبدَ الله، إن كُنتَ تُريدُ أن تَدخُلَ فادخُلْ، فإنِّي أُريدُ أن أُغلقَ البابَ، فدخلتُ فكَمَنْتُ، فلمَّا دخَل النَّاسُ أَغلقَ البابَ، ثمَّ عَلَّقَ الأَغاليقَ على وَتَدٍ، قال: فقمتُ إلى الأقاليدِ فأَخذتُها، ففتحتُ البابَ، وكان أبو رافعٍ يُسْمَرُ عنده، وكان في عَلالِيَّ له، فلمَّا ذهَب عنه أهلُ سَمَرِهِ صَعدتُ إليه، فجعلتُ كلمَّا فتحتُ بابًا أَغلقتُ عليَّ مِن داخلٍ، قلتُ: إن القومَ نَذِروا بي لم يَخْلُصوا إليَّ حتَّى أَقتُلَه، فانتهيتُ إليه، فإذا هو في بيتٍ مُظلمٍ وسطَ عِيالهِ، لا أَدري أين هو مِنَ البيتِ، فقلتُ: يا أبا رافعٍ، قال: مَن هذا؟ فأَهويتُ نحوَ الصَّوتِ فأَضرِبُه ضَربةً بالسَّيفِ وأنا دَهِشٌ، فما أَغنيتُ شيئًا، وصاح، فخرجتُ مِنَ البيتِ، فأَمكثُ غيرَ بَعيدٍ، ثمَّ دَخلتُ إليه، فقلتُ: ما هذا الصَّوتُ يا أبا رافعٍ؟ فقال: لِأُمِّكَ الوَيْلُ، إنَّ رجلًا في البيتِ ضَربَني قبلُ بالسَّيفِ. قال: فأَضرِبُه ضَربةً أَثْخَنَتْهُ ولم أَقتُلْه، ثمَّ وَضعتُ ظِبَةَ السَّيفِ في بَطنِه حتَّى أخَذ في ظَهرهِ، فعَرفتُ أنِّي قَتلتُه، فَجعلتُ أَفتحُ الأبوابَ بابًا بابًا، حتَّى انْتهَيتُ إلى دَرجةٍ له، فوَضعتُ رِجلي، وأنا أَرى أنِّي قد انْتهَيتُ إلى الأرضِ، فوقعتُ في ليلةٍ مُقْمِرَةٍ، فانكَسرتْ ساقي، فعَصَبْتُها بِعِمامةٍ، ثمَّ انطَلقتُ حتَّى جَلستُ على البابِ، فقلتُ: لا أخرجُ اللَّيلةَ حتَّى أَعلمَ: أَقتلتُه؟ فلمَّا صاح الدِّيكُ قام النَّاعي على السُّورِ فقال: أَنْعى أبا رافعٍ تاجرَ أهلِ الحِجازِ. فانطَلقتُ إلى أصحابي، فقلتُ: النَّجاءَ، فقد قتَل الله أبا رافعٍ، فانتهَيتُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فحَدَّثتُه، فقال: «ابْسُطْ رِجْلَكَ». فبَسطتُ رِجلي فمسَحها فكأنَّها لم أَشْتَكِها قَطُّ .
غَزوةُ ذي قَرَدٍ .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 627
تفاصيل الحدث:
أَغار عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ -في بني عبدِ الله بنِ غَطَفانَ- على لِقاحِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم التي بالغابةِ، فاسْتاقَها وقتَل راعيَها، وهو رجلٌ مِن غِفارٍ، وأخذوا امْرأتَهُ، فكان أوَّلَ مَن نذَر بهم سَلمةُ بنُ عَمرِو بنِ الأَكْوَعِ الأَسلميُّ رضي الله عنه، يقول سَلمةُ: خَرجتُ قبلَ أن يُؤذَّنَ بالأولى، وكانت لِقاحُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تَرعى بِذي قَرَدٍ، قال: فلَقِيَني غُلامٌ لِعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ فقال: أُخِذَتْ لِقاحُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. فقُلتُ: مَن أخَذها؟ قال: غَطَفانُ. قال: فصَرختُ ثلاثَ صَرخاتٍ، يا صَباحاهُ. قال: فأَسمَعتُ ما بين لابَتَيِ المدينةِ، ثمَّ اندَفعتُ على وجهي حتَّى أدركتُهم بِذي قَرَدٍ، وقد أخَذوا يَسقون مِنَ الماءِ، فجَعلتُ أَرميهِم بِنَبْلي، وكنتُ راميًا، وأقولُ: أنا ابنُ الأكوعِ... واليومُ يومُ الرُّضَّعِ، فأَرتَجِز حتَّى اسْتنقَذتُ اللِّقاحَ منهم، واسْتلَبتُ منهم ثلاثين بُردةً، قال: وجاء النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم والنَّاسُ، فقلتُ: يا نَبيَّ الله، إنِّي قد حَمَيْتُ القومَ الماءَ وهُم عِطاشٌ، فابعثْ إليهم السَّاعةَ. فقال: «يا ابنَ الأَكوعِ مَلَكْتَ فأَسْجِحْ». ثمَّ قال: «إنَّهم الآنَ ليُقْرَوْنَ في غَطَفانَ». وذهَب الصَّريخُ بالمدينةِ إلى بني عَمرِو بنِ عَوفٍ، فَجاءتِ الأَمدادُ ولم تَزلْ الخيلُ تأتي، والرِّجالُ على أَقدامِهم وعلى الإبلِ حتَّى انْتَهَوْا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِذي قَرَدٍ. وبلغ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ماءً يُقالُ له: ذو قَرَدٍ. فنحَر لِقْحَةً ممَّا اسْتَرجَع، وأقام هناك يومًا وليلةً، ثمَّ رجَع إلى المدينةِ. وقُتِلَ في هذه الغَزوةِ الأَخْرَمُ، وهو مُحْرِزُ بنُ نَضْلَةَ رضي الله عنه، قتَلهُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عُيينةَ، وتَحوَّل على فَرسِه، فحمَل عليه أبو قَتادةَ فقَتلهُ، واسْتَرجَع الفَرسَ، وكانت لِمحمودِ بنِ مَسلمةَ، وأَقبلتِ المرأةُ المَأسورةُ على ناقةٍ لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقد نَذرتْ: إنِ الله أَنجاها عليها لَتَنْحَرَنَّها، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: بِئسَ ما جَزَتْها، لا نذرَ لابنِ آدمَ فيما لا يَملِك، ولا في مَعصيةٍ. وأخَذ ناقتَهُ. وقد رَوى مُسلمٌ في صَحيحِه عن سَلمةَ بنِ الأَكوعِ في هذه القِصَّةِ قال: فرجَعنا إلى المدينةِ، فلم نَلبثْ إلَّا ثلاثَ ليالٍ، حتَّى خرَجنا إلى خَيبرَ.
سرية محمد بن مسلمة رضي الله عنه إلى القرطاء .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 627
تفاصيل الحدث:
بَعَثَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُحمَّدَ بن مَسلَمةَ رَضي اللهُ عنه في ثلاثين راكِبًا إلى القُرْطاءِ -بينها وبين المدينةِ سَبعُ ليالٍ-، وهم بَطنٌ من بني بَكرٍ، واسمُه: عُبَيدُ بنُ كِلابٍ.
فخَرَج محمدُ بنُ مَسلَمةَ رَضي اللهُ عنه وأصحابُه فسار اللَّيلَ واستَتَر النَّهارَ، فلمَّا أغار عليهم هَرَب سائِرُهم بعد أن قَتَل نَفَرًا منهم، واستاقَ المسلمون نَعَمًا وشاءً، وقَدِموا المدينةَ لِلَيلةٍ بَقيَت من المُحرَّمِ ومعهم ثُمامةُ بنُ أُثالٍ الحَنفيُّ سيِّدُ بني حَنيفةَ، كان قد خَرَج مُتنَكِّرًا لاغتيالِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأمرِ مُسيلِمةَ الكَذَّابِ، فأخَذَه المسلمون، فلمَّا جاؤوا به رَبَطوه بساريةٍ من سَواري المَسجِدِ، فخَرَج إليه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: "ما عِندَكَ يا ثُمامةُ؟" فقال: عِندي خَيرٌ يا مُحمَّدُ، إنْ تَقتُلْ تَقتُلْ ذا دَمٍ، وإنْ تُنعِمْ تُنعِمْ على شاكِرٍ، وإنْ كُنتَ تُريدُ المالَ فسَلْ تُعطَ منه ما شِئتَ، فتَرَكَه. ثم مرَّ به مرَّةً أُخرَى، فقالَ له مِثلَ ذلك، فرَدَّ عليه كما ردَّ عليه أولًا، ثم مرَّ مرَّةً ثالِثةً فقال بعدما دار بينهما الكَلامُ السَّابِقُ: "أطلِقوا ثُمامةَ"، فأطلَقوه، فذَهَب إلى نَخلٍ قَريبٍ من المسجِدِ، فاغتَسَل، ثم جاءه فأسلَمَ، وقال: "واللهِ ما كان على وَجهِ الأرضِ وَجهٌ أبغَضَ إليَّ من وَجهِك، فقد أصبَحَ وَجهُك أحبَّ الوُجوهِ إليّ، وواللهِ ما كان على وَجهِ الأرضِ دينٌ أبغَضَ إلَيَّ من دِينِك، فقد أصبَحَ دينُك أحَبَّ الأديانِ إليَّ، وإنَّ خَيلَك أخذَتْني وأنا أُريدُ العُمرةَ، فبَشَّرَه رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأمَره أن يَعتَمِرَ؛ فلمَّا قَدِم على قُرَيشٍ قالوا: صَبَأتَ يا ثُمامةُ، قال: لا واللهِ، ولكنِّي أسلَمتُ مع مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا واللهِ لا يأتيكُم من اليَمامةِ حَبَّةُ حِنطةٍ حتى يأذنَ فيها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم". وكانت يَمامةُ ريفُ مكةَ؛ فانصَرَف إلى بلادِه، ومَنَع الحَمْلَ إلى مكةَ، حتى جَهِدَت قُريشٌ، وكَتَبوا إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسألونه بأرحامِهِم أن يَكتُبَ إلى ثُمامةَ يُخلِّي إليهِم حَمْلَ الطَّعامِ؛ ففَعَل رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
سرية عُكَّاشة بن مِحصَن رضي الله عنه إلى الغَمر (ماء بني أسد) .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 627
تفاصيل الحدث:
بَعَث رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُكَّاشةَ بنَ مِحصَنٍ رَضي اللهُ عنه إلى الغَمْرِ -ماءٍ لبني أسَدٍ- في أربعين رَجلًا، فيهم: ثابِتُ بنُ أقرَمَ، وشُجاعُ بنُ وَهبٍ؛ فخَرَج سَريعًا ونَذِرَ به القَومُ فهَرَبوا فنَزَلوا عَلياءَ بلادِهِم، ووَجَد ديارَهم خُلوفًا -أي: أهلُها غائِبون-، فبَعَث شُجاعَ بنَ وَهبٍ طَليعةً؛ فرَأى أثَرَ النَّعَمِ، فتَحمَّلوا فأصابوا مَن دَلَّهم على بَعضِ ماشيَتِهِم، فأمَّنوه، فدَلَّهم على نَعَمٍ لبني عمٍّ له، فأغاروا عليها، فاستاقوا مِائتَي بَعيرٍ؛ فأرسَلوا الرَّجلَ، وساقوا النَّعَمَ إلى المدينةِ، وقَدِموا على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولم يَلقَوا كَيدًا.
سرية محمد بن مسلمة رضي الله عنه إلى بني ثعلبة وبني عوال بذي القَصَّةِ .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : ربيع الآخر العام الميلادي : 627
تفاصيل الحدث:
بَعَث رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُحمَّدَ بنَ مَسلَمةَ رَضي اللهُ عنه، ومعه عَشَرةُ نَفَرٍ إلى بني ثَعلَبةَ من غَطَفانَ وبني عَوالٍ من ثَعلَبةَ، وهم بذي القَصَّةِ، فوَرَدوا عليهم ليلًا، فأحدَق به القومُ، وهم مئةُ رجلٍ، فتَرامَوا ساعةً من اللَّيلِ، ثم حَمَلتِ الأعرابُ عليهم بالرِّماحِ فقَتَلوهم جميعًا، ووَقَع محمدُ بنُ مَسلَمةَ جَريحًا، فضَرَبوا كعبَه فلم يتحرَّك فظَنُّوا مَوتَه، فجَرَّدوه من الثيابَ وانطَلَقوا، ومر بمُحمَّدٍ وأصحابِه رجلٌ من المسلمين فاستَرجَعَ، فلمَّا سَمِعه مُحمَّدٌ يَستَرجِعُ تَحرَّك له، فأخَذه وحَمَله إلى المدينةِ؛ فعند ذلك بَعَث رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبا عُبيدةَ بنَ الجرَّاحِ في أربعين رجُلًا إلى مَصارِعِهم فلم يَجِدوا أحدًا، ووَجَدوا نَعَمًا وشاءً فانحدَروا بها إلى المَدينةِ.
سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : ربيع الآخر العام الميلادي : 627
تفاصيل الحدث:
أرسل رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ رَضي اللهُ عنه إلى ذي القَصَّةِ -موضِعٍ قريبٍ من المدينةِ- على إثرِ مَقتَلِ أصحابِ مُحمَّدِ بنِ مَسلمةَ رَضي اللهُ عنه في أربعين رجلًا من المسلمين حين صَلَّوُا المَغرِبَ، فسار إليهم مُشاةً حتى وافَوا ذي القَصَّةِ مع عَمايةِ الصُّبحِ -بقيَّةِ ظُلمةِ اللَّيلِ- فأغاروا عليهم، فأعجَزوهم هَرَبًا في الجبالِ، وأصابوا رجلًا فأسلم فتَرَكوه، وغَنِموا نَعَمًا من نَعَمِهِم فاستاقوه، ورِثَّةً -السَّقَطَ من مَتاعِ البَيتِ- من مَتاعِهم، وقَدِموا بذلك المدينةَ، فخَمَّسَه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقسَّم ما بَقيَ عليهم. وعند ابنِ سعدٍ في طَبَقاتِه: أنَّ سببَ بَعثِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبا عُبيدةَ رَضي اللهُ عنه إلى ذي القَصَّةِ: هو ما بَلَغه مِن أنَّ بني مُحارِبِ بنِ خَصَفةَ، وثَعلبةَ وأنمارٍ -وهما من غَطَفانَ- أجمَعوا أن يُغيروا على سَرحِ المَدينةِ، وهو يَرعَى بهَيفا -موضِعٍ على سَبعةِ أميالٍ من المدينةِ-، فلَعلَّ الرسولَ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بَعَث أبا عُبيدةَ رَضي اللهُ عنه مرَّتَين إلى ذي القَصَّةِ، أو أن يَكونَ البَعثُ مرَّةً واحِدةً، ولكنْ له سَبَبانِ: الأخذُ بثَأرِ أصحابِ مُحمَّدِ بن مَسلَمةَ رَضي اللهُ عنه المَقتولين، ودَفْعُ مَن أراد الإغارةَ على سَرحِ المَدينةِ.
سرية زيد بن حارثة رضي الله عنه إلى الجموم (ماءٌ على طَريقِ مكةَ) .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : ربيع الآخر العام الميلادي : 627
تفاصيل الحدث:
بَعَث رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زيدَ بنَ حارِثةَ رَضي اللهُ عنه إلى بني سُلَيمٍ؛ فسار حتى وَرَد الجَمومَ -وهو ماءٌ على طَريقِ مكةَ- ناحيةَ بَطنِ نَخلٍ عن يَسارِها، فأصابوا عليه امرَأةً من مُزَينةَ يقال لها: حَليمةُ، فدَلَّتهم على مَحَلَّةٍ من مَحالِّ بني سُلَيمٍ؛ فأصابوا في تلك المَحَلَّةِ نَعَمًا وشاءً وأسرى، فكان فيهم زوجُ حَليمةَ المُزنيَّةِ، فلمَّا قَفَل زيدُ بنُ حارِثةَ رَضي اللهُ عنه إلى المَدينةِ بما أصاب، وَهَب رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للمُزَنيَّةِ نَفسَها وزَوجَها.
غزوة بني لحيان (الذين غدروا يوم الرجيع) .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : جمادى الأولى العام الميلادي : 627
تفاصيل الحدث:
بنو لِحيانَ: هم الذين غدروا بخُبَيبِ بنِ عَديٍّ رَضي اللهُ عنه وأصحابِه يومَ الرَّجيعِ، ولمَّا كانت ديارُهم مُتوغِّلةً في بلاد الحِجازِ إلى حدودِ مكةَ، ولوُجودِ ثاراتٍ بين المسلمين من جهةٍ، وقُريشٍ والأعرابِ من جهة أُخرَى، رأى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ألَّا يَتوغَّلَ في البلادِ القريبةِ من العَدوِّ الأكبَرِ والرَّئيسيِّ قُريشٍ، فلمَّا تَخاذَلَتِ الأحزابُ، وانكَسَرَت عزائِمُهم، رأى أنَّ الوقتَ قد حان لغَزوِ بني لِحيانَ وأخذِ الثَّأرِ لأصحابِ الرَّجيعِ؛ فخَرَج إليهمُ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم طالِبًا بدِماءِ أصحابِه في مِائَتين من أصحابِه، ومعهم عِشرون فَرَسًا، واستَخلَف على المدينةِ عبدَ اللهِ بنَ أُمِّ مَكتومٍ رَضي اللهُ عنه، وأظهَر رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه يُريدُ الشَّامَ ليُصيبَ بني لِحيانَ غِرَّةً، ثم أسرَع السَّيرَ حتى انتَهَى إلى وادي غُرانَ بين أمَجَّ -مَوضِعٍ بين مكةَ والمدينةِ- وعُسفانَ -قريةٍ بين مكةَ والمدينةِ-، وهي منازِلُ بني لِحيانَ، وفيها كان مُصابُ أصحابِه، فتَرَحَّم عليهم ودعا لهم. وسَمِعت به بنو لِحيانَ، فهَرَبوا واحتَمَوا في رؤوسِ الجِبالِ؛ فلم يَقدِر رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أحدٍ منهم؛ فأقام رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأرضِهم يَومًا أو يومَين، وبَعَث السَّرايا في كلِّ ناحيةٍ فلم يَقدِروا على أحدٍ. ثم سار رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأصحابِه إلى عُسفانَ لتَسمَعَ به قُرَيشٌ فيُداخِلَهمُ الرُّعبُ، وليُريَهم من نَفسِه قُوَّةً؛ فبَعَث أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ رَضي اللهُ عنه في عَشَرةِ فَوارِسَ إلى كُراعِ الغَميمِ -مَوضِعٍ بين مكةَ والمدينةَ-، ثم رَجَع أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضي اللهُ عنه ولم يَلْقَ أحدًا.
سرية زيد بن حارثة رضي الله عنه إلى العيص .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : جمادى الأولى العام الميلادي : 627
تفاصيل الحدث:
بَعَث رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زيدَ بنَ حارِثةَ رَضي اللهُ عنه في سَريَّةٍ في سبعين ومئةِ راكِبٍ إلى العيصِ -اسمِ مَوضِعٍ قُربَ المدينةِ على ساحِلِ البحرِ- بهَدفِ اعتِراضِ عيرٍ لقُريشٍ أقبلَت مِن الشامِ بقيادةِ أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ، فأدرَكوها، فأخَذوها وما فيها، وأخَذوا يومئذٍ فِضَّةً كَثيرةً لصَفوانَ بنِ أُميَّةَ، وأسَروا ناسًا ممَّن كان في العيرِ، منهم: أبو العاصِ بنُ الرَّبيعِ، وقَدِموا بهم إلى المدينةِ. وكان أبو العاصِ من رجالِ مكة المعدودين تِجارةً ومالًا وأمانةً، وهو زوجُ زَينبَ بنتِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأمُّه هالةُ بِنتُ خويلدٍ أُختِ خَديجةَ رَضي اللهُ عنها. فأتى أبو العاصِ زينبَ رَضي اللهُ عنها في اللَّيلِ، وكانت زينبُ هاجَرَت قَبلَه وتَرَكَته على شِركِه فاستَجارَ بها فأجارَته، وأجازَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جِوارَها.
سرية زيد بن حارثة إلى بني ثعلبة بالطَّرف (ماء قرب المدينة) .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : جمادى الآخرة العام الميلادي : 627
تفاصيل الحدث:
بَعَث رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زيدَ بنَ حارِثةَ رَضي اللهُ عنه إلى الطَّرَفِ -هو ماءٌ على ستَّةٍ وثلاثين ميلًا من المدينةِ-، فخَرَج إلى بني ثَعلبةَ في خَمسةَ عَشَرَ رَجُلًا، فهَرَبتِ الأعرابُ وخافوا أن يكونَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سار إليهم، وأنَّ هؤلاءِ مُقدِّمةٌ؛ فأصابَ مِن نَعَمِهم عِشرين بَعيرًا، ورَجَع إلى المدينةِ، ولم يَلْقَ كيدًا، وغابَ أربَعَ لَيالٍ. وكان شِعارُهم: "أمِتْ أمِتْ".
سرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى دومة الجندل .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : شعبان العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
دعا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عبدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ رَضي اللهُ عنه، فقال له: "تَجهَّزْ؛ فإنِّي باعِثُك في سَريَّةٍ مِن يَومِك هذا، أو مِن الغَدِ إن شاءَ اللهُ تعالى"، فأصبَحَ عبدُ الرَّحمنِ فغَدا إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأقعَدَه بين يَدَيه وعمَّمَه بيَدِهِ، ثمَّ عَقَد له رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللواءَ بيَدِه، أو أمرَ بلالًا يَدفَعُه إليه، ثم قال له: "خُذه باسمِ اللهِ وبَرَكَتِه"، ثم حَمِد الله تعالى، ثم قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "اغزُ باسمِ الله، وفي سَبيلِ الله، فقاتِل مَن كَفَر بالله! ولا تَغُلَّ -الغُلولُ: هو الخيانةُ في المَغنَمِ والسَّرِقةُ من الغَنيمةِ قَبْلَ القِسمةِ-، ولا تَغدِرْ، ولا تَقتُلْ وَليدًا"، ثم أمَرَه رسولُ الله أن يَسيرَ إلى بني كَلْبٍ بدُومةِ الجَندَلِ، فيَدعوَهم إلى الإسلامِ، وقال له: "إنِ استَجابوا لَكَ فتَزَوَّجِ ابنةَ مَلِكِهِم". فسار عبدُ الرَّحمنِ رَضي اللهُ عنه بأصحابِه وكانوا سَبعَمِئةِ رَجلٍ، حتى قَدِمَ دُومةَ الجَندَلِ؛ فمَكَث ثلاثةَ أيَّامٍ يَدعوهم إلى الإسلامِ؛ فلمَّا كان اليومُ الثالِثُ أسلَمَ رأسُهم ومَلِكُهمُ الأصبَغُ بنُ عَمرٍو الكَلبيُّ، وكان نَصرانيًّا، وأسلَمَ معه ناسٌ كَثيرٌ من قَومِه؛ فبَعَث عبدُ الرحمنِ رافِعَ بنَ مَكيثٍ بَشيرًا إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخبِرُه بما فَتَح الله عليه وكَتَب له بذلك، وتزوَّجَ عبدُ الرحمنِ تُماضِرَ بِنتَ الأصبَغِ وقَدِمَ بها المدينةَ، فوَلَدَت له بعد ذلك أبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ.
سرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى بني فزارة بوادي القرى .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : رمضان العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
كان بَطنُ فَزارةَ يُريدُ اغتيالَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فبَعَث رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَريَّةً على رَأسِها: أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضي اللهُ عنه فأغار عليهم، وقَتَل وأسَر وسَبَى، وكان مِن شَياطينِهم أُمُّ قِرْفةَ التي جهَّزَت ثلاثين فارِسًا من أهلِ بَيتِها لاغتيالِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُتِلوا وسُبيَتِ ابنَتُها، ففَدَى بها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعضَ أُسارَى المسلمين في مكةَ.
أخرج الإمامُ مسلمٌ في «صَحيحِه» عن سَلَمةَ بنِ الأكوَعِ رَضي اللهُ عنه قال: غَزَونا فَزارةَ، وعلينا أبو بَكرٍ؛ أمَّرَه رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علينا؛ فلمَّا كان بيننا وبين الماءِ ساعةٌ أمَرَنا أبو بَكرٍ فعَرَّسنا ثم شنَّ الغارةَ، فوَرَدَ الماء، فقَتَل مَن قَتَل عليه، وسَبَى، وأنظُرُ إلى عُنُقٍ من النَّاسِ، فيهِمُ الذَّراري فخَشيتُ أن يَسبِقوني إلى الجبلِ، فرَمَيتُ بسهمٍ بينهم وبين الجبلِ. فلمَّا رَأوُا السَّهمَ وَقَفوا، فجِئتُ بهم أسوقُهم. وفيهمُ امرَأةٌ من بني فَزارةَ عليها قَشْعٌ من أدَمٍ -أي: ثَوبٌ من الجِلدِ-، معها ابنةٌ من أحسَنِ العَرَبِ، فسُقتُهم حتى أتيتُ بهم أبا بَكرٍ، فنَفَلَني أبو بكرٍ ابنَتَها. فقَدِمنا المدينةَ، وما كَشَفتُ لها ثَوبًا، فلَقيَني رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في السُّوقِ، فقال: "يا سَلَمةُ، هَبْ لي المَرأةَ". فقلتُ: "يا رسولَ الله، والله لقد أعجَبَتني، وما كَشَفتُ لها ثَوبًا"، ثم لَقيَني رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الغَدِ في السُّوقِ، فقال لي: "يا سَلَمةُ، هَبْ لي المَرأةَ للهِ أبوكَ!" فقلتُ: هي لك يا رسولَ الله، فوالله ما كَشَفتُ لها ثَوبًا. فبَعَث بها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أهلِ مكةَ، ففَدَى بها ناسًا من المسلمين، كانوا أُسِروا بمكةَ.
سرية كُرز بن جابر الفهري إلى العرنيين .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : شوال العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
في هذا العام كانت سَريَّةُ كُرْزِ بنِ جابِرٍ الفِهريِّ إلى العُرَنيِّين، الذين قَتَلوا راعيَ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واستاقوا النَّعَمَ؛ فبَعَث رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في آثارِهِم كُرْزَ بنَ جابِرٍ رَضي اللهُ عنه في عِشرين فارِسًا.
عن أنس رَضي اللهُ عنه: أنَّ رهطًا من عُكلٍ وعُرَينةَ أتَوا رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالوا: إنَّا أُناسٌ من أهل ضَرعٍ، ولم نَكُن أهلَ ريفٍ، فاستَوخَمنا المَدينةَ -لم يُوافِقهم جَوُّها- فأمَر لهم رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذَودٍ -إبلٍ- وراعٍ، وأمَرَهم أن يَخرُجوا فيها فيَشرَبوا من أبوالِها وألبانِها؛ فانطَلَقوا حتى إذا كانوا في ناحيةِ الحَرَّةِ قَتَلوا راعيَ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واستاقوا الذَّودَ، وكَفَروا بعد إسلامِهِم؛ فبَعَث النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في طَلَبِهم، فأمر فقَطَع أيديَهم وأرجُلَهم وسَمَرَ أعيُنَهم -كَحَلَها بمَساميرَ مَحميَّةٍ-، وتَرَكَهم في ناحيةِ الحَرَّةِ حتى ماتوا وهم كذلك. وإنَّما سَمَرَ أعينهم لأنهم سمروا أعين الرعاء.
بَيعةُ الرِّضْوانِ .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبلَ عَقْدِ صُلحِ الحُديبيةِ بعَث خِراشَ بنَ أُميَّةَ الخُزاعيَّ إلى مكَّةَ، وحمَلهُ على جَملٍ له يُقالُ له: الثَّعلبُ. فلمَّا دخَل مكَّةَ عَقَرَتْ به قُريشٌ وأرادوا قَتْلَ خِراشٍ فمنَعهُم الأَحابيشُ (هم: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة) حتَّى أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فدَعا عُمَرَ لِيَبعثَهُ إلى مكَّةَ، فقال: يا رسولَ الله إنِّي أَخافُ قُريشًا على نَفْسي، وليس بها مِن بني عَدِيٍّ أحدٌ يَمنعُني، وقد عَرفتْ قُريشٌ عَداوتي إيَّاها وغِلْظَتي عليها؛ ولكنْ أَدلُّك على رجلٍ هو أَعزُّ مِنِّي عُثمانَ بنِ عفَّانَ. فدَعاهُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فبعَثهُ إلى قُريشٍ يُخبِرُهم أنَّه لم يأتِ لحربٍ، وأنَّه جاء زائرًا لهذا البيتِ مُعَظِّمًا لِحُرمَتِه، فخرج عُثمانُ حتَّى أتى مكَّةَ ولَقِيَهُ أَبانُ بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ، فنزَل عن دَابَّتِه وحمَله بين يَديه ورَدِف خلفَه وأَجارهُ حتَّى بلَّغَ رِسالةَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فانطلق عُثمانُ حتَّى أتى أبا سُفيانَ وعُظماءَ قُريشٍ فبَلَّغهُم عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما أَرسلهُ به، فقالوا لِعُثمانَ: إن شِئتَ أن تَطوفَ بالبيتِ فَطُفْ به. فقال: ما كنتُ لأفعلَ حتَّى يَطوفَ به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فاحْتبسَتهُ قُريشٌ عندها، فبلَغ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم والمسلمين أنَّ عُثمانَ قد قُتِلَ).قال ابنُ عُمَرَ رضِي الله عنهما:كانت بَيعةُ الرِّضوانِ بعدَ ما ذهَب عُثمانُ إلى مكَّةَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيدِه اليُمنى: «هذه يدُ عُثمانَ». فضرَب بها على يدِه، فقال: «هذه لِعُثمانَ».
وقال جابرُ بنُ عبدِ الله: كُنَّا يومَ الحُديبيةِ ألفًا وأربعَ مائةٍ، فبايَعْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعُمَرُ آخِذٌ بيدِه تحت الشَّجرةِ، وهي سَمُرَةٌ. وقال لنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أنتم اليومَ خيرُ أهلِ الأرضِ». ثم قال جابرٌ: لو كنتُ أُبصِرُ لأَرَيْتُكُم مَوضِعَ الشَّجرةِ .
وعن مَعقِلِ بنِ يَسارٍ قال: لقد رَأيتُني يومَ الشَّجرةِ، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُبايِعُ النَّاسَ، وأنا رافعٌ غُصنًا مِن أَغصانِها عن رَأسِه، ونحن أربعَ عشرةَ مائةً. وقدِ اخْتلفتِ الرِّواياتُ في عَددِهم، فقال ابنُ حَجَرٍ: (والجمعُ بين هذا الاختلافِ أنَّهم كانوا أكثرَ مِن ألفٍ وأربعمائةٍ، فمَن قال: ألفًا وخمسمائةٍ جبَر الكَسرَ، ومَن قال: ألفًا وأربعمائةٍ أَلغاهُ).
صُلْحُ الحُدَيبيةِ .
العام الهجري : 6 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
خرَج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومعه قُرابةُ ألفٍ وأربعمائةٍ مِن أصحابِه يُريدون العُمرةَ فلمَّا وصلوا إلى الحُديبيةِ - وهي تَبعُد عن مكَّةَ قُرابةَ 22 كم - وَصلَهُ الخبرُ أنَّ هناك مَن يُريدُ أن يُقاتِلَهُ، فقال: إنَّه لم يَجِئْ لقِتالٍ؛ بل جاء مُعتمِرًا. وأَرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عُثمانَ بنَ عفَّانَ إلى مكَّةَ لِيُخبِرَهم بذلك، ثمَّ شاع الخبرُ أنَّ عُثمانَ قُتِلَ، فأمَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصَّحابةَ رضي الله عنهم أن يُبايِعوه على القِتالِ، فبايَعوهُ وهي بَيعةُ الرِّضوانِ، ثمَّ جاء المشركون إلى الحُديبيةِ وحَصَلت عِدَّةُ مُفاوضاتٍ بين رُؤساءٍ مِنَ المشركين وبين النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حتَّى جاء سُهيلُ بنُ عَمرٍو فصالَحهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على أن تُوضَعَ الحربُ عشرَ سنين يأمنُ فيها النَّاسُ، ويَكُفُّ بعضُهم عن بعضٍ، وعلى أنَّ مَن أتى رسولَ الله مِن أصحابِه مِن غيرِ إذنِ وَلِيِّهِ رَدَّهُ رسولُ الله عليهم، ومَن أتى قُريشًا مِن أصحابِه لم يَردُّوه، وأنَّ بينهم عَيْبَةً مَكفوفَةً، أي: لا غِشَّ فيها، وأنَّه لا إسْلالَ -يعني لا سَرِقةَ- ولا إغْلالَ -يعني لا خِيانةَ- وأن يَرجِعَ في عامِه هذا دون أن يَدخُلَ مكَّةَ وله ذلك في العامِ القابلِ، يَدخلُها ثلاثةَ أيَّامٍ معه سِلاحُ الرَّاكبِ لا يَدخلُها بغيرِ السُّيوف في القُرُبِ... ثمَّ أمَر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه أن يَنحَروا ويَحلِقوا؛ ولكنَّهم لم يفعلوا حتَّى أَشارت عليه أمُّ سَلمةَ رضي الله عنها أن يَقومَ هو بذلك دون أن يُكلِّمَ أحدًا فلمَّا رَأَوْهُ نَحَرَ تَواثَبوا إلى الهَدْيِ وفعلوا مِثلَ ما فعَل, ثم عاد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة دون عُمرةٍ ودون قِتالٍ.
غَزوةُ خَيبرَ .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
اختلَف أهلُ السِّيَرِ في وقتِها على قولين، فقِيلَ: في السَّنةِ السَّابعةِ. وهو قولُ ابنِ إسحاقَ وغيرِه، وقِيلَ: في السَّنةِ السَّادسةِ. وهو قولُ مالكٍ وغيرِه. قال ابنُ القَيِّمِ: والجُمهورُ على أنَّها في السَّابعةِ. وقال ابنُ حَجَرٍ: وهذه الأقوالُ مُتقاربةٌ، والرَّاجحُ منها ما ذكَرهُ ابنُ إسحاقَ، ويُمكنُ الجمعُ بينهما بأنَّ مَن أطلق سَنَةَ سِتٍّ بِناءً على أنَّ ابتداءَ السَّنةِ مِن شهرِ الهِجرةِ الحقيقيِّ وهو ربيعٌ الأوَّلُ. عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غَزا خَيبرَ، قال: فصلَّينا عندها صلاةَ الغَداةِ بِغَلَسٍ، فرَكِبَ نَبيُّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ورَكِبَ أبو طلحةَ، وأنا رَديفُ أبي طلحةَ، فأَجرى نَبيُّ الله صلى الله عليه وسلم في زُقاقِ خَيبرَ، وإنَّ رُكبتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبيِّ الله صلى الله عليه وسلم، وانْحسَر الإزارُ عن فَخِذِ نَبيِّ الله صلى الله عليه وسلم، فإنِّي لأَرى بَياضَ فَخِذِ نَبيِّ الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا دخَل القريةَ قال: «الله أكبرُ خَرِبتْ خَيبرُ، إنَّا إذا نزَلنا بِساحةِ قومٍ فَساءَ صباحُ المُنذَرين». قالها ثلاثَ مرَّاتٍ، قال: وقد خرَج القومُ إلى أعمالِهم، فقالوا: محمَّدٌ، والله -قال عبدُ العَزيزِ: وقال بعضُ أصحابِنا: محمَّدٌ، والخَميسُ- قال: وأَصَبناها عَنْوَةً، وجُمِعَ السَّبْيُ، فجاءَهُ دِحْيَةُ فقال: يا رسولَ الله، أَعطِني جاريةً مِنَ السَّبْيِ. فقال: «اذهَبْ فخُذْ جاريةً». فأخَذ صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ، فجاء رجلٌ إلى نَبيِّ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نَبيَّ الله، أَعطيتَ دِحيةَ صَفيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ سَيِّدِ قُريظةَ والنَّضيرِ! ما تَصلُحُ إلَّا لك، قال: «ادْعوهُ بها». قال: فجاء بها، فلمَّا نظَر إليها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، قال: «خُذْ جاريةً مِنَ السَّبْيِ غيرَها». قال: وأَعتقَها وتَزوَّجَها..." عن أنسٍ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خرَج إلى خَيبرَ، فجاءَها ليلًا، وكان إذا جاء قومًا بِليلٍ لا يُغيرُ عليهم حتَّى يُصبِحَ، فلمَّا أَصبح خرجَت يَهودُ بمَساحيهِم ومَكاتِلهِم، فلمَّا رَأَوْهُ قالوا: محمَّدٌ والله، محمد والخَميسُ. فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «الله أَكبرُ، خَرِبَتْ خَيبرُ إنَّا إذا نزلنا بِساحةِ قومٍ، فَساءَ صَباحُ المُنذَرين». وقد جعَل الله تعالى فتحَ خَيبرَ على يَدِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.
وعن عبدِ الله بنِ عُمَرَ رضِي الله عنهما قال: أَعطى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيبرَ اليَهودَ: أن يَعمَلوها ويَزرَعوها، ولهم شَطْرُ ما يَخرُجُ منها". فأَبقاهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في أَرضِهم ولهم النِّصفُ.
تَحريمُ لُحومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ ومُتعةِ النِّساءِ يوم خيبر .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
في أثناءِ غَزوةِ خَيبرَ حَرَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لُحومَ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ، وأَخبرَ أنَّها رِجْسٌ، وأمَر بالقُدورِ فأُلقِيتْ وهي تَفورُ بِلُحومِها، وأمَر بغَسلِ القُدورِ بعدُ، وأَحَلَّ حِينئذٍ لُحومَ الخَيْلِ وأَطعَمهُم إيَّاها, كما نَهى صلى الله عليه وسلم عن مُتعةِ النِّساءِ.
هجرة أبي موسى الأشعري وأصحابه رضي الله عنهم إلى المدينة مروراً بالحَبشةِ .
العام الهجري : 7 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 628
تفاصيل الحدث:
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: بلغَنا مَخرجُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ونحن باليَمنِ، فخرَجْنا مُهاجرين إليه، أنا وأَخَوانِ لي أنا أَصغرُهم، أَحدُهما أبو بُردةَ، والآخرُ أبو رُهْمٍ -إمَّا قال: في بِضْعٍ، وإمَّا قال: في ثلاثةٍ وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلًا مِن قومي- فرَكِبْنا سَفينةً، فأَلقَتْنا سَفينتُنا إلى النَّجاشيِّ بالحَبشةِ، ووافَقْنا جَعفرَ بنَ أبي طالبٍ وأصحابَه عنده، فقال جَعفرٌ: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعَثنا هاهنا، وأمَرنا بالإقامةِ، فأقيموا معنا. فأَقمنا معه حتَّى قَدِمنا جميعا، فوافَقْنا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حين افتَتَح خَيبرَ، فأَسهَم لنا -أو قال: فأعطانا منها- وما قَسَمَ لأحدٍ غاب عن فَتحِ خَيبرَ منها شيئًا، إلَّا لمن شَهِدَ معه، إلَّا أصحابَ سَفينتِنا مع جَعفرٍ وأصحابِه، قَسَمَ لهم معهم.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
011011145454545/000000
01101114545/00000000000000000000
-
/*/ س وج المعدل ثم يليه كتاب نداء الي أمة الإسلام والأزهر الشريف ** الفرق في تشريعات الطلاق بين سورة الطلاق و سورة البقرة يليه مسلمات...
-
هيئة التطليق التي استقر عليها اخر تشريع الطلاق والي يوم القيامة هو بالترتيب 1.عدة الاحصاء اولا 2. ثم مرحلة التخيير امساكا او فراقا 3. ثم...
-
💥 يتبقي لنا في هذه المقدمة السلم التأريخي للتنزيل القراني وقضية النسخ الالهي لما يريد الباري جل جلاله نسخة من التشريعات المنزلة 💥 وم...